Note: English translation is not 100% accurate
حذر من التعدي على اختصاصات ولي الأمر ونوابه عبر تهييج الناس وبث الفتن
الحاي: مذهب أهل السنة والجماعة يأمرنا بطاعة ولي الأمر وعدم الانسياق وراء العواطف والمذاهب الثورية
21 ديسمبر 2010
المصدر : الأنباء

لـولي الأمر السمع والطاعة من غيـر معصية والدعاء لـه بـالصـلاح ونـصـحه سراً وعـدم التشهير بـه
المسلمون يحتاجون إلى فقه التعامل مع الحاكم المسلم لتعلّقه بالأمن والاستقرار
ينبغي علينا كمسلمين، لاسيما عند ظهور بوادر الفتنة والشقاق، التأكيد على وجوب السمع والطاعة لولاة أمرنا، فهو أصل من اصول العقيدة الإسلامية الصحيحة، فلا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وقد كان السلف يولون هذا الامر اهتماما خاصا نظرا لما يترتب على إغفاله أو الجهل به من الفساد العريض في العباد والبلاد، وللشيخ حاي الحاي بحث شرعي بعنوان «نصح الأنام بتحريم التشهير بالحكام» فيه استذكار لحقوق ولي الأمر، أحب أن يشارك به قراء «الأنباء» راجيا من الله أن تعم الفائدة المرجوة منه، وفيما يلي نص البحث:
قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، قال الإمام الطبري «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة»، وقال الإمام النووي «المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء والعلماء».
وقال العلامة السعدي «وأمر بطاعة أولي الأمر، وهم الولاة على الناس من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم طاعة لله، ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية، فإن أمروا بذلك، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم، وذكره مع طاعة الرسول فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم ألا يكون معصية».
إذن فمذهب السلف الصالح مذهب قويم وصراط مستقيم من التزمه سعد في الدنيا والآخرة ومن تنكب عنه فقد وقع في الضلال والانحراف والزيغ، قال سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» رواه البخاري.
والذي يتعين علينا هو لزوم مذهب السلف وأن نأخذه برمته لأنه نسيج وحده في العقيدة والتوحيد وصفات الباري جل وعلا، وفي فقه التعامل مع الحاكم المسلم، وهذا الأمر الأخير يحتاجه المسلمون كثيرا لأنه يتعلق بالأمن والاستقرار، أعني وجوب طاعة ولاة الأمور من غير معصية، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق ونصح الولاة سرا وعدم التشهير بهم فهذا هو الإنصاف الحقيقي.
ورد في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله فبايعناه فكان فيما أخذ علينا، على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» أخرجه البخاري ومسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني» متفق عليه.
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره الذي يأتي من معصية الله، ولا ينزع يدا من طاعة» رواه مسلم، عن معاوية بن أبي سفيان قال: لما خرج أبو ذر إلى الزبدة لقيه ركب من أهل العراق فقالوا: يا أبا ذر قد بلغنا الذي صنع بك فاعقد لواء يأتيك رجال ما شئت، قال: مهلا يا أهل الإسلام فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون بعدي سلطان فأعزوه فمن التمس ذله، ثغر في الإسلام ثغرة، ولم تقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت» حديث صحيح رواه أحمد، وابن أبي عاصم، وصححه الألباني.
وعن أنس رضي الله عنه قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب». رواه ابن أبي عاصم، وصححه الألباني.
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السلطان ظل الله في الأرض فمن أهانه أهانه الله، ومن أكرمه أكرمه الله». حديث صحيح رواه ابن أبي عاصم، وأحمد، والطيالسي، والترمذي، وابن حبان، وحسنه الألباني عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل فقال: «أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألوننا حقهم؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» رواه ابن سعد في الطبقات والطبراني في الكبير وأحمد في المسند وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طاعة الإمام حق على المرء المسلم ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل، فإذا أمر بمعصية الله، فلا طاعة له». رواه البيهقي في السنن الكبرى وحسنه الألباني.
وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة» رواه مسلم عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق كلمتكم فاقتلوه». رواه مسلم.
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله: لا نسألك عن طاعة من اتقى، ولكن من فعل وفعل، فذكر الشر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا» رواه ابن أبي عاصم في السنة وصححه الألباني.
الدعاء لهم بالصلاح
قال الفضيل بن عياض: «لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له: يا أبا علي فسر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تَعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان فصلح صلح بصلاحه العباد والبلاد، فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين».
وقال الإمام أبوعثمان الصابوني في «عقيدة السلف أصحاب الحديث»: «ويرون الدعاء لهم ـ أي لولاة الأمور ـ بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل».
وقال الإمام البربهاري في «شرح السنة»: «إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله».
وقد روى عمر بن يزيد عن الحسن البصري أيام يزيد المهلب قال: «وأتاه رهط فأمرهم أن يلزموا بيوتهم، ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا، ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، ووالله ما جاءوا بيوم خير قط، ثم تلا: (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون)».
وقال الإمام الطحاوي «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة».
وما أجمل قول الإمام ابن أبي العز الحنفي السلفي في شرحه للعقيدة الطحاوية حيث قال «وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات، ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل، قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، وقال تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم)، وقال تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، وقال تعالى: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم».
وما أجمل قول العابد الزاهد سهل بن عبدالله التستري حينما قال «لايزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم»، وقال ابن فرحون المالكي في «تبصرة الحكام»: «ومن تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين لزمته العقوبة الشديدة ويسجن شهرا... ومن خالف أميرا وقد قرر دعوته لزمته العقوبة الشديدة بقدر اجتهاد الإمام».
وقال شيخ الإسلام: «وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ فلا يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس تزيل الشر بما هو شر منه، وتزيل العدوان، بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم، فيصبر عليه، كما يصبر عند الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك)«.
قال ابن كثير مبينا تحريم الغدر بالحاكم الذي بويع: «ولما خرج أهل المدينة عن طاعته – أي: يزيد -، وولوا عليهم بن مطيع، وابن حنظلة، لم يذكروا عنه – وهم أشد الناس عداوة له – الا ما ذكروه عنه من شرب الخمر واتيانه بعض القاذورات... بل قد كان فاسقا، والفاسق لا يجوز خلعه، لاجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج – كما وقع في زمن الحرة- وقد كان عبدالله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، لا بايع أحد بعد بيعته ليزيد كما قال الامام أحمد: حدثنا اسماعيل ابن علية: حدثني صخر بن جورية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فاننا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ان الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال: هذا غدرة فلان»، وان من أعظم الغدر – الا أن يكون الاشراك بالله -: أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله، ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الامر، فيكون الفيصل بيني وبينه، وقد رواه مسلم».
الالتفــاف على اختصاصــات ولي الامر
واننا نحذر في هذه الايام من الالتفاف حول هذه الاحداث والمسائل التي هي من اختصاص أولى الامر ونوابهم من تهييج الناس وبث الفتن والتطاول على أولى الامر واسقاط هيبتهم من النفوس، فهذا ليس من مذهب السلف أن نشق عصا المسلمين ونسفه آراء المسؤولين.
قال الامام أحمد بن حنبل «اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق الى أبي عبدالله وقالوا له: «ان الامر قد تفاقم وفشا - يعنون اظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك - ولا نرضى بامرته ولا سلطانه فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالانكار بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، وقال: ليس هذا بصواب هذا خلاف الآثار».
وقال المروذي: سمعت أبا عبدالله يأمر بكف الدماء، وينكر الخروج انكارا شديدا، وقال في رواية اسماعيل بن سعيد: الكف، لانا نجد عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما صلوا فلا» جزءا من حديث أخرجه مسلم وأبو داود، خلافا للمتكلمين في جواز قتالهم كالبغاة، قال القاضي «والفرق بينهما من جهة الظاهر، والمعنى أما الظاهر، فان الله تعالى أمر بقتال البغاة بقوله تعالى (وان طائفتان) الآية وفي مسألتنا أمر بالكف عن الائمة بالاخبار المذكورة وأما المعنى فان الخوارج يقاتلون بالامام وفي مسألتنا يحصل قتالهم بغير امام فلم يجز كما لم يجز الجهاد بغير امام».
وقال عمرو بن العاص لابنه: يا بني احفظ عني ما أوصيك به، امام عدل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من امام ظلوم، وامام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم.
اللين في القول
قال ابن الجوزي «الجائز من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فان كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها الى الغير، لم يجز، وان لم يخف الا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك، لان المقصود ازالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكثر من فعل المنكر الذي قصد ازالته»، وقال الامام أحمد أيضا «لا يتعرض للسلطان، فان سيفه مسلول وعصاه، فأما ما جرى للسلف من التعرض لامرائهم، فانهم كانوا يهابون العلماء، فاذا انبسطوا عليهم احتملوهم في الاغلب، ولاحمد من حديث عطية السعدي: اذا استشاط السلطان تسلط عليه الشيطان«.
قلت: وهذه المواقف والآثار توضح التطبيق العملي لمذهب أهل السنة والجماعة والاثر في طاعة الحاكم المسلم وعدم الانسياق وراء العواطف وترك نصوص الوحيين الكريمين أو التأثر بالمذاهب الثورية الكاسدة والآراء الفاسدة.