بيروت ـ ناجي شربل وأحمد عز الدين
من يردع إسرائيل ويحول دون مواصلة اعتداءاتها في لبنان، والتي لا تقتصر على أهداف عسكرية كما تقول في بياناتها؟ وما حدث في مخيم عين الحلوة من سقوط قتلى كانوا في ملعب رياضي مساء الثلاثاء، ونجاة تلامذة صباح الأربعاء كانوا في حافلة تقلهم إلى مدرستهم، بعد استهداف سيارة صودف مرورها قرب الحافلة في بلدة الطيري، خير دليل على غياب الرادع والتفلت الإسرائيلي من أي ضوابط وقيود، علما أن إسرائيل لم تعترف، حتى ولو شكلا، باتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع 27 نوفمبر 2024 مع لبنان برعاية أميركية ـ فرنسية.
سؤال بات الجواب عنه غير متوافر، في ضوء انعكاس الأمور، ومبادرة الدول، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية، إلى ممارسة ضغوط باتجاه أحادي على لبنان، لتلبية المطالب والشروط الإسرائيلية، وصولا إلى «هز» صورة أقوى المؤسسات الوطنية والأمنية، مؤسسة الجيش اللبناني، بعد التصرف الأميركي مع زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل التي كانت مقررة إلى واشطن، وألغيت من قبل هيكل بعد حذف المواعيد المهمة من قبل الجهة الأميركية الداعية.
باختصار، يبدو المشهد كالآتي: تفلت إسرائيلي من كل قيود وضوابط بغطاء دولي، وحصار على لبنان الرسمي من قبل الراعي الدولي الأبرز، يطول عقيدة الجيش اللبناني التي تقوم على اعتبار إسرائيل عدوة، ولا توازن بينها وبين أي جهة لبنانية، أيا تكن الأجندة السياسية لتلك الجهة.
واذا كان قائد الجيش يحظى بدعم كبير من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، ومثله من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، فإن الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط ونائب رئيس الحكومة السابق الياس المر، انفردا علانية بالوقوف إلى جانب قيادة المؤسسة العسكرية وتجديد الثقة بها، في مقابل صمت شبه مطبق من بقية الأفرقاء، واكتفاء البعض منهم ببيانات تجميلية تفادت اتخاذ مواقف مباشرة. ولفت ما أدلى به الرئيس بري في الذكرى الـ82 للاستقلال بدعوته «لمكافأة قيادة الجيش وجنوده وضباطه ورتبائه على عظيم ما يقدمون، وليس التشكيك والوشاية والتحريض عليهم في الداخل والخارج واستهداف دورهم الوطني المقدس، الذي كان وسيبقى عنوانا للشرف والتضحية والوفاء، من أجل حماية لبنان وصون كل تلك العناوين من عدوانية إسرائيل».
في أي حال، يبقى أمام لبنان الاستفادة من صداقاته الدولية خصوصا مع فرنسا، والمجموعة العربية التي لم تتخل عنه يوما، خاصة في المواجهات المستمرة مع إسرائيل، فضلا على التعويل على زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر بين 30 نوفمبر و2 ديسمبر المقبل.
ولا يختلف اثنان على ان الموقف الأميركي الأخير دق ناقوس الخطر جراء استهداف غير مسبوق لما اعتبرت بالإجماع حتى في عز الحرب الأهلية «مؤسسة وطنية أم». ويطول الاستهداف تاليا القيادة السياسية للبلاد، من دون أن يعني ذلك قطعا للتواصل بين رئاسة الجمهورية والسفارة الأميركية، إذ علمت «الأنباء» ان الرئيس جوزف عون سيبحث الأمر مع السفير الأميركي ميشال عيسى قريبا.
وفي السياق، قال مرجع سياسي لـ«الأنباء»: «الحملة لا تستهدف قائد الجيش بشخصه بل إن المقصود الحكومة والعهد تحديدا. الجيش ليس جزيرة منفصلة عن الواقع اللبناني، بل إن ما يقوم به هو ترجمة لإرادة السلطة. وهذا ما بدا واضحا في عرض التقرير الأخير قبل أسبوعين في مجلس الوزراء حول انتشار الجيش جنوب الليطاني، من خلال التاكيد على أن الجيش ينفذ ما تقرره الحكومة».
وفي موضوع الانتخابات، قال مصدر نيابي بارز لـ«الأنباء»: «بإقفال باب تسجيل المغتربين للاقتراع في الخارج، والذي لم يكن بالعدد المتوقع نتيجة الإشكالات السياسية والانقسام حوله، سيفتح الباب أمام تسوية تطوي هذا الملف وتخرجه من التداول».
وذكر أن التسوية «ستكون بناء على قراءة انتخابية لعدد الأصوات وتوزيعها على الطوائف والمناطق، وتأثير هذه القوة الانتخابية على المعادلة السياسية لجهة احتمالات إحداث الخرق في بعض الدوائر، وأي من هذه الدوائر ستكون عرضة لإحداث مثل هذا الخرق، وتأثير ذلك على التوازنات القائمة بين الكتل والأحزاب في معظم المناطق. وفي ضوء هذه القراءة والدراسة التي بدأت أكثر من جهة سياسية العمل عليها، يمكن البدء ببحث تسوية تنهي هذا الانقسام الذي أخذ عدة أشهر من النقاش والسجال، وأدى إلى شلل تشريعي في المجلس النيابي ومنع إقرار مشاريع حيوية عدة».
في هذا الوقت ترفع إسرائيل من وتيرة عدوانها على الجنوب، حيث رأت مصادر سياسية ان عمليات تدمير المنازل بعد توجيه التحذير إلى السكان بالإخلاء تؤكد ان الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تتوقف قبل نحو سنة، وانها استمرت ولو بـ«التجزئة»، بحيث إنها تؤدي إلى شلل عام في منطقة جنوب الليطاني، وبالتالي فإن تداعياتها تنسحب على بقية المناطق اللبنانية والملفات المختلفة، وهو ما يؤدي إلى عجز الحكومة عن اتخاذ القرار في معظم الملفات المطروحة للتداول.