Note: English translation is not 100% accurate
باكو عاصمة الثقافة الإسلامية وموطن الفن والجمال
«الأنباء» في أذربيجان.. بلد النيران
13 يونيو 2010
المصدر : الأنباء








المسلمون في القوقاز حكاية عمرها 1400 عام
حذيفـة بـن اليمـان أول حاكــم مسلـــم لأذربيجـان في عهد الفاروق عمر بن الخطاب
من الوثنيـة والزرادشتية إلى ديانات السماء وصولاً إلـى العلمانيـة.. أذربيجـان.. بلد روسي التقاليــد.. غربي الهـوى إسلامــي الهويــة
من قلعة العذراء إلى جبل النار.. باكــو عاصمـة الأساطير
علييـف يسابق الزمــن لتحويل بلاده إلى باريس الشرق.. وكربـاخ قضيته الأولى
أذربيجان أول بلد منتج للنفط في العالم والسوفييت حصلوا على 64% من مستلزماتهم النفطية خلال الحربين العالميتين من آبارها
الحلقة (5)
العاصمة الأذربيجانية باكو ـ أسامة أبو السعود
من باكو الى ديربنت او باب الابواب الى غروزني حتى موسكو.. حكاية عمرها 1400 عام هي قصة دخول الاسلام الى جبال القوقاز ومنها انتشر الى آسيا الوسطى وصولا الى الصين شرقا وغربا الى ارمينيا وجورجيا وحتى اوروبا.
قصة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وخلافة سيرت في مهدها جيوشا فتحت بهم الارض مع انهم كانوا اقل عددا وعدة من غيرهم الا ان سلاح الإيمان جمعهم حتى دانت لهم الارض. في هذه الصفحات نفتح ملف الاسلام في القوقاز وكيف يعيش المسلمون هناك اليوم وما اهم ملامح بلادهم وحضاراتهم القديمة والحديثة، نعيش ونتعايش معهم من خلال تلك الصفحات التي تكشف عن اهم الاسرار التي حواها التاريخ بين جنباته من رواته الحقيقيين وهم اهل تلك البلاد الساحرة بتاريخها الاسلامي التليد. من نار كسرى في باكو عاصمة الثقافة الاسلامية الى ديربنت وقبور 40 صحابيا من صحابة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الى قلعة القلعة الشهيرة وخامس اقدم مسجد في التاريخ الاسلامي لايزال شامخا وراصدا لتطور بلاد المسلمين في القوقاز التي فتحها سراقة بن عمرو في عهد الفاروق عمر بن الخطاب عام 20 هجرية كانت تلك الصفحات من تاريخ الامة.
خلف أسوار المدينة القديمة يعود التاريخ اكثر من ألف عام الى الوراء يقلب صفحاته ويروي ما بين طياته أشهر معارك المسلمين وإقامة أول خلافة اسلامية في باكو عاصمة اذربيجان التي كانت تمتد حدودها بين بحر قزوين وشط العرب في العراق.
إمبراطورية ضخمة تنقل بها التاريخ وتصارعت وتقاطعت عندها أشهر أحداثه من دولة عظمى فدويلات متفتتة ومن السنة الى الشيعة ومن خط الدفاع الاول ضد المغول الى دولة تحارب الأفغان والأتراك وأخيرا تقع في قبضة السوفييت لأكثر من 70 عاما حتى تعود الى حكم ابنائها وتشهد نهضة حضارية لم تشهدها منذ قدوم المسلمين الأوائل الى تلك البلاد التي تعتبر همزة الوصل بين الشرق والغرب.
عشرات العلماء والفلاسفة والشعراء وكنوز بلد مازال يحتفظ بالكثير من الأسرار والجمال نسرد بعضا منها في تلك الحلقات، انها اذربيجان مدينة النيران ـ كما يطلقون عليها لأنها كانت من اوائل البلدان النفطية في العالم حيث يقول المؤرخون إن تاريخ النفط في اذربيجان يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي وربما قبله، حين كان النفط يوضع في أكياس من الجلد لتحمله الجمال في رحلات طويلة إلى إيران والعراق وبلدان أخرى، ليستخدم للإضاءة، وفي الأغراض الحربية والطبية، وكانت وسائل استخراجه غاية في البدائية.
وفي عام 1844 حفرت أول بئر للنفط في أذربيجان، وفي 1922 شهدت أذربيجان بناء أول مصفاة للنفط في العالم كله. وخلال سنوات الحكم الشيوعي كان نفطها يستغل وفقا لسياسة موسكو حتى أن باكو أنتجت في الفترة بين عام 1941 و1945 نحو 64% من نفط الاتحاد السوفييتي كله، وبانهيار المنظومة الشيوعية وحصول البلاد على استقلالها قررت باكو استغلال مواردها النفطية بأقصى طاقة ممكنة لإحداث إصلاحات اقتصادية وسياسية كبيرة.
يتربع على حكم اذربيجان الآن الرئيس الهام علييف والذي تولى السلطة بعد وفاة والده حيدر علييف الذي خطا بأذربيجان خطوات كبيرة في تثبيت دعائم وأركان الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بعد ان تولى قيادتها من عام 1993 حتى 2003 وخلفه من بعده ابنه الهام الذي يقفز ببلده الى مستويات عالمية من التنمية والازدهار.
من ديربنت إلى باكو
المسافة بين ديربنت او باب الأبواب في داغستان التابعة للحكم الفيدرالي الروسي وعاصمة جمهورية اذربيجان المستقلة باكو 180 كيلومترا وبينها وبين عاصمة الشيشان غروزني 550 كيلومترا تقع جميعها بين سهول ووديان وجبال القوقاز الشهيرة بمنظرها الأخضر الخلاب، وتعتبر باكو معبر الفتوحات الاسلامية قبل ديربنت من ناحية الجنوب على بحر قزوين.
في باكو عاصمة أذربيجان لا يوجد شارع ليس به متحف او تزينه نافورة موسيقية جميلة تتراقص بأشعة الليزر معبرة عن أجمل رقصات الباليه العالمية، وفي باكو لا يوجد ميدان ليس به تمثال شاعر او فنان او ذكرى تجسد تاريخ المدينة الضارب في القدم، وايضا لا يوجد شارع ليست به صورة كبيرة او تمثال لرئيسهم الشعبي حيدر علييف والد الرئيس الحالي الهام علييف.
على أسوار مدينتها القديمة تحكى ألف قصة للحب، وتخلد نبوغ العرب الذين جاءوا وبنوا وحكموا تلك المدينة منذ عهد الفاروق عمر بن الخطاب حين ارسل حملة بقيادة حذيفة بن اليمان ليكون اول حاكم مسلم لتلك البلاد التي كانت حدودها تبدأ من العراق وتضم بلاد فارس بأكملها ولا يزال ملايين الاذربيجانيين او اذري ـ كما يسمون انفسهم اختصارا ـ يعيشون في ايران الى يومنا هذا.
قصص وحكايات تعيد بنا التاريخ الى اكثر من 2500 سنة بدأتها في اذربيجان من جبل النيران، وهو جبل نار كسرى التي لم تنطفئ الا يوما واحدا منذ 2500 سنة وهو يوم ميلاد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وما تزال مستعرة في ظاهرة فريدة وغريبة الى يومنا هذا ـ حسب رواية الكثيرين.
ما يميز باكو اليوم هي تلك النهضة العمرانية غير المسبوقة والتي بدأها الرئيس الحالي الهام علييف حيث اعاد للمدنية شبابها وجمالها عبر ترميم جميع مباني العاصمة على الطراز الباريسي على نفقة الحكومة ومساندة من الاهالي وتوزيع النوافير الراقصة وتماثيل شعراء وفناني اذربيجان في جميع ميادين العاصمة وبناء اسوار على طرز فنية حول طرق العاصمة الرئيسية وجعل الرئيس علييف باكو «متحفا فنيا مفتوحا امام زوار المدينة العريقة».
وليس بغريب ان تحتل باكو درة تاج الثقافة الاسلامية حيث حصلت المدينة العام الماضي على لقب عاصمة الثقافة الاسلامية ويسعى رئيسها بتكاتف شعبها الى نيل باكو لقب عاصمة الثقافة الاوروبية وهو يسارع الزمن لذلك، ويسارع الزمن ايضا لاستعادة إقليم كراباخ الذي يعد قضية البلاد الاولى.
غابة من الاساطير
وتعيش اذربيجان وبخاصة باكو وسط غابة من الاساطير والحكايات التاريخية وخاصة عن قصص الحب والغرام والعشق والعشاق، فهنا قلعة العذراء التي تحكي قصة عذراء سجنها ابوها في تلك القلعة على بحر قزوين حتى لاترى حبيها لانه من عامة الشعب فما كان منها الا ان القت بنفسها من اعلى القلعة التي ترى من اعلاها باكو من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها وتتميز بطراز فني رائع في بنائها من الخارج والداخل.
وليست تلك القصة الوحيدة عن العشق والغرام فهناك عشرات بل مئات القصص في بلد يقال ان حاكمه كان شهريار وقصته المعروفة مع شهرزاد في الف ليلة وليلة المشهورة في بلادنا العربية والفت فيها عشرات القصص، وهناك ايضا قصة الشاعر الذي خطف حبيبته على فرسه الابيض وحلق بها الى السماء وهم ينسجون حول تلك القصص العديد من ابيات الشعر وتنقشها ايدي فناني اذربيجان على اطباق خزفية تعبر عن دقة وروعة الصناعات اليدوية في هذا البلد.
وتحتضن اذربيجان اهم مصانع السجاد اليدوي في العالم والتي تتميز عن ايران بأنها الاقدم والامهر وخاصة في رسم صور كبار المشاهير في العالم على سجاد يدوي ومنها سجادة كبيرة لخادم الحرمين الشريفين يزدان بها معرض خاص للسجاد اليدوي للفنان العالمي علييف وسط باكو.
ورغم ما تتمتع به باكو اليوم الا انها بلد يعاني من غلاء كبير في تكاليف المعيشة بالنسبة لابناء البلد وهو نفس الغلاء الذي تعاني منه روسيا ايضا رغم ضخامة الدخل القومي وكأنه طراز خاص في الحياة من ارتفاع اسعار السكن والاطعمة والملابس بشكل كبير مقارنة بغيرها من الدول المجاورة.
الأديان في أذربيجان
في اذربيجان كانت بداية الاديان الوثنية ثم الزرادشتية، حيث يؤكد تاريخ اذربيجان ان زرادشت ظهر بها وليس بايران ثم الديانات السماوية التي ما تزال مستقرة في بلد تحكمه العلمانية الى يومنا هذا.
وصول الاسلام
قبل وصول الإسلام كان السكان على الديانتين المجوسية والمسيحية تحت الحكم الساساني ووصل الإسلام الى اذربيجان في عهد عمر بن الخطاب، فكانت الحملة الأولى بقيادة عتبة بن فرقد، وعقد المسلمون صلحا مع (المرزبان) حاكم المنطقة، ثم وصل إليهم حذيفة بن اليمان في حملة فتحت أردبيل صلحا واصبح اول حاكم مسلم لاذربيجان .
وصف المؤرخ العربي المعروف احمدبن يحيى البلاذردي (820-896) في «كتاب فتوح البلدان» فتح العرب لاراضي اذربيجان المعاصرة في فترة حكم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلا ان الخليفة عمر رضي الله عنه عين حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حاكما لاذربيجان.
و بعد تعيينه في هذا المنصب وصل حذيفة بن اليمان من نهاوند الى اردبيل التي كانت مدينة اساسية من مدن اذربيجان انذاك. لكن المرزبان (الحاكم) الساساني لآذربيجان اسفنديار بن فاروخزاد جمع القوات وقاتل المسلمين. ثم عقد أخيرا الصلح مع حذيفة بن اليمان والتزم بدفع 800 الف درهم له (درهم واحد كان يساوي 3، 125 جرام من الفضة) مقابل الدفاع عن سكان البلد، والتزم المسلمون بدورهم بعدم التدخل في حياة الاذربيجانيين الدينية وضمان حقهم في اداء طقوس الزرادشتية بشكل حر.
بعد فتح آذربيجان ظل المسلمون يشكلون الاقلية لفترة طويلة حيث مضت الاكثرية الساحقة للسكان يدينون بأديانهم التقليدية وقد كان المسلمون اوفياء بالاتفاقيات المعقودة معهم وكانوا يضمنون لأهالي أذربيجان الحرية التامة في أداء طقوسهم الدينية.
العهد الإسلامي
كان المسلمون يعاملون السكان الاصليين معاملة جيدة خلافا لتصرفات ومعاملات الحكام الطغاة السابقين لهذه المناطق وكان شرطهم الوحيد دفع الضرائب من قبل السكان غير المسلمين الى خزانة الدولة. وكانت الدولة تضمن لرعاياهم الحرية والدفاع عنهم بغض النظر عن الانتماء الديني.
وكان المسلمون هم العرب من حيث الاساس الذين تم نقلهم الى اذربيجان من العراق وسورية وغيرها من مناطق الخلافة. كتب البلاذوردي في «كتاب فتوح البلدان» يقول ان حاكم اذربيجان الاشعث بن قيس الذي عينه في هذا المنصب الخليفة علي بن ابي طالب كرم الله وجهه نقل العرب الى مدينة اردبيل وبنى فيها المسجد.
وفي عهد الأمويين ازداد الانتشار بالمزيد من المهاجرين إلى المنطقة وأضيفت ولاية أرمنيا في عهد هشام بن عبد الملك بقيادة الجراح بن عبدالله الذي قاد الجيوش لغزو الخزر في شمالي اذربيجان، وفي أوائل القرن الثاني الهجري كانت السيادة للإسلام، وازدهرت مدن إسلامية مثل مدينة (ورثان) و(برزند) وانتشرت اللغة العربية خلف الإسلام، حيث أخذت العناصر العربية المهاجرة في دعمها، وهكذا كان انتشار الإسلام في منطقة اذربيجان أسرع من انتشاره في غيرها من البلاد المجاورة.
وفي عهد العباسيين استمر ازدهار الدعوة الإسلامية، وتولى يزيد بن أسيد السلمي منطقة الحدود الشمالية واتخد من أذربيجان قاعدة لمد الإسلام إلى الشمال وهكذا استمر دور أذربيجان كقاعدة لبث الإسلام في المنطقة، واحتل السلاجقة المنطقة في القرن الخامس الهجري، ثم حكمها المغول وأصبحت جزءا من امبراطوريتهم ثم أصبحت من أهم معاقل الصفويين، وبعد ذلك حكمها العثمانيون حكما اسميا. وكانت لغة الأزدي (أذربيجان) تكتب بحروف عربية قبل استبدالها بحروف روسية، وتنقسم لغة الأذري إلى لهجتين شمالية وجنوبية، وتنتمي إلى اللغات التركية.
العهد السوفييتي
بعد سيطرة السوفييت على أذربيجان واجه المسلمون تحديا في تضييق الخناق على عقيدتهم، فلقد هاجر الروس بأعداد كبيرة إلى أذربيجان بحيث أصبحوا أكثر من 10% من السكان، وتقلص عدد المساجد من 2000 مسجد إلى 16 مسجدا فقط، كما نقص عدد المدارس الإسلامية بل أصبحت في حكم المنتهية.
وفي باكو الإدارة الدينية الإسلامية لأذربيجان وما وراء القوقاز ويرأسها مفتي مسلم شيعي ونائبه مسلم سني حيث يشكل المسلمون الشيعة الأغلبية في أذربيجان الآن.
التعايش بين أبنائه
ورغم ذلك الا ان اذربيجان اليوم بلد لا يعرف المذهبية الطائفية الضيقة ويتعايش جميع ابنائه من المسلمين «سنة وشيعة» والمسيحيين واليهود في وئام تام فلم تشهد البلاد مثلا في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي أي حادث طائفي او عرقي او ديني وهو ما يؤكد حقيقة التعايش في هذا البلد الجميل بأهله وقيادته.
نار كسرى
خلال زيارتنا لأذربيجان قمنا بزيارة قرية محمدلي وهي لا تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن العاصمة باكو، حيث شاهدنا جبل النيران وهو جبل يذكر أهل المنطقة ان ناره لم تنطفئ منذ 2500 سنة كاملة إلا يوم ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهي نار كسرى الشهيرة، ولايزال هناك معبد لعبدة النار يأتون اليه من الهند وغيرها إلا ان الحكومة الأذرية تمنع إقامة أي مظهر من مظاهر العبادة في هذا المكان وتعتبر المكان معلما سياحيا.
سألنا اذا كانت تلك النيران بفعل غاز منبعث من تحت الجبل البارد، فرد بعض الحضور هل يمكن ان تستمر نيران من الغاز 2500 سنة دون ان تنطفئ يوما وبهذه الشدة؟!
واقرأ ايضاً:
القرضاوي لمسلمي الشيشان: التفوا حول قيادتكم الشرعية والإسلام شرع الجهاد للدفاع عن النفس
سرالييف: رمضان قديروف هو أمير القوقاز ونحارب المتطرفين لأنهم قطاع طرق وقتلة
شيخ علماء القوقاز وروسيا: شعوبنا لم تقبل التشيّع و«الكومنولث» رفض محاولات إيرانية لتشييع التعليم
«الأنباء» في ديربنت «باب الأبواب»: قبور 40 صحابياً وقلعة بناها ذو القرنين