Note: English translation is not 100% accurate
الصناعة المالية الإسلامية بعيدة عن الخطر ومستقبلها إيجابي
14 أكتوبر 2008
المصدر : الأنباء
في تقريرها لشهر أكتوبر 2008 تناولت شركة سبائك للإجارة والاستثمار موضوع الأزمة المالية التي يواجهها العالم اليوم وتداعياتها على الصناعة المالية الإسلامية بشكل عام، وعلى سوق الإجارة بشكل خاص. فمن نافلة القول أن لانهيار أسواق المال الأميركية والأوروبية والآسيوية ولتباطؤ الاقتصاد العالمي تأثيراتهما السلبية على هذه الصناعة الفتية النامية. وخلال العقد الماضي تراوحت نسب نمو الصناعة المالية الإسلامية بين 15% و20% سنويا.
ونجحت الخدمات الموافقة للشريعة في تلبية احتياجات شريحة عريضة من العملاء والجمهور، وتطورت منتجاتها وأدواتها سواء عبر بنوك متخصصة أو شركات استثمار.
ويحسب لهذه المؤسسات الإسلامية في الكثير من المجالات تفوقها رغم عمرها القصير على نظيراتها التقليدية العريقة، التي تسعى نحو تقديم خدمات إسلامية، نظرا لما تتمتع به هذه المنتجات من قدرة تنافسية عالية في سوق ضخم ينتشر في جميع أصقاع الأرض. وحتى الحكومات في الدول الغربية ذات الأقليات المسلمة سعت للاستفادة من طفرة هذه الصناعة خلال الأعوام القليلة الماضية.
وقد عززت موجة النمو غير المسبوقة هذه ظهور بنوك إسلامية جديدة في الكويت والإمارات وقطر وسورية وباكستان، وإعلان عدد من البنوك والشركات التقليدية التحول بالكامل إلى مؤسسات موافقة للشريعة، أو تقديم خدمات مالية إسلامية متوافقة مع الشريعة، فضلا عن بدء بعض البلدان الغربية حجز مكان لاستقطاب وإنشاء بنوك وشركات إسلامية. وجميع هذه المعطيات أدت الى زيادة الاستثمار في تلك الصناعة الرائجة، ورفع حجم السوق إلى نحو 800 مليار دولار حول العالم.
الصورة الوردية تختلفلكن هل تتغير هذه الصورة الوردية متأثرة بالأزمة المالية العالمية الحالية، والتي وصفت بأنها الأسوأ منذ «الكساد العظيم» عام 1929؟ يبدو الجواب صعبا في خضم العاصفة التي تواجهها الأسواق اليوم. فعادة تحاول المؤسسات والسلطات المعنية أن تخفف من حدة الأزمة بأي وسائل متاحة، غير آبهة بإحصاء الأضرار الناتجة عنها أو التأثيرات التي تصدر منها. وهكذا فعل أكبر اقتصاد في العالم، حين أقرت الولايات المتحدة الأميركية خطة تكلفتها 700 مليار دولار لإنقاذ قطاعها المصرفي من الانهيار. فخطة بهذه الضخامة لم تأخذ أكثر من أسبوع لإقرارها. غير أن بعض العوارض التي بدأت تعاني منها الصناعة المالية الإسلامية، والتأثيرات غير المباشرة على مؤسساتها، بدأت تتضح شيئا فشيئا. وترسم «سبائك» في تقريرها الشهري جملة نقاط وملاحظات وتأثيرات سلبية في هذا المجال:
1- العولمة الاقتصادية التي دخلت جميع الدول، وخلقت أعمالا تخطت جميع الحدود، ربطت بشكل أو بآخر مصالح كثيرة، يتأثر بعضها ببعض في السراء والضراء ولو بأشكال متفاوتة. فعلى سبيل المثال، تضرر كثير من أصول الشركات الإسلامية في الغرب خلال الثمانية عشر شهرا الأخيرة (منذ تاريخ انطلاق أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة)، كما انخفضت قيم أعمال كثيرة كانت تديرها في أميركا أو أوروبا أو شرق آسيا.
2- يعتبر النفط مصدرا أساسيا لأموال القطاع العام في الدول الخليجية، كما يعتبر الممول الرئيسي لمشاريع عديدة ينفذها القطاع الخاص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع الهبوط الحاد في الأسعار العالمية للبرميل بشكل لم يتوقعه أحد خلال هذا العام، أصبح أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة للصناعة المالية الإسلامية مهددا، فالنفط كان بمنزلة القائد الرئيسي لطفرة هذه الصناعة.
3- أغلب المؤسسات الموافقة للشريعة مدرجة في أسواق المال الخليجية والعربية وماليزيا، أو في بورصات عالمية مثل لندن ونيويورك. وقد تأثرت أسهم هذه الشركات بحدة جراء الانهيار الذي أصاب أسواق الأسهم، والهلع الذي رافق موجات البيع العشوائي. وكانت الأسهم الموافقة للشريعة أكثر تضررا من نظيراتها التقليدية، والدليل خسارة مؤشر داو جونز العالمي للشركات الإسلامية (100 Titans Index)، والذي يقيس أداء أكبر 100 شركة إسلامية حول العالم، حوالي 7.39% من قيمته منذ بداية العام حتى 26 سبتمبر الماضي، في حين لم يخسر مؤشر داو جونز للشركات التقليدية، والذي يقيس أداء أكبر 50 شركة تقليدية، إلا 6.31% من قيمته في الفترة نفسها. أما مؤشر داو جونز للشركات الخليجية الإسلامية (DJIM GCC Index) فهبط 12.77% منذ بداية العام، مقابل انخفاض 11.94% لمؤشر الأسهم الخليجية التقليدية.
4- بدأ النمو العقاري في المنطقة يشهد تباطؤا في الأشهر القليلة الماضية. فحسب بعض التقارير المتخصصة، بات نحو 150 مشروعا في دول مجلس التعاون الخليجي في حكم المؤجلة أو على سكة الإلغاء. وتؤشر أزمة العقار في دبي، معقل المشاريع العملاقة، إلى ما قد لا تحمد عقباه. ويشكل العقار أكبر أصول المؤسسات المالية الإسلامية وتمويل المشاريع أبرز أعمالها، مما قد يخلق ضغوطا مباشرة عليها، ولعلها بدأت.
5- يمر الاقتصاد العالمي اليوم بمنعطف حرج، حيث ينحصر بين طلب شديد البطء في كثير من الاقتصاديات المتقدمة وتضخم متصاعد في جميع أنحاء العالم، لاسيما الاقتصادات النامية. ويقول صندوق النقد الدولي، في تقرير أصدره في يوليو الماضي، ان النمو العالمي تراجع إلى 4.5% في الربع الأول من 2008، هبوطا من 5% في الربع الأخير من 2007. ويتوقع الصندوق أن يستمر النمو على وتيرته التنازلية ليصل إلى 3.9% في 2009. وهذا التباطؤ أثر بشكل كبير على أسواق الائتمان العالمية. والصناعة المالية الإسلامية ليست ببعيدة عن ذلك، إذ تتعرض لمخاطر السوق والائتمان والسيولة والتشغيل والغطاء القانوني بالقدر نفسه التي تتعرض له نظيرتها التقليدية.
6- يشهد سوق الصكوك تباطؤا ملحوظا منذ بداية العام. إذ أشار تقرير أصدرته وكالة التصنيف العالمية «ستاندرد آند بورز» إلى وصول إجمالي الصكوك الصادرة في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام (أي حتى 31 أغسطس) إلى نحو 14 مليار دولار، في حين أن الفترة ذاتها من العام الماضي سجلت 23 مليار دولار. وتعتبر الصكوك أحد أنشط وسائل الدين في الصناعة المالية الإسلامية، والتي عكست إصداراتها الطفرة في هذا المجال. يشار هنا إلى أن إصدارات مخططة لصكوك تقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار جمدت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.
7- تعاني الصناعة المالية الإسلامية من ضعف أدوات القياس ووسائل الرقابة الداخلية على المخاطر فضلا عن عدم امتلاكها لأدوات إدارة للمخاطر بشكل كاف. وسيعتمد النمو في هذه الصناعة بدرجة كبيرة على الطريقة التي ستتعامل بها المؤسسات مع المخاطر. فالعصر الاقتصادي الذي يعيشه العالم اليوم هو عصر المخاطر، وفي حال لم تطبق المعايير الرقابية الدولية على المؤسسات الموافقة للشريعة، فلن تحظى بقبول في الأسواق العالمية وستنخفض قدراتها التنافسية على المدى الطويل.
إيجابيات وعوامل دفعصحيح أن الصناعة المالية الإسلامية تأثرت بعوامل الأزمة العالمية، لكن هل هي فعلا في خطر؟ بالطبع لا، فالكثير من المعطيات لاتزال إيجابية بالنسبة لمستقبلها ومدى تطورها ونموها، وتذكر «سبائك» عددا من عوامل الدفع هذه:
لم تتأثر المؤسسات المالية الإسلامية حتى الساعة، كما تأثرت نظيراتها التقليدية حول العالم. إذ لم تشر أية أخبار إلى انهيار أي شركة أو مصرف يعمل وفق الشريعة، في حين تدوي أصداء انهيارات المؤسسات المالية الأميركية والأوروبية التقليدية في المعمورة كلها. لاتزال أسواق المنطقة تتمتع بسيولة وفيرة وبشهية لاستخدام أدوات موافقة للشريعة، خصوصا في دول مجلس التعاون الخليجي وماليزيا. فعلى صعيد الطلب، أظهر المستثمرون الأثرياء من الشرق الأوسط ودول آسيا المسلمة اهتماما متزايدا بالمنتجات الإسلامية. وتوقع تقرير «أرنست آند يونغ» حول الصناديق والاستثمارات الإسلامية أن يزيد عدد الأثرياء في الخليج إلى أكثر من 387 ألف شخص نهاية 2008م، وأن ترتفع الثروة السائلة الإجمالية التي يملكونها إلى 80 مليار دولار. ووفق التقرير المذكور، تتجه الحصة الكبرى من هذه الثروة نحو التعاملات المتوافقة مع الشريعة. ومازالت هذه الثروات تنمو 17.5% سنويا في الشرق الأوسط، حسب أرقام مؤسستي كابجيميني وميريل لينش.
أما على صعيد العرض، فتتطلب مشاريع البنية التحتية الهائلة في الخليج قدرا كبيرا من التمويل، ومن المتوقع أن تجذب التسهيلات الإسلامية أكثر من 50% من عمليات التمويل هذه، وأن يتم التركيز على الديون الموافقة للشريعة المدعومة بعمليات التورق والصكوك القابلة للتداول. يعتبر التباطؤ الجاري في القروض تطورا إيجابيا، ويعود بالنفع على القطاع المصرفي الإسلامي، إذ تقول وكالة التصنيف العالمية «موديز»، في تقرير صدر أخيرا، إن «هذا المنحى سيتيح للبنوك هضم واستيعاب الزيادة الهائلة في الإقراض الشخصي في المنطقة خلال الأعوام الخمسة الماضية، كما أنه سيعيد تقييم أنظمة وإجراءات إدارة المخاطر ذات العلاقة». وتقدر الوكالة - على سبيل المثال لا الحصر- أن أكثر من 80% من إجمالي القروض الاستهلاكية في السعودية تمت هيكلتها لتوافق الأحكام الشرعية.
- مع الانهيار الحاصل في أسواق الأسهم الخليجية والعالمية، تشير اتجاهات الاستثمار لكل من الأفراد والمؤسسات، إلى الابتعاد عن المحافظ الاستثمارية التقليدية، والاتجاه نحو حصص كبرى في فئات أصول بديلة، وتستطيع صناعة صناديق الاستثمار الإسلامية في المنطقة تحقيق مستويات نمو قوية لتلبية هذا الطلب المتزايد.
- لايزال القطاع العقاري في المنطقة يقدم فرصا استثمارية ضخمة على المديين المتوسط والطويل، فعلى مر السنين أثبت القطاع أنه «يمرض لكنه لا يموت»، وهو يشكل فئة استثمار قوية للمؤسسات الإسلامية بسبب ملاءمته الطبيعية للقواعد الشرعية.
توقعات مستقبليةإلى ذلك، تشير «سبائك» إلى إمكانية نجاح المعايير الإسلامية في التخفيف من حدة الأزمة المالية العالمية. فها هما الولايات المتحدة وبريطانيا تلجآن إلى حظر عمليات البيع على المكشوف في أسواقهما المالية، وبذلك تكونان قد منعتا منتجات غير موافقة للشريعة، إذ تفرض هذه الأخيرة توافر الأموال مقابل السلع والأسهم. من جانب آخر، تفرض الشريعة أيضا شفافية كبرى في التعاملات الاقتصادية ووضوح في الأصول المتداولة، وهذا صلب الموضوع. إذ بدأت الانهيارات في الأسواق العالمية جراء أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، وهي أزمة في أدوات معقدة غير شفافة. والبعد عن التعقيد هو ميزة الأدوات والخدمات الإسلامية. وعلى الرغم من أن المستثمرين عادة يريدون تنمية أموالهم بأسرع وقت ممكن وبأي وسيلة كانت، إلا أنهم بدأوا ينظرون اليوم إلى أدوات آمنة وبسيطة كتلك الموافقة للشريعة. ويشكل هنا مفهوم الإجارة حلا ناجحا لأزمة أسواق الائتمان وجفاف السيولة. فالإجارة أداة بسيطة أثبتت فاعليتها وقدرتها على جذب المستثمرين، خصوصا أنها تعنى بصغير الاستثمارات وكبيرها، كما أنها توفر التمويل المناسب في الوقت المناسب وبالطرق المناسبة. وما نمو إصدارات صكوك الإجارة في هذه الفترة الصعبة إلا خير دليل على ذلك. ومن المتوقع استمرار هذا النمو على المديين القريب والمتوسط، خصوصا أن الأرقام تشير إلى وصول حجم الودائع والأصول المالية في المؤسسات الإسلامية حول العالم إلى حوالي 900 مليار دولار في نهاية 2010، ربعها استثمارات في مشاريع في منطقة الشرق الأوسط.الصفحات الاقتصادية في ملف ( PDF )