Note: English translation is not 100% accurate
خبر.. وتحليل
تدخّل عسكري تركي في الحرب السورية: ضرب «الكانتون» الكردي.. وإحياء المنطقة الآمنة
26 أغسطس 2016
المصدر : الأنباء
التطورات في سورية تأخذ طابعا دراماتيكيا على المستويين السياسي والعسكري والمشهد يعاد رسمه وتدخل عليه تعديلات كل شهر وكل أسبوع.بعد التدخل العسكري الروسي، يحدث الآن تدخل تركي مباشر وعلني بعدما كان حاصلا في السنوات الماضية بشكل سري وعبر تنظيمات وقوى المعارضة الإسلامية. هذا التدخل هو ثمرة أولى من ثمار المثلث الجديد الروسي الإيراني التركي والذي ينسق عن بعد مع الولايات المتحدة.العنوان الرسمي للتدخل التركي هو تنظيم «داعش»، والهدف المعلن هو إخراجه من كل منطقة الحدود السورية ـ التركية وقطع آخر صلاته مع العالم الخارجي.ولكن العنوان الفعلي هو الكانتون الكردي، والهدف هو إجهاض مشروع هذا الكيان الذي برزت معالمه وحقق تقدما ولم يكن ينقصه إلا عملية الربط بين جرابلس وعفرين بعدما تم تحرير منبج.
أما المفاجأة الأولى فهي أن انتقال الرئيس رجب طيب أردوغان الى سياسة الهجوم وباتجاه الملف السوري خالف التوقعات التي سادت بعد الانقلاب الفاشل وشككت في قدرة تركيا على التحرك الخارجي في ظل الانشغال الداخلي بإعادة ترتيب البيت وتركيز دعائم السلطة، لا بل عملية إعادة بناء الدولة، وحيث ان تركيا ستكون في حاجة الى وقت لتعود وتقف على قدميها وتمارس دورها كقوة إقليمية.
ما حصل أن أردوغان حول الأنظار عن أزمته الداخلية وقرر الخروج الى سورية لشد عصب الجيش والرأي العام.
بدأت تركيا أول تدخل مباشر لها في العمليات الدائرة في سورية عبر عملية عسكرية أطلقت عليها «درع الفرات» بمشاركة التحالف الدولي لضرب «داعش».
الأهداف والرسائل السياسية والعسكرية التي استخلصها الخبراء والمحللون من هذه العملية هي:
- المواجهة هي مع «داعش» لكن الرسالة هي لحزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي» جناح حزب العمال الكردستاني في سورية.
- إخراج «داعش» من المعادلة الحدودية بين تركيا وسورية.
- فتح الطريق أمام منطقة عازلة في جرابلس ومحيطها في بقعة جغرافية يصل مداها الى 90 كلم مربع.
- منع الطيران السوري الاقتراب من هذه المنطقة بتوفير غطاء حماية جوي دولي لها.
- إعادة الوحدات الكردية الى شرق الفرات وإخراجها تحديدا من منبج.
- فتح الطريق أمام قوات المعارضة السورية المعتدلة لالتقاط أنفاسها في المعادلات العسكرية الداخلية في سورية بعدما مالت الكفة تماما لمصلحة الوحدات الكردية وتنظيم «داعش».
- وقف حركات اللجوء الى الداخل التركي عبر مناطق الحدود التركية السورية.
- تأمين إيصال المساعدات الى النازحين السوريين في المنطقة الآمنة الجديدة داخل سورية بغطاء عسكري دولي.
- تحريك فرص المفاوضات السياسية في الملف السوري داخليا وإقليميا، وفتح الطريق أمام المرحلة الانتقالية الحقيقية في سورية بلا «داعش».
- تعطيل مشروع الفيدرالية أو الكونفيدرالية الكردي الذي يحاول حزب «الاتحاد الديموقراطي» فرضه مستفيدا من الظروف والأجواء ومن دون مناقشة هذه المسألة الدستورية مع شرائح المجتمع السوري، بل بالتنسيق مع واشنطن وموسكو.
إذن، الانفصاليون الأكراد هم المستهدف الأول في العمل العسكري أما الأهداف الأخرى بعد جرابلس، فلن تتضح حاليا حلم الدويلة الكردية الذي راود الانفصاليون وتأججت نيرانه من الحسكة قبل أيام، تعرض الآن في جرابلس الى عملية اجهاض قاضية.
ويعتبر أكراد سورية أن قرار أنقرة إرسال قواتها، وبشكل علني لأول مرة منذ اندلاع الأزمة إلى داخل الأراضي السورية، رسالة موجهة وبشكل مباشر إليهم بعد اقترابهم من تحقيق حلمهم بوصل مناطقهم الواقعة شرق نهر الفرات بعفرين، تمهيدا لإعلان الفيدرالية، وإن سنحت لهم الفرصة فرض قيام دولتهم. ولم يتوان أحد مسؤوليهم في وصف ما يحدث بأنه «إعلان حرب» عليهم.ويعرف المتمرسون في شؤون المنطقة وشجونها أن تنظيم «داعش» محكوم بالهزيمة. وأن وجوده أكبر من قدرة المنطقة والعالم على الاحتمال.ليس الخوف من «داعش» هو ما أرغم رجب طيب أردوغان على التحرك. إنه الخوف من الأكراد. أكراد الداخل وأكراد سورية. هكذا يمكن فهم رحلته إلى سان بطرسبورغ، ورحلته المقبلة إلى طهران، وإعلان أنقرة قبولها بدور للرئيس بشار الأسد في المرحلة الانتقالية.
وجاءت العملية التي حملت عنوان «درع الفرات» بعد تطورات لافتة حصلت خلال الأسبوعين الأخيرين، أهمها اللقاءات التي عقدت بين مسؤولين إيرانيين ومسؤولين أتراك، تلاها ترحيب أنقرة بقصف جوي نفذته طائرات النظام السوري ضد أهداف تابعة للأكراد في مدينة الحسكة الأسبوع الماضي.وإزاء تلك التطورات، ظهر أن هناك ضوءا أخضر إيرانيا لانخراط تركيا بشكل مباشر في الحرب السورية، يستهدف إبعاد تنظيم «داعش» عن حدودها في شمال سورية، ومنع وصل مناطق نفوذ الأكراد بين شمال شرقي سورية في الحسكة، وشمال غربها في منطقة عفرين.
من الواضح أن خطب ود أنقرة يستدعي قبول نفوذها في شمال سورية، وهو ما أوحت به روسيا وإيران، وما باشرت تركيا ممارسته في منطقة جرابلس التي طالما اعتبرتها خطا أحمر لأمنها القومي، سواء لضرب «داعش» وطرده منها، أو لمنع الأكراد من الوصول الى عفرين، غرب الفرات، تحت غطاء «قوات سورية الديموقراطية».هذا لا يعني أن روسيا وإيران ونظام الأسد تخلوا عن هدف استراتيجي آخر هو إضعاف المعارضة السورية بل تصفيتها للتمكن من فرض حل سياسي بشروطهم. والمطلوب من تركيا أن تنخرط في هذا المسار الذي سينعكس بالضرورة على دعمها الفصائل، ولذلك تباطأت الحملة للسيطرة على حلب كاملة.
أما الموقف الأميركي فإنه جاء داعما بوضوح للعملية التركية، سواء من خلال الغطاء الجوي الذي أمنه التحالف الدولي أو عبر تصريحات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الذي زار تركيا ليكون أرفع مسؤول أميركي يصلها منذ محاولة الانقلاب الفاشلة. وحملت تصريحاته إشارات إيجابية تجاه أنقرة، سواء فيما يخص العملية العسكرية والموقف من الأكراد، أو ما يتعلق بقضية الداعية فتح الله غولن أبرز خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تطالب أنقرة حليفها الأميركي بتسليمها إياه. وهدد بايدن الأكراد بأنهم «لن يتمكنوا تحت أي ظرف من الحصول على الدعم الأميركي ما لم يفوا بالتزاماتهم»، فيما يبدو «إعادة ترسيم لأحلام الأكراد»، ونعيا أميركيا لمشروع «روج آفا» (إقليم غرب كردستان، كما يسميه الأكراد، ويمتد من ريف الحسكة الشرقي إلى عفرين) الذي ظن الأكراد أنه بات في متناولهم.
لكن هذا لا يعني التسليم بتحول أميركي في مقاربة الصراع الكردي ـ التركي، ومن المستبعد أن تغامر الولايات المتحدة بالتخلي عن الذراع الكردية التي أثبتت فاعليتها حتى الآن. لكنها تبدو في المقابل حريصة على عدم خسارة أنقرة التي حافظت على مركزيتها لاعبا محوريا في الحرب السورية.ويبدو واضحا عزم واشنطن المضي في استثمار الصراع الكردي ـ التركي لمصلحتها عبر إبقاء بؤرة هذا الصراع ملتهبة ومفتوحة على كل الاحتمالات.تركيا، جاءت الخطوة بمثابة اندفاعة جديدة لتثبيت دور محوري بعدما سادت أوهام عن انحسار دور أنقرة في الملف السوري إثر الانقلاب الفاشل.