يحيط بسوق العمل الأميركي بعض الغموض، فمعدل البطالة عند أدنى مستوى منذ 50 عاما، لكن ذلك في غياب نمو الأجور أو زيادة التضخم، ما دفع المحللين إلى طرح تساؤل مهم: متى سيصل الاقتصاد الأكبر في العالم إلى التوظيف الكامل وبأعلى كفاءة ممكنة؟
ربما لا تكون الإجابة متاحة الآن، لكن رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمدينة «مينابوليس» نيل كاشكاري أكد أن الاقتصاد لم يصل بعد إلى التوظيف الكامل وأن هناك مخاطر اضطرته لخفض معدل الفائدة ثلاث مرات هذا العام.
يبلغ معدل البطالة في أميركا حاليا 3.6%، وهو ما يعد منخفضا كثيرا عن المستوى المتدني المسجل في 2017 البالغ 4.4%، ولا يزال التضخم أدنى معدل 2% المستهدف من جانب الفيدرالي، لكن وتيرة توظيف العمالة الأكبر سنا عند نفس مستوى ذروتها قبل 12 عاما.
وفي ضوء انخفاض البطالة أوائل الألفية الثالثة، رفع الفيدرالي معدل الفائدة من 1% إلى 5.25% في الفترة بين يونيو 2004 و2006، واتخذ مثل هذه الخطوات رغم عدم وجود علامة واضحة على الوصول إلى التوظيف الكامل أو بلوغ معدل التضخم مستويات غير مثيرة للقلق.
أما في وقتنا هذا، فالسياسة النقدية لاتزال متشددة، وهناك ضخ للسيولة في النظام المالي بينما تحتاج أسواق الائتمان والإسكان للنظر، ومن الهام للفيدرالي إدراك مدى فاعلية سياسته النقدية في المستقبل.
ويرى محللون أن اعتماد الفيدرالي فقط على رفع الفائدة كان خطأ في مواجهة المخاطر المتزايدة بين عامي 2004 و2007، لكن كان من الأفضل الاستعانة بمزيج من أدوات السياسة النقدية مثل زيادة متطلبات رؤوس الأموال لدى البنوك المنخرطة في أنشطة محفوفة بالمخاطر وفرض قيود أكثر صرامة على أسواق الرهن العقاري.
من الضروري للبنك المركزي امتلاك المزيد من الأدوات لمواجهة المخاطر مثل القيود التنظيمية والأنشطة الرقابية واختبارات تحمل الضغوط على البنوك الكبرى، ويرى محللون أن البديل غير المرحب به للأسواق هو زيادة الفائدة إلى مستويات تضر النمو الاقتصادي وسوق العمل.
ورغم أن معدل التضخم منخفض في أميركا حاليا، إلا أن هناك مشكلات من بينها زيادة ديون الشركات بشكل يثير القلق حيث إن المستثمرين أقبلوا على الاستدانة في ظل الفائدة المنخفضة.
من أجل مواجهة تراكم ديون الشركات، يمكن للفيدرالي اللجوء إلى رفع الفائدة عدة مرات لكبح الاقتراض، لكن في نفس الوقت، سيضر سوق الإسكان ويزيد قوة الدولار، ما يؤثر سلبا على الصادرات والأنشطة الصناعية ويؤدي إلى خلق ضغوط انكماشية، ومن ثم، يجب اللجوء إلى أدوات أخرى غير الفائدة مثل زيادة تكاليف حيازة البنوك لديون الشركات.
على ما يبدو، أن الفيدرالي أخطأ في تبني سياسة رفع الفائدة وحدها لدرء المخاطر، وربما يضطر للبحث عن أدوات أخرى لتحسين أداء النظام المالي من أجل مواجهة الأزمات في المستقبل، وفي المقابل، عليه ادخار أداة رفع الفائدة للتضخم فقط، أما عند مواجهة مخاطر في النظام المالي، فيجب عليه المراقبة وفرض قيود تنظيمية وقواعد على رؤوس الأموال.
تستهدف البنوك المركزية بسياستها النقدية التأثير في العرض والطلب وتكلفة النقد والائتمان لتحقيق أهداف اقتصادية، وفي أميركا، يخول للفيدرالي وحده صياغة السياسة النقدية عن طريق عدة أدوات هي عمليات السوق المفتوحة ومعدل الفائدة ومتطلبات الاحتياطي النقدي.
وتكون لجنة السوق المفتوحة بالفيدرالي هي المسؤولة عن تنفيذ عمليات السوق المفتوحة بشراء وبيع أوراق مالية وسندات، بينما يكون أعضاء المركزي مسؤولين عن تحريك الفائدة ومتطلبات الاحتياطي النقدي.
وتسهم أدوات السياسة النقدية معا في تحديد العرض والطلب على النقد وتحقيق التوازن في حيازات البنوك التجارية لدى البنك المركزي.
وتقترض البنوك من بعضها البعض أو من غيرها لتلبية احتياجات العملاء، وبالتالي، ينظم المركزي هذه الأنشطة عن طريق الفائدة بما يفيد الاقتصاد وتحقيق الأهداف المخططة.
ويحدد كل بنك مركزي سياسته النقدية والأدوات التي تفيد أهدافه الاقتصادية بناء على ما يحدث من مجريات، وفي بعض الأحيان لا تفيد أداة بمفردها أو حتى اثنين معا، بل يجب الاستعانة بمزيج من الأدوات.