رأى تقرير «الشال» الاقتصادي أن الكويت لو أخذت بمبادئ علم المالية العامة لتبدل تبويب ميزانيتها، حينها يصبح المصدر الرئيسي لتمويل نفقاتها العامة هو دخل الأصل البديل للنفط، أي دخل صندوقها السيادي الذي يفترض أن تتغير وظيفته من هدف غير معلوم إلى معدل عائد يحقق أكبر قدر من التوازن المالي، حينها لا بد من ضبط النفقات بوقف هدرها وفسادها إذا كان محتما على مجلس الوزراء أن يلتزم بنسبة تغطية عالية لها من دخل الاستثمارات المتجدد أو المستدام.
بعدها لا بد من نظام ضريبي على الدخول العالية والأرباح وإن بدأ مخففا ليمثل مصدرا ثانيا للتمويل، وأهميته تكمن في صعوبة تمرير الهدر والفساد إذا كان من حصيلة إيراد ضريبي.
ثم يأتي توجيه الدعم لمستحقيه، أي أن الدعم قد يزيد لصالح من يحتاج اليه فعلا، بينما لا يفترض أن يذهب الدعم لأصحاب الدخول العالية، لأنه ببساطة يصبح ضريبة سالبة وعكسية وغير مستحقة.
ما يعجز الإيراد عن تغطيته من نفقات الموازنة العامة يمكن تغطيته بجزء من إيرادات النفط، على أن تكون مساهمة تنخفض بمرور الزمن، ومعلنة نسب انخفاضها وملتزم بكامل مراحلها، لأن في الوطن حشد من شابات وشباب سوف يواجهون بطالة سافرة وضخمة ما لم نضمن لها الاستدامة المالية.
ولأن النفط يتعرض لضغوط ضخمة لأسباب التقادم العلمي والقلق البيئي، ويكفي أن نذكر أن برميله يباع بنحو نصف أسعار عام 2013 من دون احتساب أثر التضخم، لذلك لن ينقذ مالية البلد وعمالتها سوى تخفيف مبرمج في الاعتماد عليه.
وقال التقرير إن تعريف كل من «صندوق النقد الدولي» ووكالات التصنيف الائتماني، وخلاصتها بانتفاء تحقيق الكويت لعجز مالي، تلك خلاصات صحيحة من وجهة نظرهم، وخاطئة من وجهة نظرنا ومن وجهة نظر علم المالية العامة، فهم غير معنيين بما يحدث للكويت إلى أبعد من الزمن القصير. جمهورهم مختلف، ويقتصر على من يرغب في التعامل مع الكويت، وليس الكويت نفسها. والعيب في إدارتنا العامة هو في عجزها عن صياغة رؤى تضمن الاستقرار الاقتصادي والمالي من أجل ديمومة الدولة.
«مصيدة القروض».. مرض جديد يهدد مالية الكويت
تناول التقرير ملامح مشروع الموازنة العامة للسنة المالية المقبلة 2020/2021 التي استعرضتها وزيرة المالية، ومن أهم فرضياته انخفاض الإنتاج المستهدف للنفط من 2.8 مليون برميل يوميا إلى 2.7 مليون برميل يوميا أي بنحو 3.6%، متزامنا مع ارتفاع تكاليف إنتاجه بنحو 8.8% أو من نحو 3.42 مليارات دينار إلى نحو 3.72 مليارات دينار. ذلك يعني أنه عند افتراض سعر لبرميل النفط الكويتي بحدود 55 دولارا، سوف تبلغ تكاليف إنتاجه نحو 20% من قيمة النفط المصدر، والمرجح استمرار ارتفاعها واستمرار الضغوط إلى الأدنى على حجم الإنتاج وعلى الأسعار.
واعتبر التقرير أن تلك الضغوط على جانب الإيرادات يقابلها ضغوط وانعدام مرونة النفقات العامة، فالرقم المقدر للإنفاق البالغ 22.5 مليار دينار ظل ثابتا رغم كل الوعود بخفض النفقات، و71% ضمنه رواتب وأجور ودعوم. ما يتبقى وهو بحدود 29% ويمثل الحد الأدنى المطلوب في ظروف الكويت الاقتصادية ليذهب كله للتكوين الرأسمالي الحقيقي، وتحديدا من أجل خلق فرص عمل جديدة لنحو 450 ألف مواطن قادمون إلى سوق العمل حتى 2035، يوزع ما بين المستلزمات الأخرى ضمن الإنفاق الجاري ولمشروعات إنشائية لا علاقة لمعظمها بأي أهداف تنموية. والواقع أن ما تبقى لا يكفي للارتقاء بخدمات ضرورية مهمة مثل التعليم والصحة والسكن، ولا يكفي لصيانة المشروعات الضخمة والرديئة التي تم بنائها مثل مستشفيات معطلة للافتقار إلى أجهزة بشرية ومادية، ولا البنى التحتية الأخرى مثل الطرق والجسور غير المرتبط إنشاءها بخلق الوظائف أو أي من الأهداف المعلنة للتنمية.
وفي التقديرات الإجمالية، انخفضت الإيرادات العامة بنحو 6.5%، بينما ظلت النفقات العامة عند نفس مستواها، وعليه ارتفعت تقديرات العجز المالي قبل اقتطاع 10% لصالح احتياطي الأجيال القادمة بنحو 15.3% أو إلى 7.7 مليارات دينار من مستوى تقديرات الموازنة الحالية البالغ 6.7 مليارات دينار.
وفي حين أن البديل الذي يتطلبه مشروع الاستدامة المالية هو في تنويع وزيادة مصادر الإيرادات، يقدر مشروع الموازنة القادم انخفاض الإيرادات غير النفطية بنحو 3.8%، متزامنا مع الحجم الكبير وغير المستدام للنفقات العامة التي تنحدر في فاعليتها ومرونتها.
وحسب التقرير، فإن الأرقام ليست مهمة، فالعجز الافتراضي قد يرتفع أو ينخفض وفقا لمعدل سعر النفط الفعلي، ووفقا لصرف أعلى أو أقل من المقدر عند صدور الحساب الختامي، المهم هو استمرار نفس النهج الخطر وغير المستدام. وخلافا لكل المعلن عن نوايا الإصلاح الاقتصادي والمالي وإصلاح ميزان العمالة، يعمل كل من السياسة الاقتصادية والسياسة المالية على مزيد من تقويض استدامة كل ما تقدم، فالخلل الإنتاجي يتأصل بهيمنة قطاع النفط، والخلل المالي يتأصل بهيمنة إيرادات النفط، والاثنان عاجزان عن الاستدامة بما يهدد ميزان العمالة بولوج الكويت مرحلة غير محتملة من البطالة السافرة. والأخطر، هي تلك الدعوة إلى التساهل مع الحكومة من أجل إصدار قانون الاستدانة حتى يضاف إلى كل ما تقدم من أمراض، مرض مصيدة القروض.