- على خبراء الاقتصاد التمييز بين ما هو «جيد» و«سيئ» في عملية اتخاذ القرار
ما القاسم المشترك الذي يجمع بين اختيار تقنية محددة لإحدى مركبات «ناسا» الفضائية، واختيار استراتيجية محددة للتسويق وموقع محدد لمطار ما، أو مساعدة مرضى الإيدز في أفريقيا، وإنتاج البضائع ذات التكاليف المنخفضة؟ الجواب هو المنهج الذي يعرف باسم «نظرية القرار».
يعكف الباحث في المركز الوطني للأبحاث العلمية ـ جامعة الدراسات العليا لإدارة الأعمال HEC Paris البروفيسور محمد عبدلاوي على دراسة ونمذجة إدراك للمخاطر والوقت اللازم لاتخاذ القرار، مقتفيا بذلك خطى قديمة، تعود إلى الفيلسوف والرياضي «بليز باسكال»، ففي القرن السابع عشر، صاغ الفرنسي النواحي الروحانية لدى الإنسان على شكل رهان، في خطوة تعد أول تطبيق لنظرية القرار، والتي مهدت الطريق لظهور عدة مدارس فكرية من بينها الوجودية والإرادية والبراغماتية.
وبعدها بـ 330 سنة على أول تطبيق لنظرية القرار، انضم عبدلاوي، فور حصوله على شهادة الدكتوراه في علم الاقتصاد الرياضي والقياسي، إلى «المركز الوطني للأبحاث العلمية»، بهدف دراسة الجوانب السلوكية من عملية اتخاذ القرار.
حيث شرح بنفسه، قراره هذا بالقول: «عام 1992، كانت الاستقصاءات التجريبية المتعلقة بعملية اتخاذ القرار على المستوى الفردي شبه معدومة في فرنسا، وكنت أنا أحد أوائل الباحثين الذين قاموا بهذه الاستقصاءات التجريبية حول السلوك الفردي في سبيل اختبار نظريات القرار الجديدة».
ولكن كيف يعرف عبدلاوي هذا المجال الذي يتم خلاله استكشاف العمليات المنطقية التي تحكم اختيارات الفرد؟ «بداية، ينبغي أن نفهم أن هناك عددا من المجالات المتداخلة، ففي نظرية القرار، موضوع الدراسة هو الكائن البشري، ما يفرض التعامل مع نفسية الشخص وتفضيلاته ومعتقداته.
وفي السابق، كان هذا العلم يعتمد على الأدوات الرياضية لنمذجة السلوك الفردي، إلا أن الدراسة المعاصرة لنمط سلوك الفرد تحت تأثير الشك تحتاج إلى أكثر من ذلك.
ولهذا السبب فنحن نجمع بين الرياضيات والإحصائيات وعلم الاقتصاد القياسي وعلم الاقتصاد الجزئي وعلم النفس والفلسفة».
يبدو هذا معقدا.
«نعم»، يجيب عبدلاوي «عليك أن تثبت امتلاكك للعديد من المهارات إذا كنت تطمح لصناعة مسيرة مهنية لك في هذا المجال».
ويهتم عبدلاوي بدراسة عملية اتخاذ القرار من منظورين مختلفين: الأول هو المنظور الوصفي، والذي يراقب كيفية اتخاذ الأشخاص لقراراتهم.
أما الثاني فهو المنظور المعياري، والذي يركز على الطرق التي تتيح للأشخاص اتخاذ «أفضل القرارات» مع أخذ معتقدات الشخص وميوله بعين الاعتبار.
«المعيارية هي ما يميز نظرية القرار عن علم النفس السلوكي، إذ إن علماء النفس لا يهتمون بالقواعد المعيارية التي تدخل في عملية اتخاذ القرار، بل يأخذون السلوك كما هو، أي أنهم يكتفون بالمراقبة دون إطلاق الأحكام.
أما علماء الاقتصاد وخبراء نظرية القرار فينبغي عليهم التمييز بين ما هو جيد وما هو سيئ في عملية اتخاذ القرار».
وصاغ عبدلاوي مجموعة من النماذج التي يحاول من خلالها تعليمنا الطريقة الصحيحة لاتخاذ القرارات في المواقف التي يشوبها عدم اليقين، وللوصول إلى قواعد جديدة للاستمرارية والعقلانية.
وتهدف هذه النماذج إلى تمكين المديرين التنفيذيين في الشركات وصناع القرار ومختلف الأفراد من اتخاذ «قرارات جيدة» بالاستناد إلى نظريات الخيار المعياري.
ويستخدم عبدلاوي الأدوات المساعدة على اتخاذ القرار كأشجار القرار ومخططات التأثير والشبكات البايزية (التي تحمل هذا الاسم تيمنا بأحد علماء الإحصاء من القرن الثامن عشر، وتهدف إلى ترجمة الحالة العالمية إلى درجات للثقة).
سابقا، ركز عدد من الباحثين على عملية اتخاذ القرار في حالة اللايقين، فيما انكب آخرون على دراستها في سياق مرور الزمن.
ونظرا لأن الشك والزمن مفهومان مرتبطان، فإننا حاليا بتنا نهتم أكثر باستقصاء سلوك الفرد تحت تأثير هذين العاملين معا، وهو ما سمح لنا بالوصول إلى نماذج أكثر تطورا.
إلا أن العامل الأهم يبقى تبادل المعلومات والخبرات على المستوى الدولي، وقد نجح الفريق الصغير من الباحثين في «HEC Paris» بتحقيق صيت غير مسبوق على مستوى تطوير النماذج المعيارية والتطبيقات المتعلقة بعدم الوضوح في عملية اتخاذ القرار.
تغطي التطبيقات العملية لاتخاذ القرار مجموعة من المجالات المتنوعة بشكل يبعث على الدهشة، والتي يذكر عبدلاوي بعضا منها، وتحديدا على مستوى الاقتصاد الجزئي: لنأخذ التأثير الذي تمارسه سايكولوجيا الزمن والخطورة على المصابين بالإيدز في أفريقيا كمثال، فقبل أن يتوافر للمصابين برامج مناسبة للرعاية الصحية، لم يكن بإمكان التمويل الذي تقدمه المنظمات أن يؤدي إلى تحسن في أوضاعهم.
وعلى نحو مماثل، فإن إنتاج البضائع منخفضة التكلفة يعد بدوره مجالا عمليا لنظريات القرار: فإذا تم فهم تفضيلات صناع القرار المتعلقة بالزمن والخطورة على نحو أفضل، فسيكون بالإمكان إجراء تعديلات على المنتجات لتلائم هذه التفضيلات».
ويعبر عبدلاوي عن تفاؤله بشأن مستقبل علوم القرار وحالات التعاون الدولي طويلة الأمد، حيث يقول: «لقد أصبحت الأبحاث اليوم ذات توجه عالمي، حيث نعمل بالاشتراك مع أشخاص يحملون خبرات ومهارات مختلفة عن التي نحملها، مع سهولة الوصول إلى البيانات، لذا يجب علينا توحيد كل هذه الجهود للوصول إلى تعاون ناجع، لأن التعاون الدولي في هذا المجال يعد ضرورة لا غنى عنها.
إلا أن البروفيسور، يعرب في الوقت ذاته عن تحفظه على الدعوات الانعزالية التي تخرج من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
«إنها مسألة معقدة»، يقول متمتما، ثم يضيف: «قد يكون للانعزالية آثار سلبية على التعاون الأكاديمي، كما أنها قد تؤدي إلى تخريب القواعد المعمول بها على مستوى التجارة الدولية».