في ظل استمرار تصاعد خطر جائحة ڤيروس كورونا المستجد على العالم، من الطبيعي أن يسيطر خطر هذا المرض على تفكير قادة العالم، لكن للأسف الشديد هناك مخاطر أخرى تهدد البشرية تحتاج إلى قدر من الاهتمام وفي مقدمتها خطر نشوب حرب نووية.
وفي هذا الخصوص يقول المحلل السياسي الألماني أندرياس كلوته في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء أن مخاطر نشوب حرب نووية في العالم تتزايد بكل أسف ولا تتراجع، مشيرا إلى أن الأرقام المتداولة في هذا السياق تبدو مضللة. ففي حين تراجع حجم ترسانة العالم النووية خلال العام الماضي وفقا لأحدث تقارير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، فإن الواقع يقول إن هذا الانخفاض جاء نتيجة قرار كل من الولايات المتحدة وروسيا واللتين تمتلكان نحو 90% من الترسانة النووية للعالم، التخلص من الرؤوس النووية القديمة وتحديث ترسانتيهما.
في الوقت نفسه فإن القوى النووية التسع في العالم تقوم حاليا بتحديث ترسانة رؤوسها النووية ووسائل استخدامها. فقد أجرت فرنسا مؤخرا تجربة ناجحة لإطلاق صاروخ نووي يسير بسرعة تعادل 20 مثل سرعة الصوت من إحدى غواصاتها. كما تحاول الدول الأخرى وبخاصة الصين تعزيز ترساناتها النووية بأسرع ما يمكن.
ومما يزيد القلق من سباق التسلح الحالي مقارنة بسباق التسلح النووي في سنوات الحرب الباردة خلال القرن العشرين، هو أن الدول الآن تراجع استراتيجية استخدام السلاح النووي بما يتجاوز أهداف الردع التي كانت قائمة أثناء الحرب الباردة عندما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يدركان أن كل دولة منهما تمتلك الإمكانيات النووية لتدمير الطرف الآخر إذا بادر باستخدام السلاح النووي وهو ما كان معروفا في ذلك الوقت باسم «خطر التدمير المتبادل».
فعلى سبيل المثال ترى روسيا وبشكل متزايد أن تطوير أسلحة نووية تكتيكية أصغر حجما يمكن أن يكون وسيلة لتعويض نقاط الضعف في قواتها العسكرية الأخرى. ويبدو مقنعا القول إن صراعا يبدأ بحرب هجين تتراوح وسائلها بين حملات الإعلام المضللة وتصل إلى استخدام مقاتلين غير رسميين، يمكن أن تتحول إلى حرب تقليدية وتشهد القيام بضربات نووية محدودة، تستدعي ردا مماثلا وهكذا.
وهناك تكهنات بأن الهند يمكن أن تتخفف من السياسة التي تبنتها عام 1998 بألا تكون أول من يستخدم السلاح النووي في أي صراع. مثل هذا التحول لن يكون بسيطا بالنسبة لدولة في حالة عداء من جارتين قويتين لدى كل منهما ترسانة نووية هما الصين وباكستان. وخلال الفترة الاخيرة شهدت الحدود الهندية الصينية اشتباكات مسلحة اسفرت عن مقتل نحو 20 عسكريا من الهند بسبب الخلافات الحدودية بين البلدين. ثم، هل يمكن لأحد التخمين بما يمكن أن تصل إليه كوريا الشمالية ذات الترسانة النووية في أي أزمة تثيرها؟ في الوقت نفسه فإن جهود الحد من انتشار الأسلحة النووية أو خفضها توقفت.
وقد تم إلغاء اتفاقية حظر الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، في العام الماضي بعد اتهام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لروسيا بانتهاك هذه الاتفاقية. كما أن الدولتين لم تقتربا من تمديد اتفاقية الحد من التسلح النووي المتبقية بينهما والمعروفة باسم «نيو ستارت» والتي ينتهي العمل بها في فبراير المقبل. ومن أهم أسباب عدم تمديد الاتفاقية إصرار الولايات المتحدة على انضمام الصين إليها باعتبارها القوة النووية الثالثة والصاعدة في العالم. ولكن الصين ترى أنها مازالت تحاول اللحاق بالقوتين النوويتين الأكبر، ولذلك ترفض فرض أي قيود عليها في هذا المجال.
ومما يزيد الأمر سوءا، تزايد الشكوك التي تحيط بمستقبل التحالف بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والذي مثل عنصر ردع مهم لمنع نشوب حرب في اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. ويشعر الألمان بشكل خاص الآن بالرعب من طريقة تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع بلادهم، حيث أكد اعتزامه سحب ربع القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا.
وفي مايو الماضي اقترح العديد من قادة الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني والمعروف بتحفظه التقليدي تجاه الولايات المتحدة، التخلي عن سياسة «الشراكة النووية» لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتي تجعل بعض الدول الأعضاء مثل ألمانيا تتخلى عن بناء ترسانة نووية خاصة بها، لكنها توفر الطائرات القاذفة اللازمة لاستخدام القنابل النووية الأميركية في أي وقت. هذه السياسة تجعل الردع المشترك أكثر مصداقية. لكن بالنسبة لليساريين في ألمانيا فإن فقدان الثقة في الرئيس الأميركي ترامب سبب كاف لتفنيد هذا المنطق. ولكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سارعت بإعلان رفضها لمقترح أعضاء الحزب الاشتراكي الديموقراطي.
وما بين السذاجة في ألمانيا والعدوانية في روسيا والطموح في الصين والجمود أميركا الترامبوية وحافة الهاوية في كوريا الشمالية، يبدو مستقبل العالم قاتما. ويمكن أن تحاول دولة مارقة أو تتطلع إلى المكانة اختبار حدود خطط ردع أعدائها أو يقع خطأ بشري يؤدي إلى تفاقم الحماقة فينشب الصراع النووي.
في الوقت نفسه فإن الأوضاع الدولية من الحروب التجارية إلى مواجهة جائحة كورونا تجعل من الصعب تصور اجتماع قادة العالم لمناقشة قضية المخاطر النووية.
ويرى أندرياس كلوته إنه على قادة العالم الارتفاع فوق أنفسهم والتعامل مع الخطر النووي، وإذا لم يفعلوا ذلك فيمكن لقواعد الناخبين وقادة المؤسسات العسكرية إجبارهم على ذلك. فالتحرك الدولي متعدد الأطراف هو الحل الوحيد الذي يمكن أن ينقذ العالم من كارثة نووية قادمة.