- حنكة الراحل وسياسته الحكيمة ورؤيته الثاقبة مكنت الكويت من تجاوز المحن والأزمات التي مرت بها
- رأى في شباب الكويت التيار المتجدد وحرص على دعمهم وأنشأ العديد من المراكز لتنمية مواهبهم
- رائد مبادرة إسقاط فوائد الديون المستحقة على الدول الفقيرة
- واصلت الكويت تحت قيادته مسيرة النهضة والعطاء وإزالة آثار العدوان الغاشم
تحل اليوم الذكرى الـ 13 لوفاة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح طيب الله ثراه، الحاكم الـ 13 لدولة الكويت بعد مسيرة 28 عاما في مسند الإمارة شهدت الكثير من الإنجازات والعطاءات والمحطات التاريخية.
ففي صبيحة يوم 15 يناير 2006 أفاق أهل الكويت على مصاب جلل حين بلغ الى مسامعهم نبأ وفاة (أمير القلوب) الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح الحاكم الثالث للبلاد في عمر الدولة الدستورية التي بدأت مع توقيع الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح على وثيقة الدستور في 11 نوفمبر عام 1962 معلنا بذلك دخول الكويت مرحلة وعهدا جديدين.
ومنذ أن تولى الشيخ جابر الأحمد رحمه الله مقاليد الحكم عام 1977 قاد البلاد نحو التقدم في مختلف المجالات والأصعدة واستطاع نقل الكويت من الدولة الصغيرة في مساحتها الى الكبيرة في وزنها السياسي والاقتصادي والخيري حتى وصلت مشروعاتها التنموية إلى شتى أقطار العالم، كما برزت النهضة العمرانية في عهده بشكل لافت وتطورت بوتيرة متلاحقة في شتى القطاعات والمرافق العامة.
ومع أن سنوات حكم الأمير الراحل شهدت العديد من الظروف الصعبة والأحداث الكبيرة إلا أن حنكة الراحل وسياسته الحكيمة ورؤيته الثاقبة مكنت الكويت من تجاوز المحن والأزمات التي مرت بها لاسيما خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
سلامة الكويت
وعرف عن الأمير الراحل ان شغله الشاغل الكويت وأهلها وهذا ما أكده سموه في اعقاب المحاولة الدنيئة لاغتياله في 25 مايو عام 1985 على أيدي مجموعة ارهابية فقد وجه آنذاك كلمة لشعب الكويت قال فيها «إن عمر جابر الاحمد مهما طال الزمن هو عمر إنسان يطول او يقصر ولكن الأبقى هو عمر الكويت والأهم هو بقاء الكويت والأعظم هو سلامة الكويت».
وحرص الأمير الراحل على الشباب بشكل كبير فقال في إحدى كلماته «الشباب هم التيار المتجدد في نهر الحياة للكويت ولابد دائما من دعم روافد هذا النهر حتى لا ينقطع نبع القوة ومدد التجديد لجوانب الحياة في أنحاء وطننا».
الاهتمام بالشباب
واستنادا إلى تلك الرؤية فقد نال الشباب نصيبا وافرا من الاهتمام من خلال رعايتهم وإنشاء العديد من المراكز لهم وفي عام 1992 تم تأسيس الهيئة العامة للشباب والرياضة التي عهد إليها العناية بشؤون الشباب وتنشئتهم وتهيئة اسباب القوة والرعاية وتنمية القدرات الخلقية والعقلية والفنية لهم ولم تغب المرأة عن اهتمامات سموه فقد ساند قضايا المرأة وكان داعما لها فهو اول من سعى الى نيل المرأة حقوقها السياسية حينما اصدر مرسوما اميريا عام 1999 يقضي بمنح المرأة حقوقها السياسية كاملة.
وحين مرت البلاد بمحنة الاحتلال العراقي الغاشم عام 1990 لعبت حكمة الشيخ جابر الاحمد وخبرته مع الدعم الكبير للدول الشقيقة والصديقة في طرد قوات الاحتلال بعد عدة اشهر الى ان تحررت البلاد كاملة.
مسيرة النهضة
وبفضل السياسة الحكيمة التي تميز بها الأمير الراحل والتفاف اهل الكويت حول قيادتهم عادت دولة الكويت الى مواصلة مسيرة النهضة والخير والعطاء وسرعة اعادة اعمار البلاد وإزالة آثار العدوان الغاشم واستطاع رحمه الله بفضل تخطيطه السليم تغطية نفقات التحرير التي بلغت عشرات المليارات من الدولارات.
كما أولى سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد طيب الله ثراه أبناء الشهداء اهتماما كبيرا فحرص على رعايتهم والاهتمام بهم من خلال تأسيس مكتب الشهيد في 19 يونيو عام 1991 والذي تولى رعاية ذوي الشهداء في مجالات الحياة كافة.
ولم تغب قضية الأسرى والمرتهنين الكويتيين عن اهتمامات الأمير الراحل فقد كان شديد الحرص على طرح هذه القضية في المحافل العربية والدولية باعتبارها قضية إنسانية.
مجلس التعاون
وعلى الصعيد السياسي كان الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد رحمه الله صاحب مبادرات عديدة على المستويات الخليجية والعربية والدولية ولعل فكرته بإنشاء مجلس للتعاون الخليجي يضم دول الخليج الست جاءت معبرة عن مدى اهتمام سموه بضرورة الترابط المشترك والمصير الواحد لمواجهة التحديات الخارجية والتكتلات السياسية التي تعتبر ركيزة اساسية من ركائز المجتمع الدولي.
كما اقترح رحمه الله في قمة الدوحة عام 1996 فكرة إنشاء مجلس استشاري يضم 30 عضوا من مواطني دول مجلس التعاون الست كأعضاء في المجلس رغبة منه في ان تكون قرارات مجلس التعاون منسجمة مع تطلعات وآمال المواطنين بحيث تكون مهمتها تقديم المشورة والنصح للمجلس الأعلى لمجلس التعاون.
الصندوق الكويتي
وعلى الصعيد العربي ومنذ ان استقلت دولة الكويت كانت القضايا العربية والإسلامية من أولويات اهتمامه حيث كان الأمير الراحل صاحب فكرة إنشاء الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية في 31 ديسمبر عام 1961 وترأس اول مجلس لإدارة الصندوق الذي يعد اول مؤسسة إنمائية في الشرق الأوسط تقوم بالمساهمة في تحقيق الجهود الإنمائية للدول العربية والدول الأخرى النامية من خلال تقديم قروض ميسرة لمساعدة الدول الفقيرة في تمويل مشاريعها الإنمائية.
وكان الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد صاحب مبادرة إسقاط فوائد الديون المستحقة على الدول الفقيرة حين ترأس منظمة المؤتمر الإسلامي في الدورة الـ 43 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر عام 1988.
وفي عام 1995 اجرت مؤسسة اعلامية دولية مسجلة في لندن ومقرها القاهرة «مؤسسة المتحدون للإعلام والتسويق البريطانية» اكبر استطلاع للرأي في المنطقة بمشاركة خمسة ملايين مواطن عربي وتم اختيار الأمير الراحل الشيخ جابر الاحمد حينها شخصية العام الخيرية العالمية حينها نتيجة ما قدمه من اعمال خيرية ودعم مالي للكثير من المنظمات العالمية ورعاية المحتاجين.
وأبدى الأمير الراحل الحرص الشديد منذ توليه الحكم على بناء العلاقات الكويتية مع مختلف دول العالم وتعزيز العلاقات الثنائية فقد كان سباقا للمشاركة في العديد من المؤتمرات واللقاءات الدولية وقام بالعديد من الجولات والزيارات الرسمية لمختلف اقطار العالم سعيا منه لتعزيز مكانة الكويت العالمية.
مسيرة الحياة
ولد (رحمه الله) سنة 1928 وكان الأمير الثالث عشر في عائلة الصباح الكرام وثالث امير للكويت منذ استقلالها.
التحق بالمدرستين المباركية والأحمدية وتلقى تعليما خاصا على أيدي اساتذة خصوصيين في الدين واللغة العربية واللغة الانجليزية.
أتاح له والده المرحوم الشيخ احمد الجابر حاكم الكويت الاسبق ان يزور العديد من بلدان العالم فرأى عن كثب احوال الشعوب الأخرى وحينما بلغ من العمر احدى وعشرين سنة تقريبا، بدأ ممارسته العملية واتصاله المباشر بأمور الحكم والسياسة، ففي عام 1949 عين (رحمه الله) رئيسا للأمن العام في الأحمدي التي جسدت انتقال الكويت من حياة الغوص والسفر الى عصر النفط وأصبحت احدى اكثر المناطق الصناعية اهمية في دول الخليج العربي، هذه المسؤولية رفدت سمو الأمير الراحل (رحمه الله) بخبرة إدارية عريضة وخلقت لديه اهتماما بشؤون النفط.
في عام 1959 تولى (رحمه الله) رئاسة الدائرة المالية الى ان صدر المرسوم الأميري القاضي بتغيير اسمها الى وزارة المالية بتاريخ 17/1/1962 حيث كان اول وزير للمالية والاقتصاد في الكويت وفي أول حكومة شكلت عقب الاستقلال في عهد المجلس التأسيسي بتاريخ 17/1/1962.
بتاريخ 5/7/1961 زار (رحمه الله) العديد من البلدان العربية لشرح قضية الكويت العادلة بشأن الأزمة العراقية الكويتية بتاريخ 25/6/1961 بعد الاستقلال في 19/6/1961 حيث تلقت الكويت من حاكم العراق عبدالكريم قاسم ادعاءات ظالمة باطلة بضم الكويت الى العراق ورفض الاعتراف باستقلالها وسيادتها.
عين (رحمه الله) وزيرا للمالية والصناعة عام 1963 في عهد مجلس الامة الأول بتاريخ 28/1/1963.
استقال باستقالة الوزارة بتاريخ 30/11/1964.
ثم عين (رحمه الله) بتعيين الوزارة بتاريخ 3/1/1965 وأصبح وزيرا لوزارتي المالية والصناعة والتجارة.
واستقال باستقالة الوزارة بتاريخ 27/11/1965.
وعين (رحمه الله) رئيسا لمجلس الوزراء بتاريخ 30/11/1965 وبتاريخ 31/5/1966 صدر مرسوم أميري بتعيين سموه وليا للعهد بعد مبايعته للولاية بالإجماع.
ونودي بسموه (رحمه الله) اميرا للكويت بتاريخ 31/12/1977 اثر وفاة المغفور له الشيخ صباح السالم الصباح الذي كان الحاكم الثاني عشر للبلاد فأصبح سموه الأمير الثالث عشر من أسرة آل الصباح الذي تولى مقاليد الحكم.
«جابر» أبوالشهداء
أولى صاحب السمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، ازالة الآثار المدمرة للعدوان العراقي الغاشم على الكويت في عام 1990 جل اهتمامه، وفي مقدمة هذه الآثار رعاية الأسر التي سقط احد افرادها شهيدا دفاعا عن ارض الوطن.
وخلف الاحتلال العراقي للكويت الكثير من المآسي والأحزان والجروح والشروخ في الأسر التي فقدت احد افرادها او بعضهم بالاستشهاد في سبيل الوطن الغالي مما افرز بالتالي الكثير من التغييرات النفسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية على هذه الأسر خصوصا وعلى المجتمع عموما. ويمثل نحو 593 شهيدا وشهيدة نسبة واحد من الألف من الشعب الكويتي افتدوا الكويت بأرواحهم وعطرت دماؤهم الزكية ثراها الطيب.
إذ لا يوجد بيت كويتي لم يمسه الضر، كما لم تخل عائلة كويتية من فجيعة في عزيز لديها راح اسيرا للعدوان البربري او راح شهيدا وافتدى الوطن بروحه ودمه.
فقد فجعت 1200 اسرة في عزيزها الذي اسر او استشهد في مجتمع آمن ومسالم لم يعرف مثل تلك الممارسات الوحشية من قبل.
وفي ضوء ذلك أولى سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، أسر الشهداء جل الاهتمام وعظيم الرعاية تقديرا لتضحيات من استشهدوا في سبيل الوطن. ومن هذا المنطلق أمر سموه، رحمه الله، بإنشاء مكتب لتكريم الشهداء بصدور المرسوم الأميري رقم 38/91 في التاسع من يونيو عام 1991 وألحق المكتب بالديوان الأميري.
وجاء إنشاء مكتب الشهيد بعد أربعة اشهر من تحرير الكويت من الاحتلال العراقي الغاشم ووضعه سمو الأمير، رحمه الله، تحت رعايته ليكون اكثر قدرة على العطاء تقديرا لتضحيات جميع الذين استشهدوا في سبيل الوطن الغالي.
وتتركز رسالة المكتب في تكريم الشهداء عن طريق تخليد بطولاتهم وتضحياتهم في الدفاع عن الوطن وكرامته ورعاية ذوي الشهيد رعاية مميزة في الجوانب المادية والمعنوية بما يحقق الوحدة الوطنية ويكرس خصوصية المجتمع الكويتي ويبث الروح الجهادية لدى الأبناء.
وتتلخص هذه الرسالة في ثلاثة اهداف رئيسية هي تكريم شهداء الكويت وتخليد بطولاتهم وتضحياتهم في الدفاع عن الوطن وكرامته ورعاية اسر الشهداء وذويهم في كل الجوانب وابراز مناحي التكريم المتميز في المجتمع الكويتي وتدعيم انتمائه للوطن.
وكان سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد ـ رحمه الله ـ يحرص دائما على متابعة وتحصيل ابناء الشهداء لدراستهم فحين استقبل ابناء الشهداء والاسرى من المتفوقين في مختلف المراحل الدراسية في 29 يوليو من عام 2002 اعرب عن سروره بامتيازهم وأوصاهم بالحرص الدائم على تحصيل العلم والتحصن بالفضائل متمنيا لهم التوفيق والاجتهاد في حياتهم العلمية والعملية من اجل رفعة الوطن وكان هذا ديدنه في نهاية كل عام دراسي.
الدعيج: حكمته جنّبت الكويت أزمات وصراعات وحروباً
أعرب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) الشيخ مبارك الدعيج عن فخر واعتزاز جميع أبناء الشعب الكويتي بما حققه الأمير الراحل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح من إنجازات خالدة خلال مسيرته الممتدة سنوات عديدة.
وقال الدعيج إن الأمير الراحل تغمده الله بواسع رحمته استطاع أن يحقق نقلة نوعية كبيرة في مسيرة النهضة والبناء التي بدأت منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي.
وأضاف أن الأمير الراحل عمل مع رفيقي دربه الأمير الوالد الراحل الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح أسكنه الله فسيح جناته، وصاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، حفظه الله ورعاه، على إعلاء مكانة الكويت في العالم وتعزيز حضورها المؤثر في محيطها الإقليمي والدولي وإبراز دورها السياسي المحوري في صناعة الأحداث التي شهدتها المنطقة.
وأكد الشيخ مبارك الدعيج أن حكمة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد وسياسته المتوازنة جنبت الكويت الكثير من الأزمات والصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة العربية والتي امتدت إلى كثير من دولها وعانت شعوبها سنوات طويلة من آثارها.
وقال إن الأمير الراحل، طيب الله ثراه، نذر نفسه للمحافظة على الأمانة وحمل هموم الكويت في قلبه وخاطره فكانت البداية التي ينطلق منها والغاية التي يسعى من أجل بناء نهضتها وإعلاء مكانتها.
وأضاف أن أفكاره ومبادراته العديدة جعلت من الكويت الصغيرة بمساحتها والكبيرة بأبنائها وقادتها الحكماء منارة ساطعة ينطلق منها الخير والسلام للعالم، مشيرا إلى أن الأمير الراحل كان وراء فكرة إنشاء الصندوق الكويتي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية الذي أفاء بخيراته ومشاريعه التنموية على أكثر من مائة دولة في العالم وفكرة إسقاط الديون عن الدول الفقيرة وغيرها من الأفكار غير المسبوقة.
وأوضح الشيخ مبارك الدعيج أن الشيخ جابر الأحمد، أسكنه الله فسيح جناته، تبنى فكرة إنشاء صندوق احتياطي الأجيال وفكرة إنشاء بيت الزكاة والكثير من الأفكار والتجارب الناجحة التي كانت سابقة لعصرها ونقلتها الكثير من دول العالم بعد ذلك.
وأكد أن العالم لن ينسى مواقف الأمير الراحل وحكمته في التعامل مع محنة الغزو العراقي الآثم عام 1990 ودوره في حشد أكبر تحالف عسكري في العالم لطرد قوات الاحتلال وإعادة إعمارها، مشيرا إلى أن التفاف شعب الكويت حول قائده وتكاتف القيادة كانا القوة التي انطلق منها، رحمه الله، لتحرير البلاد من القوات الغازية.