بقلم: سعود مراد - خبير في الاستثمار العقاري والتمويل
@saudmurad
«في جهنم مكان للسارقين والنصابين، ومكان آخر لمن يكتم شهادة الحق».. وها هي شهادة الحق:
الكويت الآن تمر بانفجار فقاعة العقار الدولي بفعل دخلاء نصبوا على عملاء العقار، فأوقفوا الفورة وفجروا الفقاعة التي كنا قد حذرنا مرارا وتكرارا من انفجارها، لكن من قال إن الحذر يمنع القدر؟! وقد مرت الفقاعة بمراحلها الخمس، وهي: الشراء، الطفرة، النشوة، جني الأرباح ثم الذعر.
بدأت القصة منذ سنوات، حيث شهدت العقارات الدولية ارتفاعا في شهية الشراء من الكويتيين والمقيمين، فالجميع يشتري في الولايات المتحدة وتركيا والبوسنة ودبي وسلطنة عمان، شراء يعقبه شراء، وفورة تشهد زيادة في الأسعار والعوائد أيضا.
بالإضافة الى مضاربين يخشون تفويت فرصة العمر، وشركات تستغل هذه الفورة لتقوم بعمليات توظيف أموال، حيث يقوم المستثمر بالتوقيع على عقد يخول له الحصول على عائد إيجاري يتراوح بين 15 و20% شهريا، مشفوعا بعقد آخر بأحقية الشركة بإدارة عقاره مع منح المستثمر العائد المتفق عليه.
وهو ما يمثل توظيفا للأموال، حيث يصبح الاستثمار بمنزلة وديعة، وبعيدا عن كون هذا الأمر يمثل مخالفة لأغراض الشركات العقارية، حيث تنافس الشركات العقارية البنوك في استقطاب الودائع بعيدا عن رقابة بنك الكويت المركزي.
لكن المثير في الأمر برمته أن هذه الشركات تتوقف عن تسليم العائد الإيجاري بعد أشهر قليلة، ليكتشف العميل «سيئ الحظ» أنه تعرض لعملية نصب أدت لتآكل رأسماله، فلم يعد هناك عائد إيجاري شهريا كما في السابق، ولا وجود لعقود موثقة أصلا.
وعندما يلجأ المستثمر إلى مسؤولي الشركة «النصابة»، يقولون له كلاما معسولا من قبيل: «هناك مشكلة مع مستأجري عقارك.. انتظر شهرا»، وشهر يجر شهرا آخر.. وتكر المسبحة، ويقولون له: «إن الله مع الصابرين.. لا تقلق»، لكن لا أحد من النصابين يقول: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل).
وفي بلادي، يعجز الضحايا عن ملاحقة النصابين الذين يدفعون «كفالة» ثم يخرجون آمنين مطمئنين لإجراءات التقاضي التي تستغرق سنوات تسمح لهم بالهروب إلى الأمام وكسب الوقت أو ربما الهرب، من يدري؟!
وإزاء هذا الكم من عمليات النصب العقارية التي تقدر بالمئات يصبح الحياد «جريمة»، حيث نرى دموعا حائرة في الأحداق حينئذ يقول الضحايا: «لا يوجد شيء اسمه نصب.. يوجد فقط نصابون».
فليشمت في الضحايا من لم يتعرض للنصب، وليفرح في مصائب الناس من يضمن الا يتعرض لمصائب أخرى لاحقا، فالجاهل يؤكد، والعالم يشك، والعاقل يتروى، والنصاب لديه دائما مبرراته، ومن يبررون له أيضا، لهذا اسمه «نصاب» كرروا معي «نصاب».
وأذكر في خريف عام 1989، حدثت فقاعة العقارات في اليابان فجأة وبدون سابق إنذار، حيث فقدت العقارات في اليابان 80% من قيمتها خلال الفترة من خريف 1989 وربيع 2001، فلم يكن تصحيحا سعريا، بل كانت فقاعة تنفجر.
هكذا بكل بساطة مثل فقاقيع الصابون، بينما وقف المستثمرون الصغار يرقبون الموقف، لكن «الذعر» جعلهم يقفون مكتوفي الأيدي، والخسائر تزيد وهم لا يصدقون.
وفي العام 2009 انتهت الفقاعة العقارية في أميركا بنفس السيناريو، فثمة حقيقة ناجزة وهي: «الصغار يخسرون دائما».
المكاشفة فضيلة والسكوت عن الخطأ خطأ، وبدلا من توجيه اللوم إلى عمليات النصب وتعديد مساوئها ومهاجمة الضحايا لأنهم «طماعون»، علينا أن نحاسب ونردع النصابين أيضا!