القاهرة - أ.ش.أ: تشهد بيلاروسيا أجواء مضطربة تخيم على المشهد العام في البلاد حيث تتصاعد الاحتجاجات الداخلية الرافضة لنتائج الانتخابات التي انعقدت الأسبوع الماضي وأسفرت نتائجها عن فوز لوكاشينكو بولاية رئاسية جديدة.. بينما يستمر التنديد الخارجي بنتائج الانتخابات في مشهد ينذر بقرب انزلاق بيلاروسيا في أزمة متعثرة، الأمر الذي دعا الاتحاد الأوروبي إلى عقد قمة طارئة، عبر الڤيديو، لمناقشة تطورات الأزمة التي أدت إلى اندلاع احتجاجات واسعة وغير مسبوقة في أنحاء البلاد وفرض عقوبات على المسؤولين في بيلاروسيا ورفض الاعتراف بنتائج الانتخابات.
وكانت النتائج الرسمية للانتخابات قد أظهرت فوز لوكاشينكو بنحو 80% من الأصوات، مقابل حصول مرشحة المعارضة الرئيسية، سفيتلانا تيخانوفسكايا، على 10% فقط.
وفور الإعلان عن النتائج، تصاعدت الاحتجاجات في البلاد حيث خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع اعتراضا على نتيجة الانتخابات ودعما لمرشحة المعارضة تيخانوفسكايا، وأوقفت الشرطة أكثر من 6700 شخص في محاولة لإنهاء الاحتجاجات.. فيما أصيب المئات بجروح وقتل شخصان.
لكن محاولات الشرطة لإيقاف الاحتجاجات لم تحقق النتائج المرجوة حيث لم يبد المتظاهرون أية علامة على التراجع، واستمر خروجهم إلى الشوارع في مجموعات أصغر.
كما تظاهر آلاف المواطنين أمام مقر التلفزيون الحكومي احتجاجا على دعمه للوكاشينكو وتشويهه لصورة الاحتجاجات، في الوقت الذي انضم فيه حوالي مئة من موظفي التليفزيون إلى صفوف المتظاهرين معلنين إضرابهم عن العمل، إضافة إلى خروج موظفين حكوميين آخرين، بما فيهم ضباط في الشرطة، لدعم الاحتجاجات.
كما نفذ مئات العمال، في مصانع مملوكة الدولة، إضرابا عن العمل احتجاجا على نتائج الانتخابات، في إشارة إلى أن قاعدة الدعم التقليدية التي كان يعتمد عليها لوكاشنكو، بدأت تنقلب عليه.
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن سفير بيلاروسيا لدى سلوفاكيا، إيغور ليشتشينيا، تضامنه مع المتظاهرين في تسجيل مصور نشرته إحدى الصحف، السبت الماضي.
وبعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التي أعلنت فوز لوكاشينكو، اتجهت مرشحة المعارضة تيخانوفسكايا إلى ليتوانيا وأعلنت عبر الفيديو، استعدادها لقيادة البلاد كزعيمة وطنية.
من جانبه، أعلن لوكاشنكو رفضه أية وساطة أجنبية لحل هذه الأزمة كما أعلن قيام الجيش في بيلاروسيا بإجراء تدريبات عسكرية في مناطق على الحدود مع ليتوانيا، وذلك في ضوء انتشار دبابات وطائرات حلف «الناتو» على بعد 15 دقيقة من حدود بلاده، على حد قوله.
وردا على ذلك، أكد حلف «الناتو»، أن قواته في الجزء الشرقي «لا تمثل تهديدا لأية دولة»، مضيفا «أن الهدف من وجودها منع الصراع وحفظ السلام»، كما أكدت ليتوانيا، الدولة العضو في حلف (الناتو)، أنها لا تمثل تهديدا عسكريا لجارتها بيلاروسيا.
أما روسيا، فقد أكدت دعمها لضمان أمن بيلاروسيا حيث أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوكاشينكو استعداد موسكو لتقديم المساعدة طبقا لاتفاق عسكري إذا لزم الأمر.
ووفقا لمراقبين، فإنه يبدو جليا أن لوكاشنكو يواجه حاليا أكبر تحد في فترة حكمه على مدى 26 عاما، وسط توتر غير مسبوق في الشارع، يتزامن مع حراك دولي رافض لإعادة انتخابه لولاية سادسة وتهديدات بفرض عقوبات دولية، وهو ما ينذر بأزمة كبيرة في بيلاروسيا تحمل في طياتها مجموعة من المخاطر السياسية والاقتصادية للبلاد.
وعلى المستوى الداخلي، يرى المراقبون أنه على الرغم من اتهام لوكاشنكو بتزوير الانتخابات عدة مرات سابقة، سواء من قبل المعارضة أو من مراقبين مستقلين، إلا أن الأزمة هذه المرة تبدو أكثر خطورة للعديد من العوامل أهمها أن الشعب ضاق ذرعا بحكم لوكاشنكو الذي ظل يحكم البلاد بقبضة من حديد لأكثر من عقدين ونصف، فعلى مدار السنوات الماضية لم ينجح في بناء قاعدة دعم رسمية أو إرساء قواعد ديموقراطية، فلا توجد أحزاب سياسية في البلاد، باستثناء الحزب الوحيد، الذي تأسس عام 2007 من جانب حلفاء الرئيس، وأعضاء المؤسسة السياسية، ويعمل كمنظمة مجتمع مدني أكثر من كونه حزبا سياسيا رسميا.
وظهر ذلك خلال الانتخابات الحالية حيث حاولت 55 مجموعة تقديم مرشحين لانتخابات هذا العام، ولكن سمح فقط لـ 15 شخصا بالمشاركة، حيث اعتمد لوكاشينكو خلال فترة حكمه على نظام قائم على الشخصية وليس على القوائم الحزبية.
إضافة لذلك، فإن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وفقدان الكثير من الوظائف، خاصة في المصانع والمزارع والذين يوصفون بـ «الأغلبية الصامتة»، أدى إلى انتشار الاضطرابات في العاصمة مينسك وخارجها، وخلق حركة جماهيرية ضخمة مناهضة للرئيس.
وجاءت جائحة «كورونا» لتزيد الأوضاع سوءا حيث يراها المراقبون أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في تفاقم الأزمة وزيادة رد الفعل الشعبي العنيف تجاه لوكاشينكو، والذي تعمد التعامل مع الفيروس منذ البداية بسخرية، معلنا أنه «لن يموت أحد من ڤيروس كورونا في بلدنا»، في الوقت الذي أكدت فيه الإحصاءات الرسمية إصابة حوالي 70 ألف حالة، وتسجيل أكثر من 600 حالة وفاة.
وأجبر الوباء العديد من العمال المهاجرين على العودة إلى بيلاروسيا، وتركهم عاطلين عن العمل وأسرهم بدون دخل، وهو ما أدى بدوره إلى إثارة المشاعر المعادية للوكاشينكو.
واقتصاديا، تشير تقديرات وكالة «إس آند بي» جلوبال للتصنيفات الائتمانية إلى أنه على الرغم من أن الأزمة السياسية الداخلية في بيلاروسيا لم تؤثر بعد على تصنيفها الائتماني إلا أن المخاطر تتزايد، وتوقعت الوكالة أن يتراجع الاقتصاد البيلاروسي بنسبة 4% هذا العام، محذرة من خطر إغلاق أسواق رؤوس الأموال الدولية بسبب تنامي آفاق فرض العقوبات الدولية، وهو ما ينذر بخطر حقيقي يهدد اقتصاد البلاد.
أما على المستوى الخارجي، فيرى محللون أن ما قد يزيد الأمور خطورة هو إعلان روسيا استعدادها لدعم بيلاروسيا عسكريا وهو الأمر الذي قد يحول مينسك إلى مسرح جديد للصراع الروسي الأميركي الأوروبي على خارطة النفوذ، فبيلاروسيا تحظى بأهمية خاصة لدى روسيا للعديد من الأسباب أهمها أن مينسك تستضيف خطوط أنابيب تنقل صادرات الطاقة الروسية إلى الغرب، وتنظر إليها موسكو أيضا على أنها منطقة عازلة ضد حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن التلويح الروسي بتقديم الدعم العسكري لمينسك يأتي في إطار منع أية هزة سياسية بجوارها قد تشكل تهديدا لها أو لمصالحها الاستراتيجية.
وفي ضوء ما سبق.. يبدو جليا أنه مع استمرار الاحتجاجات الداخلية وتزايد الضغوط الخارجية فإن بيلاروسيا على مشارف أزمة غير مسبوقة قد تنزلق بها إلى حالة من الفوضى، فالمشهد الحالي يختلف عن أي مشهد شهدته البلاد من قبل سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي وقد يصل الأمر إلى تكرار سيناريو التدخل الروسي في أوكرانيا، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تهديد استقرار بيلاروسيا وينذر بأزمة خطيرة في المنطقة بأسرها.