بيروت - عمر حبنجر
التفاؤل باحتمال إعلان الحكومة الميقاتية في حدود بعد غد الأحد، وفق حديث رئيس الجمهورية ميشال عون لوفد الكونغرس الأميركي، ودعوة الرئيس نبيه بري لتنحية الخلافات وإعلانها بحدود هذا الموعد، لم يبرح دائرة الحذر، والخشية واضحة من دخول التفاصيل الشيطانية على الخط في آخر لحظة، ما يرد كلام الرئيس عون، إلى دائرة التمني، ويجعل من تأكيدات بري، مجرد إفراط في التفاؤل.
وفي واجهة العقد اثنتان ظاهرتان للعيان: عقدة تركيب الوفد اللبناني الى التفاوض مع صندوق النقد الدولي، والذي يفترض ان يضم ممثلين عن 5 وزارات هي: الطاقة والاتصالات والمالية والشؤون الاجتماعية والاقتصاد، حيث يصر الرئيس المكلف نجيب ميقاتي على ان تكون وزارة الاقتصاد من حصته كي يتسنى له من خلالها متابعة المفاوضات، مع صندوق النقد عن كثب، باعتبار ان الوزارات الـ 4 من أصل الـ 5 موزعة على القوى السياسية الأخرى.
أما العقدة الثانية، والتي تصح تسميتها بأم العقد وأبيها.. فهي عقدة «الثلث المعطل» المتمثلة بإصرار الرئيس عون على ان يكون له تسعة وزراء في حكومة الثلاث ثمانيات، وليس ثمانية فقط، ومؤكد ان ميقاتي لن يوافق على اي ثلث معطلا سمي، او ضامنا.
ومع كثرة التسريبات حول الحقائب وتوزيعها، صدر عن المكتب الإعلامي للرئيس المكلف تشكيل الحكومة بيان أكد فيه حرصه «على مقاربة عملية تشكيل الحكومة، وفق القاعدة الدستورية المعروفة وبما يتوافق مع مقتضيات المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان، والتي ضاق فيها اللبنانيون ذرعا بالسجالات ويتطلعون إلى تشكيل حكومة تبدأ ورشة الإنقاذ المطلوبة».
وانتقد إصرار «البعض على تحويل عملية تشكيل الحكومة إلى بازار سياسي وإعلامي مفتوح على شتى التسريبات والأقاويل والأكاذيب، في محاولة واضحة لإبعاد تهمة التعطيل عنه وإلصاقها بالآخرين، وهذا أسلوب بات مكشوفا وممجوجا».
وأضاف «ان اعتماد الصيغة المباشرة أحيانا والأساليب الملتوية أحيانا أخرى لتسريب الأخبار المغلوطة، لاستدراج رد فعل من الرئيس المكلف او لاستشراف ما يقوم به لن تجدي نفعا».
في غضون ذلك، ردت مصادر رؤساء الحكومة السابقين على البيان المعمم باسم «مصادر مطلعة على اجواء بعبدا» حول مسؤوليات الرئيس عون بالقول: بينما عملية تأليف الحكومة ما تزال تدور في الحلقة التعطيلية المعروفة رغم كل الجهود التي يبذلها الرئيس ميقاتي، لجأت اجواء بعبدا، كما وصفت نفسها، الى تسريبات جدلية مجتزأة، وفي غير مكانها الصحيح. وحسما للجدل حول مسؤولية الرؤساء، ذكرت المصادر ان المادة 64 من الدستور تقول ان رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها وينطق باسمها ويعتبر مسؤولا عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء، ويطرح السياسة العامة للحكومة امام مجلس النواب. وأضافت المصادر، ان موقف الرؤساء السابقين معبر عنه في البيان الذي أصدروه بشأن مسؤولية رئيس الجمهورية في انفجار مرفأ بيروت انطلاقا من كلام الرئيس عون نفسه، وهو القائل انه تلقى قبل اسبوعين من تاريخ انفجار المرفأ، تقريرا عن المواد المخزنة فيه، ولم يبادر الى طرح الأمر من خارج جدول اعمال مجلس الوزراء، كما لم يدع بصفته رئيسا لمجلس الدفاع الأعلى الى عقد اجتماع لدرس التقرير واتخاذ الإجراءات المناسبة.
المصادر المتابعة لاحظت ان التفاؤل بقرب تشكيل الحكومة تزامن مع وصول وفد الكونغرس الأميركي الى بيروت، وتساءلت عما اذا كان ثمة «اشارة خارجية»، جاء بها الوفد، وحملها الى رؤساء السلطات الدستورية في لبنان، خارج اطار التمني بتشكيل الحكومة، والنصح بعدم الاعتماد على النفط الإيراني.
وأيا كانت الظروف التي حدت بالرئيس عون الى ابلاغ الأميركيين، دون سواهم، هذا الخبر السار، تكون مشكلة كبرى، ان لم يحصل تأليف الحكومة في الموعد الذي اشار اليه بما قد يسببه من حر ج تجاه من أبلغهم الخبر.
والمشكلة الأكبر ان تبلغ هذه البشرى الى الأميركيين قبل الحلفاء الأقربين، وتحديدا حزب الله، الذي بقدر ما يستطيع تسهيل تأليف الحكومة بقدر ما يستطيع ان يؤخره!
وثمة من يخفف من وقع عدم ولادة الحكومة بالتوقيت الذي حدده الرئيس عون للأميركيين، اذ كم من وعود اعطيت للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زياراته الشخصية للبنان، ثم تبخرت فور مغادرته!
وفي تقدير المصادر المتابعة لـ «الأنباء» ان السياسيين اللبنانيين، يتعاملون مع المواقف السياسية، كتعاملهم من القروض والمساعدات الخارجية، على قاعدة «الشاطر بشطارته».
وفي الحالة الحاضرة، الحجة متوافرة، حزب الله لن يسمح بإعطاء واشنطن ما لم يعطه، حكوميا لباريس، الا اذا باض الحمام على الوتد النمساوي، وحلت عقدة المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران في فيينا، وهذا ما لا تراه العين المجردة حتى الآن. إذاعة «صوت لبنان» تساءلت لماذا يمنح الرئيس عون امتياز معرفة موعد التأليف، لوفد الكونغرس الأميركي، الذي أنزل عقوبات برئيس تياره النائب جبران باسيل الا اذا كان المقابل وعدا برفع العقوبات عنه؟
أما مجلس المطارنة الموارنة، فكان أكثر تشاؤما في هذه المرحلة، وقد عبر بيان اجتماعه الشهري الأخير في بكركي عن حجم القلق الذي يساور هذه الشريحة اللبنانية الأساسية، حيث بلغ حد التأكيد بأن لبنان على مشارف الزوال. وجاء في البيان قول المطارنة الذين اجتمعوا برئاسة البطريرك بشارة الراعي، ان تشكيل الحكومة بات شأنا مستحيلا، على الرغم من مرور أكثر من سنة على ذلك، ولأسباب تحاصصية معيبة لأصحابها، وحذر من مغبة ما يجري وهو يخفي انقلابا على الميثاق الوطني والدستور واتفاق الطائف. وقد حملوا المعنيين في الدولة، تبعات الكوارث المتتالية التي يتسببون بها.
ويرى المطارنة أن لبنان الحرية والسيادة والاستقلال وسلامة الأراضي، بات على مشارف الزوال، وأن ثمة قوى إقليمية ومحلية تابعة لها وراء ذلك. ويدعون شعب لبنان إلى التصدي لها بما أوتي من قوة، ومهما بلغت التضحيات، فالقضية اليوم، إنما هي قضية المصير وقضية حياة أو موت.