زاوية رمضانية تعدها «الأنباء» مع مسؤولي الشركات وأصحاب القرار بالاقتصاد الكويتي يتحدثون فيها عن تجاربهم الخاصة بعالم الاقتصاد، ويشاركون القراء العبر والدروس منها
أثناء الغزو العراقي، كنت خارج البلاد مع الأسرة، وخلال تلك الفترة وتحديدا في شركة صناعة الكيماويات البترولية كنا مسؤولين عن تسويق الامونيا في مصنع البحرين «GPIC»، فالكويت كانت مسؤولة عن تسويق الامونيا وشركة سابك السعودية كانت مسؤولة عن تسويق منتج الميثانول، وبحكم وظيفتي في تلك الفترة كمدير تسويق الامونيا، انقطعت الاتصالات.
وكون شركة البحرين منتجة فقط لا يوجد عندها معرفة بالتسويق، اضطرت الى ان تقوم بإغلاق المصانع ولم تستطيع تشغيلها، لان كل شيء توقف في الكويت وانقطعت الاتصالات، وخلال اسبوعين من الغزو تم الاتصال مع البحرين وكان مكتب مؤسسة البترول الكويتي يقوم بإدارة الاعمال من لندن، وتم الاتصال علي وطلب مني ضرورة التوجه الى البحرين في هذا الوقت الصعب.
وبالفعل قمت بزيارة البحرين تباعا، الى ان استقررت في البحرين في شهري سبتمبر واكتوبر 1990، وعملت في شركة «GPIC» لمدة 9 اشهر حتى بعد التحرير، والحقيقة أن التحدي كان في كيفية اتخاذ المخاطرة وتشغيل المصنع ثم ادارة العمل في جميع النواحي «ليس البيع فقط»، وانما كل النواحي اللوجيستية واستئجار البواخر والادارية وشهادات الاعتماد البنكي والتعامل مع البنوك والشركات الاجنبية، وكيفية تحصيل الاموال وانا فقط لوحدي من الكويت وبمساعدة من موظفي البحرين.
وتم انشاء مكتب التسويق وتم التوفيق في هذا الامر، وحققت الشركة أرباحا قياسية في ذلك العام، رغم الظروف النفسية الصعبة والمخاطرة الكبيرة في هذا الأمر، وتحمل مسؤولية تشغيل المصنع الذي ينتج اكثر من ألف طن في اليوم وتحمل مسؤولية بيع البضاعة وتوصيلها، والحمد لله كل هذه الامور تمت بعمل فردي فقط بالتعاون مع موظفي شركة البحرين الذي لم يكن لديهم خبرة سابقة خاصة فيما يتعلق بالتسويق.
واهم درس في ذلك هو ان المدير الذي يتدرج في المسؤولية يكون على علم كامل بتفاصيل العمل الذي يقوم به، وبالتالي يعرف كل شيء عن طبيعة العمل وتفاصيله، وليس مثل المدير الذي يأتي بـ «البراشوت الذهبي» ويضع نفسه في الموقع وهو لا يعرف ما هو الموقع وكيفية ادارته، وبالتالي يكون المصير عدم النجاح.
وفي الحقيقة، لا شك ان المخاطرة دائما لها حدود، ولكن اذا كان لديك معرفة قوية بالعمل الذي تقوم به وتفاصيله والمخاطر التي تحيط به فإن النجاح سيكون حليفك دائما، والنجاح يكون بالتخطيط المسبق، وهنا يجب التأكيد هنا على ان التخطيط الأولي لأي مشروع ووضع سيناريوهات عديدة سيعزز فرص النجاح ويؤدي الى تقليص المخاطر.
ولكن للاسف البعض يهمل التخطيط للعمل ووضع السيناريوهات المناسبة لكل شيء يقوم به وبالتالي يكون التعثر، وهناك مقولة شهيرة «لو كان هناك عمل لا توجد فيه مخاطرة ولا فشل، لكانت الكرة الارضية كلها تعمل هذا العمل».
فكل عمل فيه مخاطرة وهناك فترات نمو قوية واسواق جيدة، وهناك فترات من ركود وغير جيدة، ولكن بالتخطيط لتلك الاوقات في العام يمكن استغلال هذه الفترة على الوجه الامثل سواء لاعمال الصيانة او غيرها، وبالتالي يكون الأمر مناسب للاستغلال فترات الركود لهذا الاستثمار.
والنصيحة التي اقدمها للشباب والمستثمر عموما فأنا من المؤمنين ايمانا كبيرا بأن القطاع الخاص هو المجال الرحب والخصب لإبداع كل شاب وتحقيق أهدافه، والعمل الحكومي معروف من دون الحاجة للتعليق عليه.
فالموظف الذي يعمل في القطاع الخاص دائما ما يكون عقله دائم التفكير في ماذا سيفعل غدا ويشحذ المهم لكيفية تطوير عمله وذاته وقدراته وأحيانا زيادة المبيعات وتقليل المصروفات وادارة الكيان الاقتصادي بربحية.
اما الاعمال الحكومية غالبا ما تكون روتينية، وهذا الامر لا يسري على كل الاعمال الحكومية الهامة بل العامة منها ولكن البيروقراطية هي التي تقتل طموح الشباب. ومن تجربتي الممتدة لـ 32 عاما في العمل ان الانسان القيادي اذا تخلق بأخلاق تقربه من الموظفين والعاملين لديه كان هو «عرش النجاح» لأن كل عمل يعتمد على اخلاقيات، والالتفاف والعناية بالموظفين والمحافظة على جو عمل صحي يكافئ المجتهد ويحاسب المقصر سيؤدي بلا شك الى تميز في النتائج.
وبالتالي ان تحقق ذلك فإنه ينعكس إيجابيا على الموظف الذي سيعمل بأريحية ونشاط ويحقق المطلوب منه وعلى النقيض ترى الموظف غير المكترث وغير المهتم بعمله يوحي لك بأن الادارة هي أيضا غير مكترثة بالموظف الاجتهاد والإخلاص والأمانة أعمدة النجاح لكل مثابر.
حمد التركيت
الرئيس التنفيذي الأسبق
في شركة إيكويت للبتروكيماويات
إعداد: أحمد مغربي