يعاني الاقتصاد العالمي من حالة ركود غير مسبوقة بفعل ضربة وباء «كوفيد-19» التي أثرت على الطلب الاستهلاكي والاستثماري. لكن الأزمة التي بدأت في شكل كارثة صحية وتحولت سريعا إلى ضربة اقتصادية تاريخية، قد تواصل التطور لتتحول لأزمة مالية عالمية جديدة.
ويثير الركود الاقتصادي العالمي وتبعاته مخاوف بشأن حدوث أزمة مالية، سواء بسبب التدابير التي اتخذتها بالفعل الحكومات والبنوك المركزية للتخفيف من تداعيات «كورونا»، أو جراء توقف المساعدات الإضافية للأسر والقطاعات الأكثر تضررا.
وتختلف الأزمة الاقتصادية عن المالية في أنه بينما تهتم الأولى بتراجع الناتج المحلي وتسارع البطالة وغيرها من المؤشرات الكلية، فإن الثانية تختص بالتراجع الحاد في قيمة الأصول المالية وتسارع حالات التعثر عن سداد الديون.
ويخشى محللون من أن حزم التحفيز الضخمة والتي تجاوزت 11 تريليون دولار من الحكومات، بالإضافة إلى إجراءات البنوك المركزية رفعت بقوة حجم الديون وجعلت أسواق الأسهم ربما لتكون مبالغا في قيمتها، وفقا لـ«أرقام».
وتكمن الأزمة في أن اتجاه البنوك المركزية في مرحلة ما لتقليص وتيرة السياسة النقدية التيسيرية قد يشكل خطرا على النظام المالي ويدفع العالم إلى أزمة جديدة.
ويرى «دويتشه بنك» أن التاريخ يذكرنا بأن الأزمات المالية حدثت عادة بسبب التحول من التيسير النقدي إلى التشديد، ورغم أنه قد يفصلنا عن حدوث ذلك عدة سنوات فإن الخطر قد يفاجئ الجميع في وقت أقرب من المتوقع. لكن على الجانب الآخر، يبدو أي اتجاه لوقف المساعدات الحكومية للأسر والشركات حاليا أمرا يهدد أيضا بإثارة أزمات مالية وسط استمرار أثر الوباء على الدخل والطلب.
وطالبت رئيسة البنك المركزي الأوروبي «كرستين لاغارد» الحكومات في منطقة اليورو باستمرار الدعم المالي وربط أي نية لتقليص وتيرته بتعافي الاقتصاد، محذرة من مغبة خفض الدعم المقدم على الاقتصاد والشركات والأسر.
كما ألح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي «جيروم باول» في مناسبات مختلفة مؤخرا على ضرورة قيام الكونغرس والإدارة الأميركية بتقديم مساعدات إضافية لدعم الاقتصاد ومنع أي آثار سلبية محتملة على البنوك والأسر والشركات.
وحذر «باول» من أن عدم قدرة الكونغرس على تقديم مساعدات جديدة للأسر ـ بعد انتهاء أثر الحزمة الأولى في يوليو الماضي ـ قد يؤدي إلى ظهور موجة من التعثر عن سداد ديون الرهن العقاري وإخلاء السكان من منازلهم.
وتظهر الاستطلاعات بالفعل تشديدا ملحوظا لمعايير المصارف للإقراض، ما يعني أن حدوث أزمة ائتمانية يبدو أمرا مرجحا مع قلق البنوك من ارتفاع حالات التعثر عن سداد الديون والخوف من التطورات المستقبلية.
وأظهر مسح حديث شاركت فيه 162 مؤسسة أعمال عالمية أن متوسط احتمالات حدوث أزمة مالية على مدار العامين المقبلين يبلغ 20%.
مناطق أكثر خطراً
حذر صندوق النقد الدولي مرارا من حالة الانفصال بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي قبل وبعد ظهور وباء «كورونا»، ما يهدد بحدوث أزمة مالية تتزامن مع الركود الاقتصادي الحالي.
وشهدت مؤشرات الأسهم الأميركية خسائر ملحوظة في شهر سبتمبر، ليتحول مؤشر «S&P 500» من أعلى مستوى في تاريخه إلى تراجع بلغت نسبته 7.8%، وسط تشكيك مستمر في مدى استدامة وصحة الصعود المسجل منذ ذروة الذعر حيال الوباء.
ورغم الهبوط الذي اعتبره بعض المحللين عملية تصحيحية بعد الصعود القياسي المستمر، فإن مؤشر «S&P 500» لايزال أعلى بنحو 47% من القاع المسجل في شهر مارس بدعم برامج التحفيز التي ضخت تريليونات الدولارات في الأسواق.
وإشارات الأزمة المالية المحتملة لم تقتصر على أسواق الأسهم فحسب، وإنما ظهرت في الخطى المتسارعة للاقتراض من جانب معظم الحكومات والشركات العالمية خاصة في الأسواق الناشئة.
وأظهرت البيانات أن الأسواق الناشئة شهدت زيادة كبيرة في الديون الجديدة، حيث قامت بإصدار سندات بالعملات الأجنبية بقيمة 124 مليار دولار في أول ستة أشهر من العام الحالي، كان ثلثاها في الربع الثاني.
وتثير منطقة آسيا والمحيط الهادئ بشكل خاص مخاوف المتابعين من احتمالية حدوث أزمة مالية كبيرة، بفعل ارتفاع القروض المتعثرة وسط زيادة حالات الإعسار المالي للشركات.
وتشير توقعات مؤسسة التمويل الدولية إلى أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ مهددة بزيادة 30% في حالات إفلاس الشركات بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة «كورونا».
وفي الولايات المتحدة، حذر «إريك روزنغرين» رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في «بوسطن» أن الاقتصاد الأميركي قد يشهد تسارعا لحالات إفلاس الشركات ومطالبات باستعادة الرهن العقاري غير المسدد، مع يجعل البنوك تحت ضغط كبير ويهدد بحدوث أزمة ائتمانية.
وترى رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في ولاية «كانساس سيتي» إسثير جورج أن الضغوط الواقعة على الأسر والشركات منذ مارس الماضي يمكن أن تخاطر بحدوث ضرر على النظام المالي، ما يهدد ربحية البنوك وقدرتها على استيعاب الخسائر.