عبدالحميد الخطيب
حاولت مسرحية «لا أهتم»، التي قدمتها فرقة جامعة بكولا في إيطاليا مساء امس الأول على مسرح حمد الرجيب في المسرح العالي للفنون المسرحية ضمن منافسات مهرجان الكويت للمسرح الاكاديمي السابع، إيجاد صيغة لفهم تطور العلاقات الإنسانية في عصر التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث ناقشت حالة العزلة والتشتت التي تصاحب الثورة الرقمية.
تبدأ المسرحية بلوحة تصور حوار مجموعة من الشباب وهم يتبادلون العبارات والصيغ المألوفة في موقع «فيسبوك» مثل «أعجبني»، و«بلوك»، و«الخروج من المجموعة»، و«تاغ»، و«الدعوة للانضمام للعبة الكاندي كراش» وغيرها، ويبدو كل واحد منهم منعزلا في عالمه، فلا أحد ينظر للآخر خلال تبادل الحوار، ليتضح مغزى العرض المسرحي الذي يدين وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت هذه الفجوة بين البشر، وهنا تكمن المفارقة، فرغم أن هدف العرض هو إيجاد التواصل بين البشر في جميع أرجاء العالم، وانه من المفترض ان تساعد وسائل التواصل الاجتماعي في تحقيق هذه الغاية، إلا أنها بدلا من ذلك تزيد البشر ابتعادا، وتخلق بينهم الحواجز، وهو ما اتضح خلال اللوحة التالية، التي قام فيها الفتى «أمبرتو» بحذف صديقه على «فيسبوك» من قائمة الأصدقاء لمجرد مزحة لم يفهمها، وعندما يفهم أنه يمزح، يعيده مرة أخرى للقائمة، في إشارة الى أن حوار (الشات) لا يفصح عن المقاصد الحقيقية للمتحدث، لأنه خال من طرق التعبير الإنساني التي تعبر عن الحالة المزاجية لصاحب العبارة.
وفي لوحة تعبيرية متقنة، يتضافر فيها التعبير بالكلمة مع التعبير المرئي، يأمر «أمبرتو» الجميع بوضع هواتفهم الذكية على الأرض، فهو يريد تعلم الرقص الأميركي اللاتيني، ويريد أن يلتقي أصدقاء حقيقيين، بدلا من الصداقات الوهمية عبر «فيسبوك»، ويجرب الباقون الأمر، ويبدأون في التواصل الحي مع بعضهم بعضا، بعد أن تنبهوا للأمر، لكن توقف الاتصال بالإنترنت، يصيبهم بحالة من الهلع، ويمدون أيديهم لأعلى وكأنهم ينتظرون المطر الذي سيسقيهم بعد عطش، وهكذا تفشل محاولة استبدال التواصل المباشر بالتواصل الوهمي عبر الإنترنت، ويأتي هذا المعنى صراحة في قول أحدهم «إن الحديث وجها لوجه أمر ممل للغاية.. ليس له سحر».
ويأتي المشهد الرئيسي في المسرحية، عندما يلتقي الفتى والفتاة وجها لوجه بعد أن تلاقيا عبر الإنترنت، وجمع بينهما الحب البريء، ومع ذلك فإن الآخرين يعترضون هذا الحب، ويهددونهم بنشر صورهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبالفعل ينفذون تهديدهم، ويلتقطون لهم الصور، وهنا يجسد المخرج هذه الوحشية المجتمعية من خلال رقصة عنيفة، تدين وحشية العالم إزاء كل ما هو بريء ونقي.
وفي النهاية، تأتي الدعوة إلى العودة الى البداية والطبيعة الانسانية الحقيقية، في لوحة تعبيرية رائعة يرقص خلالها كل اثنين وهما متباعدان، وكل منهما يطالع «موبايله»، فهما معا، وليس معا في الوقت ذاته.
وكما بدأت المسرحية تنتهي، فيتقدم أحد الممثلين بخطاب مباشر للجمهور، يدعوهم فيه لأن يحتفلوا بالحياة، ويقول: «نحن بحاجة إلى الصمت، إلى وقت للجلوس بالمنزل بعيون مغلقة، وأخذ قسط من الراحة مع أمهاتنا وآبائنا، ومد يد العون لأخوتنا وأخواتنا»، وتستجيب المجموعة فتنفلت منهم موبايلاتهم، ويشعر كل منهم بالآخر، لتكتمل الدعوة التي تبناها العرض للتواصل الإنساني الذي هدمته تلك الاختراعات الحديثة.
برع المخرج Bevilacqua في استخدام خشبة المسرح، حيث كانت لم يوجد أي ديكور وفي الخلفية ستارة شفافة تنعكس عليها مشاهد مصورة من نسيج العالم الافتراضي للتواصل الوهمي بين البشر، كما استخدم إضاءة الموبايلات بالفلاش في عدد من المشاهد ليجذب انتباه الجمهور طوال العرض، بالاضافة الى الإضاءة الجانبية الحمراء التي لعبت دورا أساسيا في لحظات تجسيد العنف المجتمعي.
وكان للتعبير الحركي للممثلين دور كبير في تشكيل الفراغ المسرحي، كما لعب دورا أساسيا في دراما العرض في بعض الأحيان.
لقد قدمت مسرحية «لا أهتم» رؤية بصرية مختلفة في اعتمادها على بساطة التعبير والأداء، وتناولت مشكلة مجتمعية يعاني منها كل الشباب في دول العالم، محذرة من أدمان هذه الوسائل.