Note: English translation is not 100% accurate
قراءة في محددات أزمة ميناء مبارك الكبير وتداعياتها وسبل الخروج منها
4 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء
دراسة أعدتها: عفراء أحمد البابطبن باحثة في الشؤون السياسية
قد تكون الأزمة الكويتية ـ العراقية حول ميناء مبارك الكبير من أكثر القضايا التي تسيطر على الساحة الكويتية، ويتزايد التركيز لها اليوم خاصة بعد التصريح العراقي الرسمي حول هذه الأزمة حين طالبت بغداد الحكومة الكويتية بوقف بناء الميناء لحين تأكد الجانب العراقي من خلو المشروع من أي اضرارات ملاحية على العراق، حيث إنه مع استمرار التصعيد الإعلامي العراقي حول هذه الأزمة واختلاقها، لزم علينا أن نلقي الضوء على جميع جوانب أزمة ميناء مبارك الكبير سعيا لتوضيح أبعاد ومحددات وتداعيات هذه الأزمة.
محددات أزمة اعتراض العراق على بناء ميناء مبارك الكبير:
نستطيع القول إن هناك ثلاثة محددات رئيسية والتي بدورها لعبت دورا كبيرا في بروز الأزمة وتصاعدها من قبل الجانب العراقي واعتراضها على تنفيذ الكويت مشروع ميناء مبارك الكبير، وهي كما في التفصيل التالي:
أولا: المحدد العراقي:
اعترضت العراق رسميا على بناء ميناء مبارك الكبير، وجاء الاعتراض رسميا بعد أسابيع من الجدل والمناقشات داخل أوساط العراق، وكما يصلنا من الجانب العراقي عبر وسائل الإعلام أن هذا الاعتراض جاء بداية عبر شخصيات نيابية عراقية، ثم اتسع ليشمل كتابا وسياسيين وأكاديميين عراقيين حتى وصل لأعداد كبيرة من الشارع العراقي، ويأتي هذا التوسع والتطور في دائرة الاعتراض العراقية على مشروع ميناء مبارك الكبير في مستويين رئيسيين:
المستوى الأول: اعتراض عراقي كامل للمشروع والمطالبة بوقف تنفيذه، ونستطيع القول في هذه الجزئية إن هذا الاعتراض الكامل على المشروع يأتي تحت أسباب عدة لكن ظاهرها الأساسي أن الكويت بهذا المشروع تهدم حلم العراقيين للوصول إلى أكبر قدر ممكن من البقع الجغرافية للإطلالة على الخليج العربي، ويمكن التأكيد على أن هذه المطالب العراقية وهذه الأفكار العراقية ليست وليدة اليوم، إنما مطالب قديمة وأفكار ورؤى تصل إلى الكويت منذ حكم عبدالكريم قاسم للعراق، ومن ناحية أخرى يستغل أصحاب هذا الاعتراض قضية الحدود بين البلدين ومحاولة إعادتها لطاولة المفاوضات والتهديدات برغم أن هذه الأمور حسمت عن طريق مجلس الأمن عبر القرار 833 لعام 1993، إضافة إلى ما سبق ان اختلاق أزمة خارجية والانشغال بها في الأوساط العراقية ما هو إلا وسيلة يراها البعض مناسبة في هذا التوقيت لشغل الشارع العراقي عن مشكلاته الداخلية والمتشعبة والتي يمكن وصفها بالمعقدة والمتشابكة، فعملية تحويل بؤر النظر عن تلك المشكلات وإحلال مشكلة خارجية تحت ذريعة تهديد الأمن العراقي والحدود العراقية وسلامتها تشكل استراتيجية لها من المنافع التي تحقق غاياتهم وأهدافهم في هذا الشأن.
المستوى الثاني: اعتراض عراقي جزئي على المشروع والمطالبة بتغيير موقعه والتوقف عن التنفيذ لحين دراسة العراق لجميع جوانب المشروع مع الجانب الكويتي والتأكد من عدم إلحاق الضرر بالعراق في حال استمرار بناء المشروع. وهو ما سيقوم به الوفد العراقي الذي سيزور الكويت في الأيام القليلة المقبلة من أجل هذا الشأن، وفي حقيقة الأمر قد يفهم هذا الأمر لدى عدد كبير من الكويتيين أن هذه الخطوة ما هي إلا مماطلة وتعطيل للمرحلة الأولى للمشروع، لكنها في نفس الوقت يمكن اعتبارها مبادرة كويتية لتقديم كل ما يطمئن الجانب العراقي ويخفف من حدة توتره، لأنه ليس هناك شيء في المشروع يستدعي كل هذا القلق من الجانب العراقي، وبالتالي فإن حرص الكويت على تسوية هذه الأزمة عبر شرح تفاصيل المشروع مرة أخرى ـ كما يطلب العراق ـ ليس فيه ضرر وهو خطوة قد تحقن مطالب المعترضين على المشروع وترد على اتهاماتهم بالقانون أولا وبالمنطق ثانيا.
ثانيا: المحدد الكويتي:
أعلنت الكويت في 6 ابريل الماضي، بدء تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع ميناء مبارك الكبير، ويعتبر هذا المشروع أحد أهم المشاريع الحيوية في خطة التنمية الكويتية المقررة، وهذا المشروع مقام في جزيرة بوبيان الكويتية التي تقع تحت سيادة الكويت ومياهها الإقليمية، واستعرضت الكويت المشروع مع كبار المسؤولين العراقيين حيث تم اطلاع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أثناء زيارته للكويت في فبراير الماضي على هذا المشروع، إضافة إلى اجتماع اللجنة الكويتية ـ العراقية التي تمت فيه مناقشة المشروع وشرحه.
وبعد التصعيد العراقي الإعلامي حول هذه الأزمة، شرعت الكويت على المستوى الرسمي والمستوى الشعبي الرد على الاتهامات العراقية الخاصة بهذا المشروع، فعلى المستوى الرسمي أبدى نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ د.محمد الصباح استغرابه لتحول الموقف العراقي في هذا الشأن كما شدد على عدم قبول الكويت بأسلوب التشكيك في القرارات الدولية وفي الأسس التي تحكم العلاقات بين الدول، وبعد أن طلب العراق رسميا من الكويت وقف العمل في مشروع بناء ميناء مبارك حتى يتم التأكد من أن حقوق العراق في المياه المشتركة لن تتأثر بهذا الميناء، صرح سفيرنا لدى العراق علي المؤمن بأن الكويت ستستمر في تنفيذ المشروع وأنها لن تتراجع عنه كونه يقام على أرض كويتية ويخدم مشاريعها الحيوية مع حرص ومراعاة الكويت على حرية وسلامة مرور السفن المتجهة للموانئ العراقية، مؤكدا أن ميناء مبارك الكبير لن يكون عائقا أمام حركة الملاحة العراقية، إضافة إلى ما سبق فقد أجرى سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد اتصالا هاتفيا مع نظيره نوري المالكي وبحثا العلاقات الثنائية وموضوع ميناء مبارك الكبير والزيارة القريبة للوفد العراقي لبحث هذه المسألة مع تأكيد سموه على ترحيبه بهذا الوفد وضرورة التعاون والتنسيق لحل كل المسائل العالقة بين الجانبين.
ويتضح مما سبق ان الجانب الرسمي الكويتي قد أدار هذه الأزمة بهدوء وحكمة شديدة في ظل أجواء مشحونة داخل العراق، فكانت التصريحات الرسمية حول هذا الشأن صادرة من أكبر المسؤولين الكويتيين المعنيين في هذا الشأن واتسمت تلك التصريحات بالشفافية والوضوح الشديد للجانب العراقي أولا، وللجانب الكويتي ثانيا.
أما على المستوى الشعبي الكويتي، ومنذ انفجار الأزمة الإعلامية وقبل الطلب الرسمي العراقي بوقف تنفيذ المشروع لحين تأكد العراق من عدم إضرار المشروع بالملاحة العراقية، عبر نواب مجلس الأمة الكويتي عن استيائهم للتهديدات العراقية والاعتراض على المشروع، كما تفاعلت المؤسسات الإعلامية كافة مع هذه الأزمة المفتعلة من العراق، وشارك العديد من الكتاب والسياسيين الكويتيين لشرح أبعاد هذه الأزمة وتداعياتها، ونستطيع القول انه لا يهمنا تحليل ما ورد من تصريحات وآراء في هذا الشأن لكن ما أردنا إثباته هنا أن الشارع الكويتي تفاعل بصورة كبيرة مع هذا الموضوع، وهو رد فعل طبيعي للتصريحات المسؤولة وغير المسؤولة التي تأتينا من الجانب العراقي حول هذا الشأن.
ثالثا: المحدد الدولي:
يمكن القول ان المحدد الدولي لا يقل شأنا عن التفاعل العراقي والكويتي حول أزمة ميناء مبارك الكبير بين الكويت والعراق، حيث بادر أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون إلى الدعوة لحل الأزمة ديبلوماسيا بين الطرفين، كما أكد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في بغداد إد ملكرت أن قضية ميناء مبارك الكبير تتعلق بالعلاقات بين العراق والكويت، ومن الطبيعي أن تتم معالجتها ضمن اللجان الثنائية المشكلة من قبل البلدين، كما بحث وزير الخارجية الشيخ د.محمد الصباح مع نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون قضية مشروع ميناء مبارك الكبير في أبوظبي الشهر الماضي على هامش أنشطة الاجتماع الثالث لمجموعة الاتصال حول ليبيا، وحول نفس السياق، تهاجم أطراف عراقية الموقف الأميركي الصامت تجاه قضية ميناء مبارك الكبير، إذ تطالبها بتوضيح موقفها حول هذه الأزمة، وعند النظر إلى محدودية التفاعل الدولي، من الواضح أن الأطراف الدولية تفضل أن يتم حل الأزمة الكويتية ـ العراقية حول ميناء مبارك الكبير بين الطرفين لتأكدها من قدرة الطرفين على حلها.
وعلى المستوى الخليجي أو الإقليمي أو حتى العربي، لم تصدر أي بيانات أو تصريحات حول هذا الشأن، وقد يكون السبب في ذلك أن مشروع ميناء مبارك الكبير شأن كويتي خالص والتخوفات العراقية أيضا شأن عراقي خالص وبالتالي دخول أطراف خليجية أو إقليمية أو عربية لن تفيد الجانبين بشيء فالكويت أبدت استعدادها رسميا لإطلاع الجانب العراقي على كل التفاصيل الفنية التي تضمن سلامة الملاحة العراقية.
السيناريوهات المحتملة لأزمة ميناء مبارك الكبير:
في هذه الأجواء نحاول هنا استطراد السيناريوهات المتداولة حول أزمة ميناء الكبير وتحليلها، ولسنا في مقام صياغة المسالك المحتملة لأننا ندرك ونعلم أن دراسة الأوضاع السياسية وصنع القرارات وتنفيذها في الكويت بأيد حكيمة، فالقيادة الكويتية تميزت على مر السنين وفي مختلف الأزمات بالحكمة والروية والهدوء وهي بعيدة كل البعد عن اختلاق الأزمات وتصعيدها والإضرار بغيرها لكننا نحاول قراءة الواقع ووضع السيناريوهات المحتملة حول هذا الشأن لإضفاء مزيد من التركيز على الوضع المستقبلي لهذه الأزمة.
فالسيناريو المتداول الأول لهذه الأزمة يتمركز حول استمرار الكويت في بناء ميناء مبارك كون الميناء مبنيا على أرض سيادية كويتية مدعومة بقرار من مجلس الأمن، وتستند الكويت قانونيا الى حقها السيادي بهذا المشروع، والتخوفات العراقية إذا تمت إزالتها من خلال زيارة الوفد العراقي للكويت في الأيام المقبلة وتم شرح كل الأبعاد الفنية للمشروع وحين تأكد العراق من خلو المشروع من أي أضرار على الملاحة العراقية، بالتالي لابد أن يغلق ملف هذه الأزمة، وتكمل الكويت ما بدأته من مراحل هذا المشروع، والانتقال من ملف أزمة إلى ملف تعاون شامل يخدم البلدين لما فيه من مصالح اقتصادية تخدم المنطقة جميعها.
أما السيناريو الثاني فهو إلغاء أو تأجيل ميناء مبارك، ويعارض عدد كبير من الكويتيين هذا السيناريو حيث يرون أن عملية إلغاء مشروع الميناء لها من الأضرار السيادية في المقام الأول، ومن الأضرار الاقتصادية في المقام الثاني، مع استبعاد عملية إيقاف المشروع إذ انه ليس ضمن السيناريوهات المقبولة في الكويت لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الشعبي، لكن عملية تأجيل المشروع التي قد تتم عبر تلكؤ العراقيين وممطالتهم في إرسال الوفود ودراسة المشروع واستمرار شن حرب إعلامية من شأنها ان تضر باستقرار المنطقة وتعطل المصلحة بين الجانبين، كما أن التأجيل قد يأتي إذا ما قام العراق بتحويل ملف الأزمة إلى الأمم المتحدة أو اللجوء للمحكمة الدولية للفصل في هذا النزاع، وبناء على أن الكويت لم تخترق أي بنود دولية ولم تخترق أي قوانين دولية في هذا الشأن، وبالتالي فإن الكويت تستند الى قوانين وقرارات دولية تؤكد أحقيتها في الاستمرار في المشروع لكن هذه الإجراءات من شأنها ان تعطل المشروع وهو سيناريو مزعج ويعقد المسائل العالقة بين الجانبين ولا يحلها.
أما السيناريو الثالث والمتمثل في تغيير موقع ميناء مبارك الكبير، فهو سيناريو قد يطالب به العراق كمخرج حين لا يقتنع بالتأكيد الكويتي الرسمي لسلامة الملاحة العراقية بعد زيارة الوفد العراقي لدراسة وبحث الموضوع مع الكويت، وبما أن الكويت قد أبدت رسميا وشعبيا استمرارها في بناء الميناء، وبذلك قد يستغل العراق هذا السيناريو كنوع من أنواع التفاوض واستخدامه كورقة ضغط على الكويت لتقديم تنازلات أخرى لقضايا أخرى عالقة بين البلدين كقضايا الديون العراقية وقضية الخطوط الجوية العراقية وغيرها.
سبل الخروج من هذه الأزمة:
على العراق ان يدرك أن سبل تحسين العلاقة مع الكويت تبدأ بإزالة نظرة الشك والريبة لجارتها الكويت، ولابد للعراق أن يوحد سياسته الخارجية دون أن تكون للتأثيرات الداخلية العراقية أي تغيير في مسار علاقاته مع دول الجوار، ففي تركيز الطرف العراقي على ثوابت العراق الخارجية تجاه جيرانه أثر كبير في تحقيق الاستقرار الداخلي والاستقرار الأمني فيه، فكلما بقي العراق في أزمات متلاحقة خارجية، فإن هذا يؤثر سلبا على أزماته الداخلية، ومن الضروري الإشارة إلى أن عدم صياغة سياسة خارجية واضحة للعراق تجاه جيرانه تأتي من أسباب خارجية وداخلية، وعلى العراق أن يعي أن هذا من شأنه ان يلقي على كاهله عدم تحقيق تطورات حقيقية تفيد العراق سواء على المستوى الديبلوماسي أو الاقتصادي مع بقية جيرانه.
إن محاولة العراق اختلاق أزمات مع الجيران على أساس تصدير الأزمات للخارج، واستخدامها كاستراتيجية ضغط على الجيران لتقديم تسهيلات شكلية ورمزية دون استنادات قانونية ومنطقية من شأنه ان يعقد المسائل أكثر ويخلق جوا من عدم الاستقرار الذي هو ـ العراق ـ في أمس الحاجة له، ونشير هنا إلى تخفيف الحرب الإعلامية، فالتصريحات اللامسؤولة من قبل بعض العراقيين من شأنها أن تحرج العراق أولا وتعطل من مسيرة التصالح وتبادل المصالح مع الجيران.
ويجدر بنا التذكير بأن الكويت بالرغم من إقامة المشروع على أرضها وفي مياهها الإقليمية إلا أنها أبدت استعدادا لتفهم مخاوف الجانب العراقي وترحب بالوفد العراقي الذي سيزور الكويت للتباحث حول المشروع وتقديم المعلومات الفنية اللازمة للعراق التي تضمن سلامة الملاحة العراقية، ونحن في هذه الجزئية لا نؤكد فقط على حرص الكويت على ثوابتها السيادية الخاصة إنما نشير أيضا إلى استعداد الكويت لتحقيق الطمأنينة في قلوب العراقيين والرد على الاتهامات اللامسؤولة التي تشحن الشارع العراقي ضد الكويت ومحاولة استثمار الأزمة لفتح ملفات أخرى لا يحق للعراق فتحها.
لابد أن يدرك العراق أن الثوابت الكويتية والسيادة الكويتية خط أحمر، فإذا كانت هناك تخوفات إزاء هذا المشروع فلابد من تبيانها ومناقشتها عبر قنوات ديبلوماسية، وسترحب الكويت دوما بتوصيل المعلومة الصحيحة لأي جانب ولأي طرف، فالكويت لم تبدأ يوما في اختلاق أزمات ولم تتعد أو تخترق أي قوانين دولية التي هي دوما تلتزم بها، ومازالت سباقة في مبادراتها لتطوير العلاقات الثنائية بين الكويت والعراق لما يخدم الطرفين ويخدم المنطقة، وبالتالي فلابد أن تتقدم العراق بمبادرات مماثلة لأثبات حسن نيتها واستعدادها لتحسين العلاقات مع الكويت، والابتعاد عن كل ما من شأنه إضعاف وتشويه تلك العلاقة ومناهضة سبل المصالحة مع الكويت.
واقرأ ايضاً:
موقع عراقي يهدد الكويت بـ «أغسطس آخر» على خلفية قضية الميناء