Note: English translation is not 100% accurate
الوضع القانوني لـ «التحقيقات» ووجوب فصلها وإلحاقها بالنيابة العامة
9 مارس 2011
المصدر : الأنباء

دراسات
تكاد تجمع قوانين مختلف الدول على النص على تولي النيابة العامة للدعوى العمومية باسم المجتمع، ولم يخرج المشرع الكويتي عن هذا الأصل، حيث نصت المادة (167/1) من الدستور الكويتي على أنه: «تتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع وتشرف على شؤون الضبط القضائي وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام. ويرتب القانون هذه الهيئة وينظم اختصاصها ويعين الشروط والضمانات الخاصة بمن يولون وظائفها». بيد أن المشرع الدستوري أجاز في الفقرة الثانية من النص ذاته أن يعهد بتولي الدعوى العمومية لجهات الأمن العام (وزارة الداخلية) بقوله: «ويجوز أن يعهد بقانون لجهات الأمن العام بتولي الدعوى العمومية في الجنح على سبيل الاستثناء، ووفقا للأوضاع التي يبينها القانون». وقد جاء في المذكرة التفسيرية لهذا النص ما مؤداه أنه «مراعاة لواقع الكويت أجازت هذه المادة ـ على سبيل الاستثناء ـ أن يعهد القانون لجهات الأمن العام في نطاق الجنح بتولي الدعوى العمومية بدلا من النيابة العامة صاحبة الدعوى العمومية أصلا، وذلك وفقا للأوضاع التي يبينها القانون. ومقتضى هذا النص عدم جواز التوسع في هذه الرخصة لأنها استثناء، والاستثناءات تجري في أضيق الحدود، كما يلزم أن يبين القانون «الأوضاع» المشار إليها في المادة الدستورية المذكورة، وأن يكفل للقائمين بالدعوى العمومية المنوطة بجهات الأمن ما تقتضيه هذه الأمانة الخطيرة من مؤهلات قانونية في القائمين بها، وتنظيم إداري يكفل لهم القدر الضروري من الحيدة والاستقلال، والبعد عن أصداء ما يلازم عمل جهاز الأمن العام من اتصال يومي بالجمهور واحتكاك بالكثيرين من الناس كل يوم، فبهذه الضمانات يحقق هذا الطريق الاستثنائي الفوائد المرجوة دون أن يكون ذلك على حساب العدالة أو الحقوق والحريات. وقد تناول هذا الموضوع العديد من الدراسات والبحوث والتي كان القاسم المشترك بينها توجيه نداء إلى المشرع لكي يعيد الأمور إلى الأصل العام من خلال إلغاء الاستثناء المتعلق بإسناد تولي الدعوى العمومية في الجنح إلى جهات الأمن العام وعودة هيمنة النيابة العامة وإشرافها الكامل على الدعوى العمومية سواء في الجرائم التي تشكل جنايات أو تلك التي تعتبر من الجنح. ويفهم مما انتهت إليه كل تلك الدراسات أن سبب دعوة المشرع إلى التدخل التشريعي بضم الإدارة العامة للتحقيقات إلى النيابة العامة هو زوال الظروف والاعتبارات التي دفعت المشرع العادي إلى إسناد مباشرة الدعوى العمومية في الجنح لجهات الأمن العام، وشبهة عدم الدستورية في بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه والذي يتضمن ـ بحسب تلك الدراسات ـ إخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات. إلا أن الوضع القانوني للإدارة العامة للتحقيقات لم يدم على هذه الحال، إذ أصدر المشرع القانون رقم 53 لسنة 2001 في شأن الإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية وذلك بتاريخ 23 يوليو 2001.
وعودا على ذي بدء يحق لنا أن نتساءل عن الوضع القانوني للإدارة العامة للتحقيقات بعد صدور قانون 53 لسنة 2001 وهل طرأ عليه تغيير ما؟
الإجابة برأينا هي حتما بالإيجاب، ونسوق الشواهد التالية والتي استقيناها من ذات نصوص القانون مع مقارنتها بالنصوص المنظمة لعمل جهاز النيابة العامة من حيث طبيعته والمهام المنوطة به والمركز القانوني لأعضائه، والتي وردت في قانون تنظيم القضاء، وذلك للتدليل على حقيقة الوضع الجديد الذي نشأ بعد صدور قانون التحقيقات وذلك على النحو التالي:
أولا: تولى أعضاء النيابة العامة وأعضاء الإدارة العامة للتحقيقات للدعوى العمومية.
الدعوى العمومية هي تلك الدعوى التي تحرك من قبل النيابة العامة كممثل للمجتمع أمام القضاء بطلب توقيع العقوبات على مرتكبي الجرائم صونا للنظام العام، والأصل أن النيابة العامة تحتكر وتهيمن على هذه الدعوى إعمالا لنص المادة 167 من الدستور.
إلا أن المادة الأولى من قانون التحقيقات رقم (53) لسنة 2001 رسمت نطاق اختصاص هذه الإدارة طبقا لأحكام المادة التاسعة من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية التي جرى نصها على أنه:
«يتولى سلطة التحقيق والتصرف والادعاء في الجنح محققون يعينون لهذا الغرض في دائرة الشرطة والأمن العام». وبذلك فإن كلا من النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات تتوليان الدعوى العمومية نيابة عن المجتمع وهما بهذه المثابة شعبتان أصيلتان من شعب القضاء.
ثانيا: التزام أعضاء النيابة وأعضاء الإدارة العامة للتحقيقات بأداء القسم قبل مباشرة مهام وظائفهم:
ألزم المشرع في المادة 62 من قانون تنظيم القضاء أعضاء النيابة العامة بأداء القسم قبل مباشرتهم مهام وظائفهم وذلك بنصها على أنه:
«يؤدي أعضاء النيابة العامة قبل مباشرة وظائفهم اليمين الآتية: أقسم بالله العظيم أن أؤدي أعمال وظيفتي بالأمانة والصدق وأن أحترم قوانين البلاد ونظمها». ويكون أداء اليمين بالنسبة للنائب العام أمام صاحب السمو الأمير بحضور وزير العدل. ويكون أداء هذه اليمين بالنسبة لباقي أعضاء النيابة العامة أمام رئيس المجلس الأعلى للقضاء بحضور النائب العام».
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية تعليقا على هذا النص أنه: ينص القانون القائم على أن يحلف القضاة (وكذلك أعضاء النيابة العامة) قبل مباشرة وظائفهم يمينا بأن يحكموا بين الناس بالعدل وأن يحترموا قوانين البلاد ونظمها في حين استعمل الدستور كلمة القسم في المواد 60، 91، 126 منه. وانسجاما مع أحكام الدستور فقد استعمل مشروع القانون المعروض كلمة ـ القسم ـ القانون الحالي ـ كلمة القسم، ونصت المادة 24 منه على أن يؤدي القضاة «ويأخذ حكمهم أعضاء النيابة العامة» قبل مباشرة وظائفهم اليمين التالية».
وقد نحا المشرع ذات المنحى في قانون التحقيقات، إذ نصت المادة 5 منه على أن: «يؤدي المحققون قبل مباشرتهم وظائفهم اليمين التالية: أقسم بالله العظيم أن أؤدي أعمال وظيفتي بالأمانة والصدق وأن أحترم قوانين البلاد ونظمها» ويكون أداء اليمين بالنسبة لمدير عام التحقيقات ونوابه أمام صاحب السمو الأمير بحضور وزير الداخلية، ويكون أداء اليمين بالنسبة لباقي أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات أمام وزير الداخلية بحضور مدير عام التحقيقات.
ويتضح من مطالعة صيغة القسم في النصين السابقين أنها متطابقة تماما، وهو ما يؤكد وحدة هذين الجهازين وأنهما جزء لا يتجزأ من السلطة القضائية، فإن باشر عضو النيابة العامة أو عضو الإدارة العامة للتحقيقات مهام عمله قبل أداء هذا القسم فإن عمله يكون باطلا الأثر قانونا.
ثالثا: وحدة جهازي النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات:
من السمات التي تميز النيابة العامة كهيئة قضائية أنها تعد كلا لا يتجزأ، وفي ذلك تقرر المادة 59 من قانون المرسوم بقانون تنظيم القضاء رقم 23 لسنة 1990 على ان:
«النيابة العامة لا تتجزأ ويقوم أي عضو من أعضائها مقام الآخرين إلا إذا نص القانون على أن عملا معينا أو إجراء محددا يدخل في اختصاص النائب العام أو المحامي العام أو رئيس النيابة».
وذات الميزة قررها المشرع للإدارة العامة للتحقيقات وبذات مضمون النص السابق في نص المادة 7 من قانون التحقيقات والذي جرى على أن: «الإدارة العامة للتحقيقات كل لا يتجزأ ويقوم أي عضو من أعضائها مكان الآخرين إلا إذا نص القانون على أن عملا معينا أو إجراء محددا يدخل في اختصاص مدير عام التحقيقات أو أحد أعضائها».
رابعا: حظر قيام عضو النيابة العامة وعضو الإدارة العامة للتحقيقات ببعض الأعمال:
تضمن قانون تنظيم القضاء في المادة 27 خطرا على أعضاء النيابة العامة من إتيان بعض الأعمال حيث جرى هذا النص على أنه:
«يحظر على القضاة وأعضاء النيابة العامة إبداء الآراء السياسية، كما يحظر عليهم التقدم للترشيح في الانتخابات العامة».
وقد عنيت المذكرة الايضاحية لنص المادة 27 آنف الذكر ببيان الحكمة من هذا الحظر بقولها: «وحظرت المادة 27 على القضاة (وكذلك أعضاء النيابة العامة) إبداء الآراء السياسية، ومن باب أولى فهو يحظر عليهم الاشتغال بالسياسة فعليا لأن ذلك يجعل لهم رأيا ظاهرا في الخلافات السياسية وهو ما يجب على القاضي الابتعاد عنه حتى يكون القضاء (وكذلك النيابة العامة) بمنأى عن الشبهات وحتى يطمئن إليه كل الأفراد، وتطبيقا لذلك استطرد نص المادة فحظر على القضاة (ومثلهم أعضاء النيابة العامة) التقدم للترشيح للانتخابات العامة، فإن أراد أحدهم الترشيح للانتخابات العامة كان عليه أن يستقيل أولا».
بين التحقيق والنيابة
وإيمانا من المشرع بتطابق طبيعة العمل بين النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات، فقد ساير هذا التوجه في نص المادة 13 من قانون التحقيقات الذي جاء فيه النص على أنه:
يحظر على عضو الإدارة العامة للتحقيقات:
1 ـ مزاولة أية أعمال تجارية أو صناعية أو مهنية أو أي عمل آخر يتعارض مع وظيفته، سواء بالذات أو الواسطة.
2 ـ إبداء الآراء السياسية.
3 ـ التقدم للترشيح في الانتخابات العامة إلا إذا استقال من منصبه ويجوز إعادة من استقال منهم لهذا الغرض خلال سنة من تاريخ الاستقالة بقرار من وزير الداخلية.
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للنص تبرير لهذا أنه رغبة من المشرع في ابعاد عضو الإدارة عن ممارسة أي عمل لا يتفق مع كرامة هذه الوظيفة واستقلالها أو يتعارض مع أعمال وظائفهم بالذات أو بالواسطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
واسترسلت المذكرة الايضاحية للمادة السابقة بالقول بأنه نأيا بعضو الإدارة عن الشك أو استغلال المنصب فقد حظر القانون عليه المشاركة في إبداء الآراء السياسية أو التقدم للترشيح في الانتخابات العامة إلا إذا استقال من منصبه وهو ما يؤكد أن عمل عضو الإدارة العامة للتحقيقات مماثل تماما لعمل عضو النيابة العامة وأن كليهما يضطلعان بذات المهام الجسيمة بوصفها شعبة أصيلة من شعب القضاء لذا كان من الواجب ابعادهما عن مواطن الشبهات والريب استكمالا لمظاهر الحيدة والنزاهة ودفعا لمظنة استغلال المنصب وحفظا لكرامة هاتين الوظيفتين.
الحصانة الجنائية
خامسا: تمتع عضو النيابة العامة وكذلك عضو الإدارة العامة للتحقيقات بالحصانة الجنائية الإجرائية:
الحصانة الجنائية الإجرائية هي ضمانة هامة من ضمانات استقلال القضاء وهي تمثل قيدا على سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية وتعني عدم جواز اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد القاضي أو عضو النيابة العامة إلا بإذن من المجلس الأعلى للقضاء، وقد كرس المشرع الكويتي هذه الضمانة الجوهرية في المرسوم بقانون بتنظيم القضاء حيث نصت المادة (37/1) منه على أنه:
«لا يجوز في غير حالات الجرم المشهود اتخاذ أي إجراء من اجراءات التحقيق أو القبض أو رفع الدعوى الجزائية على القاضي أو عضو النيابة في جناية أو جنحة إلا بإذن المجلس الأعلى للقضاء بناء على طلب النائب العام».
وعليه فإذا تم تحريك الدعوى الجزائية قبل صدور هذا الإذن فإن أي إجراء يتخذ يوصم بالبطلان ولا يعصم هذه الاجراءات من البطلان في مثل هذه الأحوال تنازل عضو النيابة عن الحصانة فمثل هذا التنازل لا أثر له لأن الحصانة مقررة للمصلحة العامة صونا لمرفق القضاء وضمانا لاستقلاله.
وإدراكا من المشرع لوجه الشبه بين عمل أعضاء النيابة العامة وأعضاء الإدارة العامة للتحقيقات فقد منح هذه الضمانة لأعضاء هذه الادارة حيث نصت المادة 14 من قانون التحقيقات على أنه:
«لا يجوز في غير حالات الجرم المشهود اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو القبض على عضو الإدارة العامة للتحقيقات إلا بإذن من وزير الداخلية بناء على طلب مدير عام الإدارة العامة للتحقيقات».
سادسا: انقضاء الدعوى التأديبية باستقالة عضو النيابة العامة وعضو الإدارة العامة للتحقيقات:
قرر المشرع في المادة 46 من قانون تنظيم القضاء حكما خاصا أكد من خلاله بما لا يدع مجالا للشك خصوصية عمل عضو النيابة العام وفلسفة المشرع من تنظيم الدعوى التأديبية لهذا العضو وغايتها ألا وهي صون جهاز النيابة العامة وإعلاء مكانتها من أي عمل قد يرتكبه أحد أعضائها ما قد يشكل مساسا بتلك المكانة فقرر انقضاء الدعوى التأديبية باستقالة عضو النيابة الذي يسري عليه ما يسري على القاضي في هذا الشأن.
تطابق كامل
وقد تبنى المشرع في المادة 19 من قانون التحقيقات ذات النهج إذ نصت هذه المادة على أنه:
«تنقضي الدعوى التأديبية باستقالة عضو الإدارة العامة للتحقيقات ولا تأثير للدعوى التأديبية على الدعوى الجزائية أو المدنية الناشئة عن ذات الواقعة».
فهذا النص يكاد يتطابق بشكل كامل مع نص المادة 46 من قانون تنظيم القضاء الواجب التطبيق على أعضاء النيابة العامة وحكم هذين النصين يؤكد تماثل المركز القانوني لعضو النيابة العامة وعضو الإدارة العامة للتحقيقات من جانب، واختلاف مركزهما عن المركز القانوني للموظف العام الذي يخضع لقانون الخدمة المدنية من جانب آخر حيث نصت المادة (74/4) من نظام الخدمة المدنية على أنه:
«ولا يجوز قبول استقالة الموظف إذا كان قد أحيل إلى التحقيق أو أوقف عن العمل أو اتخذت ضده أية إجراءات تأديبية أخرى. فإذا انتهت هذه الإجراءات إلى عدم مسؤوليته أو مجازاته بغير عقوبة الفصل جاز قبول استقالة».
ويظهر جليا من هذا النص وبغير حاجة إلى إعمال فكر او تحقيق نظر بأن استقالة الموظف العام الخاضع لقانون الخدمة المدنية لا تؤثر بالكلية على الدعوى التأديبية المرفوعة ضده انتظارا إلى حين انتهاء إجراءات المحاكمة التأديبية بخلاف الوضع بالنسبة لعضو النيابة العامة والادارة العامة للتحقيقات. وهذه المقارنة بين المركز القانوني لعضو النيابة العامة وعضو الادارة العامة للتحقيقات تنطق بتماثل المركز القانوني لعضو الإدارة مع مركز عضو النيابة العامة.
سابعا: وحدة قواعد عدم الصلاحية لعضو النيابة العامة وعضو الإدارة العامة للتحقيقات.
نظم المشرع الكويتي قواعد عدم صلاحية القضاة في المادة 102 من قانون المرافعات المدنية والتجارية ونظرا لخطورة عمل عضو النيابة العامة فقد رأى المشرع أن يأخذ بقواعد عدم الصلاحية المطلقة المقررة للقضاة بالنسبة لأعضاء النيابة العامة، لذا نصت المادة 29 من قانون تنظيم القضاء على أنه: «لا يجوز أن يجلس في دائرة واحدة قضاة بينهم قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة.
كما لا يجوز أن يكون لممثل النيابة العامة أو ممثل أحد الخصوم أو المدافع عنه ممن تربطهم الصلة المذكورة بأحد القضاة الذين ينظرون الدعوى».
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون تعليقا على هذه المادة أنه «ولتمكين الثقة في القضاء ودفعا لكل حرج أو شبهة حظرت المادة 29 أن يجلس في دائرة واحدة قضاة بينهم قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة وهي الدرجة التي يخشى معها أن يتأثر بعضهم برأي أو ينقاد له، كما حظرت أن يكون ممثل النيابة العامة أو ممثل أحد الخصوم أو المدافع عنه ممن تربطهم بأحد القضاة الذين ينظرون الدعوى تلك الصلة. وغني عن البيان أن المقصود بممثل النيابة هو عضو النيابة الممثل لها في جلسات المحاكمة فلا يحول بين القاضي ونظر الدعوى أن يكون عضو النيابة الذي يمت إليه بصلة القربى هذه قد باشر في الدعوى إجراء من إجراءات التحقيق ولا يقوم الحظر المنصوص عليه في المادة المذكورة إذا كان ممثل أحد الخصوم أو المدافع عنه قد حضر في جلسة سابقة ولكنه لم يتصل بالقضية أو يحضر جلساتها وقت أن تولى الذي يمت إليه بصلة القربى نظر الدعوى والحكم فيها».
إن التمعن فيما ورد في المذكرة الإيضاحية للنص سالف الذكر يكشف بجلاء أن المشرع أراد ترسيخ وتعزيز الثقة في القضاء في نظر الكافة ودفع الحرج والشبهة عن القضاة وأعضاء النيابة العامة فقرر ذلك الحكم الذي جاء به النص، وقد حذا المشرع هذا الحذو في المادة 20 من قانون التحقيقات والتي جرى نصها على أنه:
«لا يجوز أن يجلس ممثل للادعاء العام بينه صلة قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة مع قاض في دائرة واحدة. كما لا يجوز ان يكون بين ممثل الادعاء العام أو أحد الخصوم أو المدافع عنه صلة قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة».
الاستقلال الكامل
فمما لا شك فيه أن ما جاء به هذا النص من امتداد تطبيق الحظر المنصوص عليه في المادة 29 من قانون تنظيم القضاء ليشمل ممثل الادعاء العام في الإدارة العامة للتحقيقات هو خير دليل على وحدة هذين الجهازين من حيث طبيعة المهام وخطورتها واتصالها الوثيق بالسلطة القضائية.
ثامنا: من الاستقلال الفني لأعضاء النيابة العامة وأعضاء الإدارة العامة للتحقيقات من مباشرة الدعوى العمومية:
كرس المشرع في المادة 60 من قانون تنظيم القضاء مبدأ الاستقلال الفني لأعضاء النيابة العامة.
وبهذه المناسبة يجب التفرقة بين التبعية الفنية والتبعية الإدارية فالنائب العام وأعضاء النيابة العامة مستقلون من الناحية الفنية لا سلطان لوزير العدل عليهم في ممارستهم سلطاتهم، أما فيما يتعلق بالجوانب الإدارية فإنهم يتبعون وزير العدل وإن كان يجدر بالمشرع أن يحقق الاستقلال المالي والإداري الكامل للنيابة العامة تطبيقا لمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه دستوريا.
تشابه النصوص
والمسلك ذاته انتهجه المشرع في نص المادة 2 من قانون التحقيقات إذ نصت هذه المادة على أنه: «يرأس الإدارة العامة للتحقيقات مدير عام يعاونه نائب أو أكثر ومدعون عامون ورؤساء تحقيق أ، ب ومحققون أ، ب، ج.
ويتبع مدير عام التحقيقات وزير الداخلية، ويتبع أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات المدير العام».
إن تدقيق النظر في هذا النص يوحي لأول وهلة أنه يختلف عن نص المادة 60 من قانون تنظيم القضاء سالف الذكر حيث تضمن هذا النص الأخير عبارة (ويتبع النائب العام وزير العدل وذلك فيما عدا الاختصاص المتعلق بأي شأن من شؤون الدعوى الجزائية وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بتحريك هذه الدعوى ومباشرتها وتحقيقها والتصرف والادعاء فيها) التي جاء نص المادة 2 تحقيقات خلوا منها فهل كان ذلك مقصودا من المشرع؟ وما أثر ذلك على حكم المادة وتطبيقها؟
من جانبنا لا يسورنا أدنى شك في تماثل حكم النصين سالفي الذكر وأن تفسيرهما واحد، وبتعبير آخر فإن عضو الإدارة العامة للتحقيقات يتمتع بالاستقلال الفني عن وزير الداخلية الذي لا يملك سوى الإشراف الإداري على أعضاء هذه الإدارة، وخلو نص المادة 2 تحقيقات من تلك العبارة لم يكن مقصودا به المغايرة في الحكم عن المادة 60 تنظيم قضاء وبالتالي ليس لذلك أي تأثير في مضمون النص. وحججنا في ذلك هي:
الحجة الأولى تكمن في أن تماثل الصياغة التشريعية يفترض وحدة المعنى والعكس صحيح فالمغايرة في الصياغة والعبارات المستخدمة يوحي باختلاف المعنى وحيث ان المشرع استخدم ذات الصياغة في النصين إذ قرر في المادة 60 تنظيم قضاء ما نصه «أعضاء النيابة العامة يتبعون جميعا النائب العام «ومثل ذلك في نص المادة 2 تحقيقات التي جاء فيها نصه: «ويتبع أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات المدير العام «كما أن المادة 60 آنفة الذكر جاء فيها ما نصه «ويتبع النائب العام وزير العدل».
وكذلك الحال في نص المادة 2 سالف الذكر الذي جاء فيه ما نصه «ويتبع مدير عام التحقيقات وزير الداخلية»
أما الحجة الثانية فتتمثل في قواعد التفسير بمفهوم المخالفة فطبقا لهذا المفهوم نصل إلى حقيقة قانونية مفادها استقلال أعضاء الإدارة استقلالا فنيا وعدم تبعيتهم لوزير الداخلية، إذ ان النص على تبعيتهم للمدير العام ينفي تبعيتهم لوزير الداخلية لاسيما أن هذا المدير العام هو الذي يرأس الإدارة العامة للتحقيقات.
على حين أن الحجة الثالثة تستخلص من التفسير الشمولي الكلي لنصوص قانون التحقيقات فمن المقرر في قواعد تفسير النصوص الواردة في سياق عام وجوب تفسيرها بما يتفق مع ذلك السياق لا أن تفسر بشكل مجتزأ وعلى نحو مستقل عن باقي النصوص لما في ذلك من بتر لحكم هذا النص ومخالفة لمقصود المشرع وغاياته، لما كان كذلك وكان قانون التحقيقات قد تضمن نصوصا خاصة سبق التعرض لبعض منها هدف المشرع من سنها إلى تكريس مبدأ الفصل بين السلطات وتوفير الاستقلال والثقة والطمأنينة لعضو الإدارة العامة للتحقيقات عند ممارسته مهام عمله فيكون من غير المنطقي أن يعود المشرع وينكص على عقبيه ليعدل عن هذا الاستقلال لعضو الإدارة ويجعله تابعا للسلطة التنفيذية ممثلة في وزير الداخلية في عمل هو من صميم إجراءات الدعوى العمومية، وحيث سبق أن أقررنا بتوافر التبعية الإدارية لمدير عام هذه الإدارة وأعضائها لوزير الداخلية فأين هو الاستقلال إذا ما سلمنا تبعتهم الفنية فيما يتعلق بالدعوى العمومية لوزير الداخلية.؟
ولا سبيل للمحاجة في هذا المقام بما ورد في نص المادة 104 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية للقول بوجود سلطة لوزير الداخلية على أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات فيما يتعلق بالجانب الفني المتصل بشؤون الدعوى العمومية.
التفتيش الفني
تاسعا: من خضوع عضو النيابة العامة وعضو الإدارة للتفتيش الفني:
أولى المشرع التفتيش الفني (القضائي) على أعمال أعضاء النيابة العامة كبير اهتمامه إذ حفل قانون تنظيم القضاء به، حيث أفرد المشرع فصلا خاصا للتفتيش القضائي على أعمال رؤساء النيابة العامة، ووكلائها من خلال لجنة تؤلف من رئيس بدرجة محام عام وعدد كاف من المحامين العامين ورؤساء النيابة كما نصت المادة 31 من ذات القانون على وجوب أن يجرى التفتيش (على عضو النيابة) مرة على الأقل كل سنتين ويكون تقدير الكفاءة بإحدى الدرجات الآتية.
كفء ـ فوق المتوسط ـ متوسط ـ أقل من المتوسط.
ويجب أن يحاط عضو النيابة العامة علما بكل ما يودع في ملف خدمته من ملاحظات أو أوراق كما يخطر بصورة من تقرير التفتيش وله الحق في التظلم إلى المجلس الأعلى للقضاء في ميعاد مدته خمسة عشر يوما من تاريخ إخطاره ويفصل المجلس الأعلى للقضاء في التظلم بعد الاطلاع على الأوراق وسماع أقوال المتظلم عند الاقتضاء ويكون قرار المجلس في شأن تقدير الكفاءة نهائيا.
وعلى إدارة التفتيش إرسال صورة من التقرير إلى كل من وزير العدل والمجلس الأعلى للقضاء وذلك فور إيداع التقرير في الملف الشخصي.
وقد أخذ المشرع في قانون التحقيقات بذات النظام حيث قرر في المادة 23 منه إنشاء إدارة للتفتيش الفني على أعمال الإدارة العامة للتحقيقات تشكل من مدع عام وعدد من رؤساء التحقيق.
ويجرى التفتيش فنيا على العضو الذي تقل درجته عن مدع عام مرة على الأقل كل سنة ويكون تقدير الكفاءة شاملا رأي المسؤول المباشر لعضو الإدارة ويكون تقدير الكفاءة بإحدى الدرجات التالية:
كفء ـ فوق المتوسط ـ متوسط ـ اقل من المتوسط.
ويخطر العضو بصورة من تقرير التفتيش إذا كان بتقدير أقل من المتوسط وله حق التظلم منه إلى مدير عام الإدارة العامة للتحقيقات خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إخطاره.
ويفصل المدير العام في التظلم ويكون قراره نهائيا.
المركز القانوني
عاشرا: بل إن ما يقطع بأن المركز القانوني لعضو الإدارة العامة للتحقيقات أصبح يختلف بعد صدور قانون التحقيقات رقم 53 لسنة 2001 عنه قبل صدور هذا القانون ليتماثل تماما مع المركز القانوني لعضو النيابة العامة ما جاء في نص المادة 24 من قانون التحقيقات والذي جاء في الفقرة الأولى منه ما نصه:
«ينقل أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات الموجودين بالخدمة وقت العمل بهذا القانون إلى الوظائف الجديدة المعادلة لوظائفهم في المادة الثانية من القانون مع احتفاظهم بأقدميتهم في هذه الوظائف ويتقاضى كل منهم مرتب الوظيفة المنقول إليها أو المرتب الأساسي الذي يتقاضاه عند العمل بهذا القانون أيهما أكبر».
فلو كانت وظائف أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات تماثل تلك التي كانوا يشغلونها قبل صدور هذا القانون لما كان المشرع بحاجة إلى النص على هذا النقل وهو دليل آخر على وحدة جهازي النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات.
الحادي عشر: تجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أحد الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة التمييز الكويتية والذي اعتبرت فيه الأعمال التي يقوم بها أعضاء الإدارة لعامة للتحقيقات في كل ما يتعلق بالدعوى العمومية كالتي يقوم بها أعضاء النيابة العامة أعمالا قضائية صادرة عن هيئة قضائية.
وتتلخص وقائع هذا الحكم في أن أحد محققي الإدارة العامة للتحقيقات وبمناسبة مباشرة لإجراءات التحقيق مع أحد المتهمين بارتكاب جنحة، أصدر قرارا بحبس المتهم احتياطيا على ذمة التحقيق لمدة 21 يوما ولما أحيل المتهم للمحاكمة الجنائية تبين أنه ليس مرتكب الجريمة وأن ثمة خطأ وقع في شخصية المتهم لوجود تشابه في الاسم بين هذا المتهم ومرتكب الجريمة الحقيقي، فقررت المحكمة تبرئته من التهمة المنسوبة إليه. مما دفع هذا الشخص إلى رفع دعوى على وزير الداخلية بصفته متبوعا من قبل عضو الإدارة العامة للتحقيقات وللمطالبة بالتعويض عما حاق به من أضرار.
ولدى نظر القضية أمام محكمة التمييز قررت مبدأها سالف الذكر والذي يقطع بيقين بوحدة جهاز النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات وتماثل المركز القانوني لأعضاء هاتين الجهتين وأنهما شعبتان من شعب القضاء.
التدخل التشريعي لتعديل وضع «التحقيقات» أصبح ضرورة
إننا نرى ضرورة التدخل التشريعي السريع لتعديل الوضع الحالي للإدارة العامة للتحقيقات وإعادة الأمور إلى نصابها، وذلك أن القانون 53 لسنة 2001 أوجد وضعا شاذا فأصبحنا بصدد قانون يتضمن خللا في بنائه الداخلي وتناقضا صارخا بين نصوصه لا تتفق مع نهوض الإدارة العامة للتحقيقات وتوليها للدعوى العمومية وما يترتب على ذلك من اعتبارها شعبة أصيلة من شعب القضاء وهو ما صرحت به أحكام محكمة التمييز وبين نصوص أخرى تنال من سلطات هذه الإدارة واعتبارها سلطة قضائية وما يجب أن تتمع به من استقلال كامل ولعل أبرز هذه النصوص ما جاء في نص المادة 25 من قانون التحقيقات والذي يقضي بخضوع أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات في كل ما يرد به نص في هذا القانون للأحكام الواردة بالمرسوم لقانون رقم 5 السنة 1979 في شأن الخدمة المدنية وهو ما يدخل هذه السلطة حظيرة الوظيفة العامة وما يستتبعه ذلك من إخلال بمبدأ الفصل بين السلطات. كما أن هذا القانون جاء خلوا من النص على عدم جواز عزل عضو الإدارة إلا وفقا لإجراءات المحاكمة التأديبية هذا النص الذي تضمنه قانون تنظيم القضاء في مادته رقم 23. فضلا عن أن الوضع الحالي لقانون التحقيقات يعقد الاختصاص في نظر الدعاوى الإدارية المتعلقة بأعضاء الإدارة للدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية في حين خصص المشرع دائرة خاصة هي دائرة طلبات رجال القضاء في محكمة التمييز للنظر في الشؤون الوظيفية لأعضاء النيابة العامة.
لكل ما سبق فإننا نتمنى على المشرع سرعة الاستجابة بإلغاء الإدارة العامة للتحقيقات وتعيين أعضائها في النيابة العامة لمعالجة وضع شاذ أتى به قانون 53 لسنة 2001 وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح حتى لا نكون بصدد جهازين للنيابة العامة أحدهما نيابة للجنايات والآخر نيابة للجنح فالحل الأسلم والذي يتفق مع نصوص الدستور ويفرضه الواقع القضائي الحالي هو إلغاء الإدارة العامة للتحقيقات وضم أعضائها إلى النيابة العامة.
الاقتراح
أقترح في ختام هذه الدراسة أن يتدخل المشرع بإجراء تعديل تشريعي على المقترح المعروض على مجلس الأمة لقانون تنظيم القضاء وذلك على النحو الآتي:
مادة 6 «يستبدل بنصوص المادتين 9 و105 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 1960 النصوص التالية:
مادة 9 «تتولى النيابة العامة دون غيرها سلطة التحقيق والتصرف والادعاء في الجنايات والجنح وفقا للقانون»
مادة 105 «تتولى النيابة العامة مباشرة الدعوى الجزائية بطلب توقيع العقوبة على المتهمين في الجنايات والجنح وطبقا للشروط المنصوص عليها في هذا القانون».
مادة 7 «يعين في النيابة العامة أعضاء الإدارة العامة للتحقيقات الموجودين في الخدمة وقت العمل بهذا القانون بعد معادلة وظائفهم بوظائف النيابة العامة مع احتفاظهم بأقدميتهم في هذه الوظائف. ويكون تعيينهم بمرسوم بعد عرض وزير العدل وموافقة المجلس الأعلى للقضاء ما عدا من هم في وظيفة محقق (ج) فيكون تعيينهم بقرار من وزير العدل.
(8) «يستمر أعضا الإدارة العامة للتحقيقات في القيام بأعمالهم إلى حين تطبيق أحكام المادة السابقة من هذا القانون في مدة لا تتجاوز سنة من تاريخ العمل به».
كما تؤول جميع قضايا الإدارة العامة للتحقيقات وحقوقها والتزاماتها وملفاتها وأرشيفها إلى النيابة العامة خلال المدة ذاتها».
مادة 9 «تستبدل عبارة أعضاء النيابة العامة والمحققون والنيابة العامة أو المحقق الواردة في القانون رقم رقم 17 لسنة 1960 المشار إليه بعبارة أعضاء النيابة العامة أينما وردت في ذلك القانون».
مادة 10 «يلغى كل نص يتعارض مع أحكام هذا القانون. كما يلغى القانون رقم 53 لسنة 2001 بشأن الإدارة العامة للتحقيقات كما يلغى المرسوم رقم 14 لسنة 1977 المشار في خصوص ما تضمنه بشأن القضاة وأعضاء النيابة العامة».
مادة 11 «على رئيس مجلس الوزراء والوزراء كل فيما يخصه تنفيذ هذا القانون ويعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية».