د.ناصر زيدان
صادف امس 22 نوفمبر عيد الاستقلال في لبنان في هذا اليوم من العام 1943 أطلق سراح الرؤساء والوزراء الذين احتجزتهم سلطات الانتداب الفرنسي في قلعة راشيا، وتم تكريس التمرد على الإرادة الخارجية نسبيا، وحصل فيما بعد انسحاب قوات الانتداب، وألغيت الوحدة النقدية والجمركية مع سورية عام 1946 في إشارة واضحة الى احترام معايير الخصوصية اللبنانية واكتمال المندرجات الشكلية للسيادة. صحيفة الرياض السعودية، وفي عددها الصادر بتاريخ 20/11/2013 قالت: ان لبنان مازال مستعمرة عالمية، وهو على خارطة التدمير، في اشارة بالغة القساوة، وتحتوي على مؤشرات قاتمة لما يمكن ان تأول اليه الأوضاع في المستقبل، في ضوء التفجيرات الإرهابية الخطيرة التي حصلت، وكان آخرها استهداف السفارة الإيرانية في بيروت، طبعا الصحيفة أوردت هذا المقال من باب الحرص على استقرار لبنان، والتنبيه لما يمكن ان يهدد هذا الاستقرار من جراء التداعيات الخطيرة للأحداث الدامية في سورية، وما يتخللها من وحشية تمارس ضد المدنيين، تقلق الجميع، بما فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
تفجير السفارة الإيرانية في بيروت أحدث صدمة سياسية كبيرة، رغم ان التفجيرات التي سبقته في الضاحية الجنوبية وفي طرابلس - حيث تم اكتشاف منفذيها ـ فاقتها وحشية، وأوقعت عددا اكبر من الضحايا.
القيادات اللبنانية تراجع حساباتها، وهي خائفة اكثر من أي وقت مضى، وتتهيب الموقف، لأن مصير البلاد قاب قوسين أو أدنى من الضياع، وهي مهددة بالغرق في وحول الفوضى الأمنية والسياسية الآسنة.
كانت التداخلات الدولية والإقليمية بُعيد الاستقلال اللبناني مصدر اضطراب للحياة السياسية على الدوام، وقلما مر على دولة في العالم ما مر على لبنان من ويلات ومآسٍ وصعوبات، منذ تداعيات حلف «آيزنهاور» في خمسينيات القرن الماضي الى العدون الإسرائيلي المتكرر والدائم الى الحرب الأهلية (أو حرب الآخرين على أرضنا كما أسماها الراحل غسان تويني)، الى الوصاية السورية التي استمرت ما يقارب 30 عاما ودمرت تقاليد الديموقراطية اللبنانية الى تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق، ومنها انبعاث التفكير الامبراطوري عند الإيرانيين، وصولا الى الحلقة الأخطر من مسلسل ضرب الاستقلال، وهي تداعيات الحرب المدمرة في سورية وما رافقها من تدخلات لبنانية «خصوصا من حزب الله».
الإجماع على إدانة التفجير الإرهابي الذي استهدف السفارة الإيرانية كان مهما وضروريا، لاسيما انه جاء من قوى محلية وعربية ودولية ليست على وفاق مع الدور الذي تلعبه ايران في سورية وفي لبنان وفي العراق وفي اليمن والبحرين، وهذه القوى تتهم ايران ونظام سورية بأنهما شجعا تنظيمات القاعدة المتنوعة وأمدوهم بالمال والسلاح والرجال لتحقيق مآربهما في أفغانستان، والعراق، وسورية، ونهر البارد، قبل ان تنقلب هذه التنظيمات عليهما.
القوى السياسية اللبنانية خائفة الى حد كبير من تداعيات التفجير الأخير، ذلك لأنه الإنذار الأوضح وربما الأخير، قبل وقوع البلاد في حالة من الفراغ والفلتان، او الحرب الأهلية على ما اشار اليه صراحة حليف النظام السوري في جبل محسن رفعت عيد.
إن مسارعة رئيس الجمهورية الى العودة من قمة الكويت ودعوته مجلس الدفاع الأعلى الى الانعقاد وطلب الرئيس نبيه بري من الجميع تحمل المسؤولية ودعوة رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط الأطراف كافة الى الحوار الفوري ونداء المفتي محمد رشيد قباني الملح للقيادات السنية والشيعية لتهيب خطورة الموقف، كل ذلك دلالة واضحة على ان الأمور لا تحتمل الاستهتار، فالفتنة أصبحت على الأبواب ولم تعد الدعوة لتجنبها تهمة كانت تكال بحق القوى الوسطية.
إن إنقاذ الاستقلال النسبي الذي يتمتع به لبنان يستوجب ـ وفقا لأوساط سياسية متابعة ـ التمسك بإعلان بعبدا، وتأكيد سياسة النأي بالنفس عما يجري في سورية، والانسحاب من آتون المعركة الحامية هناك، والتخلي عن أوهام الحسم العسكري البعيد المنال وفقا لكل الاعتبارات. والأمر يتطلب ايضا من القوى المتشددة في شروطها إزاء المشاركة في تشكيل الحكومة الجديدة، إعادة النظر بشروطها، لأن المخاطر التي تهدد الدولة تستوجب شيئا من التواضع، بصرف النظر عن القناعات الذاتية وعن الأخطاء التي وقع فيها البعض بإرادة خارجية، من جراء تدخلاتهم العسكرية خارج لبنان.
وتضيف الأوساط ذاتها بالقول: ان المكابرة في إعلاء سقوف شروط المشاركة في الحكومة ليست في مكانها، لأن الحكومة الميثاقية ممر الزامي لإنقاذ الدولة في هذا الوقت بالذات، والبلاد لا تتحمل اليوم ابدا 7 آيار جديدة، او انتفاضة حرق دواليب وقطع طرقات، كما حصل في وجه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في 25/1/2011.
عيد الاستقلال اللبناني يعود هذه السنة بظروف تكاد تكون الأخطر في تاريخ الجمهورية، إلا ان إرادة الإنقاذ التي عبر عنها رئيس الجمهورية والقوة الاخرى الحريصة على الاستقرار قد تبعث آمالا جديدة في مسيرة الإصرار على الخروج من المحنة.