تطرق تقرير الشال الاقتصادي الى تقرير فريق بعثة صندوق النقد الدولي حول الوضع المالي والاقتصادي للكويت والذي نشر في منتصف الشهر الجاري، وعند قراءة تقرير الصندوق، لا يفترض أن نحكم على محتواه بأنه نقي أو باطل بالمطلق، ففي الغالب هو تقرير مليء بالمعلومات والقدرة المهنية على التحليل، وعلى القارئ، وخصوصا الجانب الرسمي، أن يعرف ما هو غث في التقرير.
مثال لما هو غث، إهمال الصندوق للتمييز بين ما هو دخل مستدام ومتجدد لتمويل المالية العامة، أي ناتج عن نشاط اقتصادي، وما هو ناتج عن استهلاك أصل نافذ وينفق ليس فقط على ما لا يبني قواعد لخلق نشاط متجدد، وإنما ينفق بما يقوض تنافسية الاقتصاد ويهبط كثيرا بفرص نموه في المستقبل.
وذكر التقرير أن على الكويت أن تتعايش مع معدل لأسعار النفط في عام 2016 بحدود 44 دولارا أميركيا للبرميل، أي بانخفاض عن معدل أسعار عام 2013 بنحو 58%، وأن حصيلة إيراداتها النفطية للعام الجاري سوف تبلغ 45 مليار دولار أميركي، أو بهبوط بنحو 58.5% عن مستوى إيراداتها في عام 2013.
والواقع حتى الآن أن معدل سعر برميل النفط الكويتي للشهور العشرة الأولى من العام الحالي هو بحدود 37.4 دولارا أميركيا للبرميل، أي أدنى بكثير من توقعات الصندوق.
ولو كان هبوط أسعار النفط ظاهرة قصيرة الأمد، لأمكن التغاضي عنها، ولكن، الصندوق لا يتوقع لأسعار النفط أن تبلغ الـ60 دولارا أميركيا حتى عام 2021، أي أن شحة الإيرادات النفطية سوف تستمر لحقبة طويلة قادمة.
ذلك الوضع المالي غير المريح، ينعكس سلبا على الوضع الاقتصادي، فبعثة الصندوق لا تتوقع نموا حقيقيا للاقتصاد يعوض ضعف نمو قطاع النفط، أي أنه رغم الإشادة الخجولة من قبلها بنوايا الإصلاح، لا تعكس توقعات البعثة انعكاسها الإيجابي بما يكفي على نمو القطاعات غير النفطية.
فهي تتوقع نموا ضعيفا وبمعدل 2% للقطاع النفطي للسنوات الخمس (2017-2021)، بينما يراوح نمو القطاعات غير النفطية لنفس الفترة ما بين 3.5%-4%، ليبلغ النمو الحقيقي المتوقع للناتج المحلي الإجمالي دون الـ3% لكل الفترة، وهي لا تكفي لسد عجز القطاع العام عن توفير ما يكفي من فرص عمل.
نسوق هذا الكلام والكويت على مشارف تشكيل حكومة جديدة، التحدي الحقيقي أمامها اقتصادي، والفشل في مواجهته لا يعني فقط تدنيا في مستويات المعيشة، وإنما يعني تهديدا حقيقيا للاستقرار عند بدء تحول البطالة المقنعة إلى بطالة سافرة حقيقية. وبعد تداعيات خطايا السياسة الاقتصادية والمالية في حقبة رواج سوق النفط وما بعدها، أصبحت فرص الإصلاح أكبر كلفة وأقل حظوظا في النجاح، ولكن فرصة النجاح مازالت ممكنة، وإهدار فرصة جديدة لتشكيل فريق حكومي نظيف وقادر وواع بتلك التحديات، قد تعني ضياعا أخيرا لفرص النجاح.
«مكافحة الفساد»
كما تطرق تقرير الشال الاقتصادي إلى اللائحة التنفيذية لهيئة مكافحة الفساد التي نشر مرسوم اصدارها الأسبوع الفائت، وبصدوره يكون قد مر على تأسيس الهيئة شاملا فترة ما قبل إبطالها دستوريا ثم إعادة تأسيسها، نحو أربع سنوات. وخلال الفترة ما بين 19/11/2012 تاريخ تأسيسها الأول وصدور مرسوم لائحتها التنفيذية بتاريخ 13/11/2016، استشرى الفساد.
ومن قراءة اللائحة التنفيذية، يبدو أننا سوف ننتظر طويلا حتى مباشرة الهيئة لمهامها وإعطاء دليل قاطع على أنها مختلفة عن نحو 35 هيئة ومؤسسة ومجلس رديف لوزارات الدولة المكتظة.
وأكد التقرير أن الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلد هي الأخطر على الإطلاق، وأنه من المستحيل أن تلج الكويت دروب الإصلاح الاقتصادي والتنمية بالبناء على قواعد فاسدة، والأشهر القليلة القادمة، والتي سوف تشهد تغييرا في الإدارة العامة، أشهر حاسمة في الحكم على نوايا وجدوى هيئة مكافحة الفساد.
فالمادة (3) مثلا، تخول مجلس أمناء الهيئة لوضع السياسة العامة والأطر العامة لمكافحة الفساد وفقا للاختصاصات الواردة في المادة (10)، والمادة (10) تحتوي على 8 بنود كلها تنظيمية وتتعلق بالأفراد والمجتمع، وكأنها سوف تبدأ من الصفر في بلد خال من الفساد.
وحتى تبدأ الهيئة في تغيير الحكم المسبق على عدم جدواها، عليها أن تبدأ على جبهتين، الأولى جاهزة ولا تحتاج إلى إعداد نظم ولوائح، وهي حالات الفساد القائمة، ليس أهمها ظاهرة العلاج في الخارج والتعليم بالشهادات المزورة أو قضايا الإيداعات والتحويلات أي السرقات على أعلى مستوى، ولكنها قضايا اختبار حقيقي لجدوى ونوايا الهيئة، والجبهة الثانية هي إعداد النظم واللوائح من أجل حماية المستقبل.
وقال التقرير ان مكافحة الفساد أمر مهم في كل الأحوال، ولكن أهميته باتت قصوى في الظروف التي تمر بها الكويت حاليا، فإلى جانب ضغوط أحداث العنف حولها، تمر حاليا بمنعطف طويل الأمد من ضعف الإيرادات يحتم عليها ولوج حقبة إصلاح اقتصادي تنموي بقناعة مجتمعية عامة.
ولا يمكن إقناع معظم الناس بأن للإصلاح الاقتصادي ثمنا لابد للمواطن أن يتحمله وهو يرى أن ما يخصم منه يتحول أضعافه إلى جيوب فاسدين، كأن تبلغ تكلفة العلاج السياحي في الخارج 10 أضعاف ما يوفره رفع سعر البنزين.
اجتماع أوپيك
وتوقع تقرير الشال انه في حال نجاح اجتماع «أوپيك» خلال الأسبوع الجاري أن ترتفع أسعار النفط بحدود 20% عن مستوى بداية الأسبوع الفائت أو نحو 46 دولارا أميركيا لبرميل خام برنت، والواقع أنها بدأت في الارتفاع في الأسبوع الفائت بدعم من نوايا اتفاق.
بوادر الاتفاق بدأت بإعلان روسيا الموافقة على تجميد إنتاجها، والعراق بشر بأن لديه 3 أفكار إيجابية سوف يقدمها للاجتماع، وإيران بعد زيادة إنتاجها بشكل كبير لها نفس الموقف، وذلك أيضا موقف الجبهة التي ترأسها السعودية.
والاتفاق داخل «أوپيك» إن تحقق وصمد بعد ذلك، سوف يعني زيادة في الإيرادات النفطية للدول المصدرة تفوق الـ20%، أولا لأن الزيادة صافية أو إيراد صاف وتحسب على مستوى الأسعار بعد اقتطاع تكلفة الإنتاج، وثانيا لأن استقرار الأسعار عند مستوى 55 دولارا أميركيا مثلا لخام برنت لفترة معقولة، سوف يعني ردم متدرج للفجوة بين سعر خام برنت وخامات الدول المصدرة.
والخلاصة هي، أن الاتفاق سوف يعني تحقيق مستوى من ردم للفجوة المالية لكل دولة منتجة، بحدود ما يمكن أن تحققه كل دولة منها لردم تلك الفجوة بسياسات إصلاح مالي لسنتين أو ثلاث، كما أنه يشتري بعض الوقت لالتقاط الأنفاس.
والنتائج غير المباشرة لمثل هذا الاتفاق قد تكون أفضل، صحيح أنها أتت بعد قناعة متأخرة وعالية التكلفة بأن تداعيات حرب الإنتاج ستكون وخيمة على الكل، إلا أنها قد تعني بداية حوار عقلاني لكل ما عداها.
فبسبب الحروب المباشرة وحروب الوكالة، وأطرافها منتجي النفط في الإقليم وروسيا، أصبح تمويل تلك المواجهات يقتطع كثيرا من تلك الإيرادات الشحيحة، واضطر دول مجلس التعاون الخليجي مثلا إلى إصدار سندات وصكوك دين لهذا العام بنحو 70 مليار دولار أميركي، وأكثر منها تم سحبها من احتياطياتها، واتفاق سوق النفط قد يسهل فتح الملفات الساخنة والمهلكة لمفاوضات تسويات سلمية.
أحد المؤشرات مصالحات لبنان، وهو نموذج لاحتمال امتداده إلى سورية واليمن والعراق، وإن تحققت بوادر لذلك، سوف تعني وفر مالي كبير يوجه إلى تمويل جهود الإصلاح المالي والاقتصادي، ومن يرغب في المقارنة في حالة عدم الاتفاق، عليه أن يتخيل لو أن الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الفائت توقفت في سنواتها الأولى، ولم تمتد لثماني سنوات مهلكة، وانتهت باحتلال الكويت.
صحيح أن ذلك هو سيناريو متفائل وقد لا يتحقق، وأن تاريخ «أوپيك» غير مشجع تماما، ولكنه يظل وفق تقديرنا في حدود الممكن، وأن السيناريوهات الأخرى ستقود إلى تداعيات غير محتملة، لكل الإقليم، ولكل دولة فيه.
إن كل دولة في الإقليم، ومن دون استثناء، باتت مهددة بربيع شبيه بربيع أوروبا الشرقية في ثمانينيات القرن الفائت أو الربيع العربي، والفارق بين حدوثه في دولة وأخرى هو الوقت فقط، وحدوثه في الجوار يعني امتداده إلى داخل كل دولة فيه.
وعلينا أن نعي، أن ضعف سوق النفط حالة طويلة الأمد، وأن أفضل التوقعات تقدر أن سعر برميله قد يصل إلى 60 دولارا أميركيا بعد خمس سنوات وتتآكل بفعل التضخم، بينما تحتاج زيادة السكان وزيادة الطلب على فرص العمل في دول قاعدتها الشبابية ضعف أعداد تلك القاعدة في الدول المتقدمة، إلى وضع مالي واقتصادي وحتى سياسي مستقر، ولابد من غلبة للعقل على العاطفة.