Note: English translation is not 100% accurate
قراءة في أوضاع الاقتصاد الوطني وإستراتيجية «جلوبل» الجديدة في مواجهة الأزمة
5 يوليو 2009
المصدر : الأنباء
زكي عثمان
لا يختلف اثنان على ان الاقتصاد الوطني يجب ان يكون في المقدمة دائما، ولأن الازمة المالية قد ألقت بظلالها على الساحة المحلية منذ منتصف العام الماضي تقريبا، فإن آثارها السلبية مازالت ممتدة حتى اليوم، وذلك بعد مرور نحو عام عليها.
ولا شك في ان اكثر المتأثرين من تلك الازمة، هو قطاع شركات الاستثمار الذي اصبح بين ليلة وضحاها «فريسة» للاوضاع المستجدة ومحملا بخسائر غير اعتيادية بسبب تراجع قيمة استثمارات البورصة وصولا الى اتهامه بـ «حيتان السوق».
وخلال عام تقريبا، لم تفلح الجهود التي تصدى لها البنك المركزي وفريق الانقاذ في وضع العلاج الشافي للازمة المالية بالكويت وحتى قانون «الاستقرار المالي» مازال مصيره غامضا انتظارا لموافقة مجلس الامة عليه.
وما بين تلك المحطات تقف وسط الطريق شركات الاستثمار بمفردها تحاول جاهدة الخروج من مشاكلها المالية المتمثلة بالدرجة الاولى في كيفية اعادة جدول التزاماتها المالية المستحقة لجهات وبنوك سواء محلية أو خارجية، وهو الامر الذي ساهم في غموض موقفها لفترات طويلة حتى توصل بعضها لحل بعد مجهود كبير في حين مازال بعضها يحاول جاهدا التوصل لحل.
ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه حاليا هو: هل استطاعت الكويت الخروج من أزمتها المالية؟هذا التساؤل سيظل حائرا في اذهان الجميع حتى تنقشع «غمامة» تلك الازمة، ورغم ان المؤشرات الاولية حتى الآن تشير الى بدء تعافي الشركات من وقع تداعيات الازمة عليها بفضل الجهود الفردية التي قامت بها بعض الشركات سعيا منها للحفاظ على حقوق مساهميها والمستثمرين فيها من البورصة ودون اي تدخل من الحكومة أو اكبر مستثمري جهازها وهي الهيئة العامة للاستثمار، فان المسؤولية الكبيرة التي شعرت بها معظم حكومات العالم ساهمت بشكل مباشر في حل أزمة شركاتها حفاظا على اقتصاداتها.
الغريب ان الكويت وبشهادة كبرى المؤسسات المالية العالمية، تعتبر من افضل الدول في المنطقة التي تملك شركات استثمارية قادرة على ادارة اموال الغير، وهو الامر المتمثل في الانتشار والتوسع الجغرافي الكبير على مستوى المنطقة فحسب، بل وعلى مستوى كل دول العالم، ورغم هذه الاشادة لم تتحرك الدولة لدعم هذه الشركات في أزمتها وترك لها خيار «الحل الفردي» وهو أمر خطير نظرا لأن الاقتصاد الوطني مرتبط بشكل وثيق بدعم تلك الشركات سعيا للحفاظ على حقوق المساهمين فيها، فضلا عن كونها شركات وطنية وأي مشكلة تتعرض لها فسيكون لها آثار سليبة على سمعة الكويت الخارجية، كما انها تحد من خطوات التحول لمركز مالي اقليمي.
وعلينا أن نقف قليلا امام بعض الحقائق:
ان شركات الاستثمار وعندما سعت لمواكبة التطور في الاداء، دفعها ذلك لتنويع استثماراتها الخارجية والتوسع في دول المنطقة المجاورة وبعض مناطق العالم المتفرقة لتعظيم عوائدها وهو ما انعكس لسنوات على مصلحة المساهمين في تلك الشركات.
ان معظم اصول تلك الشركات جيدة و«غير مسمومة» كما ادعى البعض، وهو ما يؤكد ان نظرة التوسع كانت محسوبة وعلى أسس سليمة.
ان شركات الاستثمار لديها ملاءة مالية جيدة واستثماراتها ذات أداء تشغيلي وبالتالي مشكلتها الرئيسية تكمن في التزاماتها المالية المستحقة وكيفية اعادة جدولتها وليس في احتياجها لسيولة مالية مباشرة لسداد ديونها.
ان تخوف البنوك المحلية من امتداد آثار الازمة، دفعها للتوقف عن التمويل الجديد وصعوبة جدولة ما هو مستحق من ديون قائمة، وهو الامر الذي أزعج البنوك العالمية الدائنة لبعض الشركات المحلية ودفعها لانتهاج نفس مبدأ البنوك المحلية.
ان التحرك الحكومي منذ بداية الازمة لم يكن على المستوى المطلوب، ولم يكن على يقين بحقيقة الازمة وكيفية معالجتها، وهو ما دفع البعض للقول ان التدخل الحكومي هدر للمال العام وسرقة من حقوق الاجيال القادمة.
ولكن، كيف ينهج الاقتصاد الوطني وهذه المشاكل المتداخلة دون حل، بل ان «الارهاب السياسي» امتد ليقف في طريق كل جهود الاصلاح للخروج من الازمة، وهو ما يؤكد ان الاقتصاد الوطني يتعرض لحملة غريبة يقف وراءها بعض الشخصيات دون اي اعتبار لمصلحة هذا الوطن أو لنظرة القيادة في التحول الى مركز مالي اقليمي، وعليه فإن التخلي عن دعم تلك الشركات كما لو انها شركات دولة اخرى يحتاج لوقفة طويلة، لاسيما ان الاقتصاد الوطني يحتاج الى المزيد والمزيد من الجهود وروح الاسرة الواحدة والتعاون بين كل الاطراف عوضا عن التصريحات والشعارات «الرنانة» فقط والى خطط عمل حقيقية من الحكومة لإحداث نقلة نوعية وكمية للاقتصاد الوطني.
جلوبل والأزمةولنا في شركة بيت الاستثمار العالمي «جلوبل» المثال على ذلك، فهي كسائر الشركات الاستثمارية قد تكبدت خسائر كبيرة بسبب الأزمة بلغت 257.65 مليون دينار، ورغم ذلك وقفت رئيسة مجلس الادارة والعضو المنتدب مها الغنيم خلال الجمعية العمومية العادية لتعلن عن استراتيجية عمل جديد تحت عنوان «3 × 3» تتضمن 3 محاور هي إعادة جدولة الديون وزيادة رأس المال بنسبة 114% ليرتفع من 131.2 مليون دينار الى 281 مليونا بزيادة قدرها 150 مليون دينار وطرح صندوق «ماكرو».
«جلوبل» التي احتفلت منذ أيام قليلة بالذكرى الـ 11 للتأسيس بدأت أعمالها بإدارة أصول للغير بقيمة نصف مليار دولار حتى بلغت اليوم 7.4 مليارات، فضلا عن ادارتها لـ 30 صندوقا استثماريا، تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من الانطلاق، ليس فقط بسبب تجاوزها للأزمة ولكن بفضل الثقة الكبيرة التي حصلت عليها من مساهمي الشركة خلال عموميتها، ما يدفعها لمواصلة الطريق ودعم الاقتصاد الوطني بنجاح، مستفيدة في ذلك من خبراتها الكبيرة التي جعلتها اول شركة كويتية تدرج في بورصة لندن، والتي جعلتها ايضا بين افضل 300 شركة في العالم تعمل في مجال الملكيات الخاصة، وذلك ضمن تصنيف مؤسسة برايفت إكوتي انترناشيونال محتلة المركز الـ 126 بعد نجاحها في جمع نحو 2.38 مليار دولار في صناديق الملكية الخاصة في السنوات الـ 5 الاخيرة، فضلا عن حصولها على جائزة افضل مدير للصناديق العقارية الاسلامية في الشرق الاوسط خلال انعقاد القمة العالمية للتمويل العقاري التي استضافتها مؤسسة «آي سي جي» في لندن يناير الماضي.
ومن خلال الاستعراض البسيط السابق سنجد ان «جلوبل» التي نجحت في الحصول على زيادة رأسمالها بقيمة 995 فلسا قبل عام عندما أدرجت في بورصة لندن قادرة على زيادة رأسمالها من جديد اليوم وبسعر 110 فلوس فقط للسهم، وهو ما يعني ان الاستثمار فيها على المدى البعيد سيحقق عوائد جيدة عندما تتعافى الاسواق من أزمتها وتقف الشركات من جديد على قدميها.
ونقولها بصراحة ان شركة مثل «جلوبل» وبهذا الاداء المتميز للاقتصاد الوطني، هل سعت يوما لتحقيق خسائر تضر بمصلحة مساهميها؟ ومثل هذا التساؤل يندرج على العديد من الشركات ومنها شركة دار الاستثمار التي تحاول اليوم جاهدة وبشكل منفرد ودون تدخل من اي طرف أو جهة للخروج من أزمتها.
ولكن هل فطن الجميع الى ان «التجارة ربح وخسارة»، كما ان الربح «أمر منتظر» مع نهاية كل عام فإن «الخسارة أمر منتظر» في بعض الحالات الاستثنائية وهو الأمر الذي تعاني منه العديد من الشركات حاليا بسبب تداعيات 2008 «التاريخية» علما ان معظم الخسائر المتحققة هي خسائر دفترية نتيجة انخفاض قيمة الاصول في حين ان الايرادات التشغيلية وجودة الاصول شاهد عيان على اداء عمل معظم الشركات وهو ما يجب ان تحاسب عليه الشركات اليوم وليس انخفاض قيمة الاستثمارات في الاصول.
وبصراحة مطلقة ينتظر القطاع الاقتصادي موعد انعقاد الجمعية العمومية العادية لشركة دار الاستثمار وهي ثانية كبرى شركات الاستثمار المحلية المتعثرة حتى يقف رئيس مجلس ادارتها وعضوها المنتدب عدنان المسلم ليتحدث بصراحته المعهودة عن وضع الشركة وخطط الاصلاح، كما فعلت «جلوبل» وهو ما سيعيد الثقة من جديد ليس في نفوس المستثمرين والمساهمين بتلك الشركة ولكن في الاقتصاد الوطني الذي سيستعيد الكثير من «هيبته المفقودة» ويؤدي في النهاية الى «اقتلاع جذور الشك» التي طالت معظم شركات القطاع الاستثماري.
كما نقولها بصراحة ايضا ان الاقتصاد الوطني أكبر بكثير من «الخلافات الشخصية» كما انه أبعد ما يكون عن «الشماتة» في الأزمات وأقرب ما يكون من «التعاون» و«الإخلاص» لمصلحة هذا الوطن الذي هو امانة في «أعناق» الجميع ومنهم الصحافة المحلية التي اعتادت «التهليل» لتلك الشركات في اوقات الرخاء وهي مطالبة اليوم بالوقوف بـ «حيادية» ودون «مصلحة شخصية» في اوقات الشدة.
كلمة أخيرة:تجاوز وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد استجواب النائب مسلم البراك، أثبت من جديد قدرة الحكومة الجديدة على مواجهة الفترة المقبلة وتحدياتها الكبيرة ومتطلباتها المنتظرة، كما انه رسالة جديدة للقطاع الاقتصادي بأن التماسك الحكومي وتجاوزه لمرحلة الاستجواب في بداية عملها مفادها ان المرحلة المقبلة ستشهد تطويرا وتغييرا في صالح الاقتصاد الوطني، وهو ما يحتاج لمجهود كبير لعلاج العديد من القضايا العالقة وبث روح الثقة من جديد في «الاقتصاد الوطني».الصفحات الاقتصادية في ملف ( PDF )