الرئيس أمين الجميل كان السباق الى تطبيق مبدأ «الوراثة السياسية الحية»، أي نقل الميراث السياسي الحزبي والعائلي، في أيامه وتحت إشرافه، الى نجله سامي الجميل، وھذا ما سيفعله زعيم زغرتا سليمان فرنجية الذي قطع شوطا في إعداد نجله طوني.
تسلم سامي الجميل رئاسة حزب الكتائب في توقيت لم يختره هو ولا والده. لقد فرض الأمر والتوقيت على الاثنين، بعدما حصل الغياب المأساوي والصادم للوزير بيار الجميل الذي كان تسلم فعلا إدارة حزب الكتائب ونجح في فترة زمنية وجيزة في إعادة الحياة والاعتبار له، جاء «سامي» إلى رئاسة حزب الكتائب من حركة «لبناننا» ومن نضال سياسي «يافع» ومع فريق عمل سياسي «مراهق»، وحاول جاهدا وسريعا أن يثبت نفسه ويحجز له مكانا متقدما في المعادلة السياسية.
وبدا للوهلة الأولى أنه محظوظ عندما سنحت له فرصة لا تتكرر، بأن يتمثل حزبه في الحكومة بثلاثة وزراء (حكومة سلام) وثلاث حقائب، وهو ما لا يتناسب مع حجم كتلته النيابية (٥ نواب). وما حصل أن «الكتائب» استفادت من انكفاء القوات الطوعي وقرارها بعدم الدخول في حكومة التشارك والتعايش مع حزب الله بما لا ينسجم مع مبادئ وسياسات تحالف 14 آذار الذي كان مازال موجودا.
ولكن حزب الكتائب بدد هذا «المكسب الامتياز» عندما قرر الاستقالة وسحب وزرائه من الحكومة. فلم يكن قرارا مدروسا وتبين أن الكتائب ليس لديها «خطة ب» ولم تعد لـ «الخطوة التالية» لتطوير هذه الاستقالة أو لاستثمارها سياسيا، والأدهى أن الجميل لم يظهر قدرة السيطرة على وزرائه والإمساك جيدا بالقرار، فأحد الوزراء الثلاثة (سجعان قزي) لم يمتثل للقرار وفضل البقاء في الحكومة على البقاء في الكتائب، وأحدهم (رمزي جريج) تبين أنه «وزير ـ وديعة» عند الكتائب ومرتبط سياسيا بالمستقبل، وتحديدا بالرئيس فؤاد السنيورة، ليقتصر الأمر على الوزير آلان حكيم الذي نفذ قرار الاستقالة رغم عدم اقتناعه به، وجاء التنفيذ جزئيا ومتقطعا.
بعد هذه الواقعة (التي تلتها خطوة الاعتصام غير الناجحة في مطمر برج حمود، والتي خلصت إلى نتيجة عكسية وإلى تحميل الكتائب مسؤولية تكدس النفايات في المتن)، تعرض حزب الكتائب لانتكاسة سياسية مزدوجة في غضون أشھر:
1 ـ الانتكاسة الأولى حصلت في معركة رئاسة الجمهورية عندما أظهر النائب سامي الجميل انحيازا ضمنيا إلى فرنجية بعدما أصبح الخيار محصورا لأشهر بينه وبين العماد ميشال عون.
فقد كان الجميل قطع شوطا متقدما في بناء علاقة سياسية وشخصية مع فرنجية، ولم يكن لديه مشكلة في انتخاب فرنجية رئيسا للجمهورية، إذ سيكون في هذه الحالة الشريك والحليف، وستكون الكتائب «حزب العهد» في تكرار للعلاقة التحالفية التي كانت قائمة بين الشيخ بيار الجميل والرئيس سليمان فرنجية في بداية السبعينيات.
ولكن موقف الكتائب ظل مكتوما ولم يخرج الى العلن، وعندما تعثرت حظوظ فرنجية وبدا أن وصوله الى قصر بعبدا «شبه مستحيل»، تحول النائب الجميل في اتجاه موقف رسمي ومعلن هو رفض خيار انتخاب عون لأنه حليف حزب الله وتوجيه النقد واللوم إلى جعجع والحريري على سلوك هذا الطريق غير المتناسب مع قضية ومبادئ ١٤ آذار، وترجم الجميل موقفه في عدم تصويت نواب الكتائب للعماد عون. فكانت النتيجة أن الكتائب عزلت نفسها عن الجو المسيحي «التصالحي» الذي تمثل في اتفاق معراب وانتخاب عون.
2 ـ الانتكاسة الثانية حصلت مباشرة بعد خسارة الاستحقاق الرئاسي في الاستحقاق الحكومي، عندما خرجت الكتائب من حكومة العهد الأولى لتصبح وحدها خارج الحكم في صف المعارضة وسائر الكتل النيابية الحزبية.
ولم يكن هذا عقابا سياسيا للكتائب بسبب موقفها من عدم التصويت للرئيس عون، لأن كل القوى الأخرى التي لم تصوت له شاركت في الحكومة، ولكن هذا «الخروج الاضطراري» من الحكومة، عكس تقاطعا عونيا ـ قواتيا على عدم الاكتراث لأمر الكتائب وعدم خوض جدال سياسي من أجل تمثيلها في الحكومة.
فلم يجد سامي الجميل من يدافع عنه ويقاتل لأجله، لا في الضفة المسيحية ولا في الضفة الأخرى، بحيث يلعب الحريري الدور الذي لعبه بري وحزب الله مع فرنجية، وبدا الجميل متروكا وحده ولمصيره الحكومة.
مما لا شك فيه أن خروج الكتائب من الحكومة أضعفها ووضعها خارج مركز القرار الوطني واللعبة السياسية، بدليل أنه لم يكن لها أي دور في معركة قانون الانتخاب وفي صياغته.
ولكن سامي الجميل لم يستسلم وأخذ خيار الانتقال إلى صف المعارضة، ما أدى به إلى الاصطدام بثلاث قوى أساسية: الرئيس ميشال عون و«عهده»، الرئيس سعد الحريري وحكومته، ود.سمير جعجع و«قواته».
وإزاء هذا الوضع الضاغط الذي يضعه في مأزق ويحاصره سياسيا ويحرمه من تحالفات سياسية وأساسية في انتخابات يحتاج فيها الى حلفاء اختار سامي الجميل مواصلة سياسة التحدي وان تكون الانتخابات النيابية المقبلة هي الفرصة والمحطة لإثبات وجوده ورد اعتباره، واختار ان يتحالف وينسق مع قوى «المجتمع المدني» والمستقلين مراهنا على مناخ شعبي عام ساخط على الطبقة السياسية ويريد وجوها جديدة، وينتظر الانتخابات النيابية لمحاسبة هذه الطبقة الحاكمة التي وضع الجميل لنفسه خارجها وليس له فيها حلفاء.
هل يصح رهان سامي الجميل على انتفاضة شعبية ضد الطبقة السياسية الحاكمة ويعود الى الحكم من الباب النيابي الواسع بعدما غادره من النافذة الحكومية الضيقة، ام يفشل في هذا الرهان ويقع في خطأ حساب وتقدير، وفي مرحلة لا تحتمل الأخطاء الكبيرة والمخاطرة السياسية.
إقرأ أيضاً