Note: English translation is not 100% accurate
العمل الخيري كان ركناً أساسياً في حياته المليئة بالعطاءات
شيخان الفارسي في ذمة الله بعد رحلة مثمرة من العمل الوطني والاقتصادي والخيري
28 يوليو 2013
المصدر : الأنباء




التحق بالمدرسة المباركية وتلقى فيها تعليم القرآن الكريم والحساب
فقدت الكويت امس رجلا من رجالاتها الكبار برحيل شيخان الفارسي عن عمر يناهز 92 عاما بعد حياة حافلة بالعطاءات المشهودة كان خلالها مثالا يحتذى به في العطاء والتفاني في خدمة البلد وأهله دون تمييز بين اي منهم.
كانت حياةالراحل بمنزلة رحلة كفاح مليئة بالعبر والمثابرة والمواقف التي تجسد معنى العزيمة والإصرار على النجاح فقد كان لشيخان الفارسي رحمه الله إسهاماته الكبيرة في دعم الاقتصاد الوطني من خلال مناصبه العديدة التي تولاها والرؤى الاقتصادية التي ساهم في وضعها حيث شغل عضوية مجلس إدارة بنك الائتمان (بنك التسليف والادخار فيما بعد) 1964، وعضوية مجلس التخطيط 1966 ونائب رئيس معهد التخطيط الاقتصادي والاجتماعي 1966، كما شغل عضويه مجلس إدارة شركة أسمنت الكويت 1969 وعضوية مجلس إدارة شركة الخليج للتأمين 1970، وعضوية مجلس إدارة جمعية الدسمة التعاونية 1973، وغيرها من المناصب.
وبهذه المناسبة الأليمة تتقدم «الأنباء» الى آل الفارسي الكرام بأحر التعازي، داعين المولى عز وجل ان يسكنه فسيح جناته ويلهم ذويه الصبر والسلوان (انا لله وانا اليه راجعون).
أياديه البيضاء
العمل الخيري كان ركنا أساسيا في حياة شيخان الفارسي المليئة بالعطاءات والتضحيات والمساهمات في دعم الخدمات الصحية ومنها مركز شيخان الفارسي لعلاج الروماتيزم حيث بلغت نحو مليون دينار للمركز الذي تم افتتاحه وتقديم الخدمات العلاجية فيه منذ 16 يونيو 2001، كذلك مركز شيخان الفارسي وحرمه شريفة العوضي الصحي بمنطقة السرة الذي تبرع به الراحل والذي يتكون من دورين ويشتمل على عيادات للطب العام والطفولة ورعاية الأمومة، ولعلاج السكر وعيادة للأسنان الى جانب عيادة الطفل السليم والصحة الوقائية والمختبر والصيدلية والملفات، ولم تقتصر أياديه البيضاء على الداخل الكويتي فقط بل كانت أعماله الخيرية تطول كل محروم ومنكوب على هذه الأرض ومنها تبرعه بمليون دولار عام 2005 لضحايا اعصار كاترينا وغيرها العديد من التبرعات.
رحلة العمر
رحلة العمر الخاصة بالراحل شيخان الفارسي ننقلها بحسب كتاب «محسنون من بلدي» الصادر عن بيت الزكاة للدكتور عبدالمحسن الخرافي اذ ولدشيخان الفارسي رحمه الله عام 1921 في فريج (حي) الشيوخ في منطقة الوسط قرب قصر السيف، وكان والده أحد علماء الدين الأفاضل بالكويت واسمه «أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسن بن محمود زين الدين بن القلعة».
نزح أجداده من الجزيرة العربية إلى بلاد فارس بحثا عن الرزق الحلال والعيش الكريم في القرن الحادي عشر الهجري.
لقب والد شيخان بالفارسي لأنه عندما أتى الكويت راح الناس يلقبونه بـ «الفارسي» وصارت هذه التسمية لقبا لعائلته وأصبح يعرف باسم «أحمد الفارسي»، وقد كان من الوعاظ المعروفين.
وقد تلقى تعليمه بمصر، وعندما رجع إلى الكويت بدأ يلقي ندواته الدينية بالمساجد، وكان الناس يقبلون عليه وعلى أحاديثه، حتى ان الشيخ سالم المبارك حاكم الكويت آنذاك كلفه بتدريس ابنه الشيخ عبدالله السالم ـ رحمهما الله.
قصته مع التعليم
كانت تسمية «شيخان» غريبة عن الكويت في ذلك الوقت، ويرجع هذا الاسم الى أن والده كان عندما يروي حديثا للرسول صلى الله عليه وسلم يقول رواه الشيخان (البخاري ومسلم)، فرسخ هذا الاسم في ذهنه حتى أطلقه على ابنه الأخير، وقد كان لشيخان أربعة إخوة رجال وست أخوات.
بدأ «شيخان الفارسي» رحمه الله دراسته عام 1932م في مدرسة الشيخ عبدالعزيز حمادة، ومن بعدها التحق بمدرسة السعادة للأيتام التي أسسها شملان بن علي آل سيف وكانت مدرسة «مجانية»، رغم الإنفاق الكبير عليها من قبل مؤسسها المرحوم شملان، حيث كان يستقدم لها أفضل المدرسين من الأزهر الشريف.
بعد ذلك التحق بمدرسة هاشم البدر القناعي التي كانت بداية طريقه لتعلم اللغة الإنجليزية محادثة وكتابة حيث شعر وقتها بأهميتها.
وبعدها التحق شيخان رحمه الله بالمدرسة المباركية عام 1934م، حيث تعلم بها القرآن الكريم والحساب وحساب الغوص والسفر، وقضى بها ثلاثة أعوام، عاصر خلالها وصول أول بعثة مدرسين فلسطينيين عام 1936م، وكانت تضم أربعة أساتذة.
وقد استفاد من هذه البعثة التي قامت بتطوير التعليم وإدخال مواد جديدة، مثل اللغة الإنجليزية والتربية البدنية، وقد أنهى شيخان دراساته بعدما وصل الى الصف السادس (الأول الثانوي)، ولم يكن هناك فصول دراسية أعلى من ذلك وقتها، لأن دائرة المعارف لم يكن لديها الإمكانيات الكافية التي تساعدها في توفير فصول جديدة أو في تعيين مدرسين جدد.
أعباء الحياة
بدأ شيخان رحمه الله حياته العملية منذ أن كان في مرحلة الدراسة، فقد كان يذهب في فصل الصيف إلى البحر ويجمع «فلكة المحار» من الغواصين وينظفها ويبيعها، وكان يكسب من ذلك روبيات قليلة كانت تساعده على مواجهة أعباء الحياة.
بعد انتهاء الدراسة بالمباركية عمل شيخان مدرسا للمرحلة الابتدائية، ولكن لم يمكث بهذه الوظيفة طويلا، حيث انه لم يكن يهوى هذه المهنة بشكل اولي، رغم أنه ظل فيها حتى استطاع الحصول على بعثة دراسية بالخارج، وكانت في البحرين للحصول على شهادة الصناعة.
وقد تم اختيار الراحل لهذه البعثة عندما كان مدير المعارف البحريني في زيارة عمل تباحث فيه مع نظيره بالكويت، ووقتها عرض أمر استقبال بعثة دراسية، وأبدى عدد من الطلاب رغبتهم في الحصول عليها، وبالفعل أجريت مقابلات شخصية ووقع الاختيار على أربعة كان شيخان أحدهم، وكانت البعثة على نفقة الشيخ أحمد الجابر حاكم الكويت آنذاك.
ومكث شيخان سنتين بالبحرين للدراسة بالكلية الصناعية، وحصل على الشهادة الصناعية، بالإضافة إلى إتقانه للغة الإنجليزية، وعاد بعدها إلى الكويت في عام 1942م.
ومن الجدير بالذكر حول مدة هذه البعثة أنشيخان رحمه الله كان صاحب مبادرات وكان له دور كبير في تغيير نوعية ومستوى الطعام الذي كان يقدم في مطاعم الكلية، حيث تقدم بشكوى حول هذا الأمر، حتى تسنى له ولزملائه تعديل الأوضاع إلى الأمثل.
بين العسر واليسر
عاد إلى الكويت وكانت بانتظاره ظروف معيشية صعبة من حيث قلة الدخل.
وبرغم هذه الظروف التي كانت تنتظر شيخان بعد عودته حاملا الشهادة من البحرين إلا أنه لم يستسلم والتحق بالعمل كمدرس بالمدرسة المباركية للمرة الثانية، وكان الراتب وقتها 15 روبية وهو مبلغ لا يكفي بالطبع للإعاشة، وتغلب على ذلك بالعمل بعد ساعات الدوام المدرسي.
قصته مع العمل التجاري
فكر شيخان في ترك العمل بدائرة المعارف والبحث عن وظيفة أخرى، وبالفعل حدث ذلك في عام 1943م، عندما التحق بالعمل لدى شركة هندسية تتبع الجيش الأميركي كانت تعمل في مجال تجميع قطع سفن خشبية ذات مواصفات خاصة، لاستعمالها كجسور على أنهار إيران، وذلك لتتمكن القوات الأميركية من نقل المساعدات إلى الاتحاد السوفييتي عن طريق البر.
كما احتاجت هذه الشركة إلى مترجم لها مع «القلاليف» (النجارين) الكويتيين الذين كانوا يعملون لديها، وحصل الراحل رحمه الله على هذه الوظيفة لانطباق الشروط المطلوبة عليه، وكان يتقاضى آنذاك عنها 60 روبية، وقد كان شيخان يقطع مسافة كبيرة من قرب قصر السيف إلى الشويخ سيرا على الأقدام وتحمل مشاق الطريق من أجل لقمة العيش.
وعندما أنهت الشركة أعمالها بالكويت في عام 1945م، عرض شيخان على المهندسين الأميركيين شراء بعض المخلفات من الشركة، وتم ذلك بالفعل، ثم أعاد بيعها وحقق أرباحا معقولة، وكان هذا أول عمل تجاري يقوم به شيخان الفارسي رحمه الله.
تقدم بعد ذلك بطلب للعمل لدى «دائرة تموين الأطعمة» وتم تعيينه بوظيفة كاتب لتنظيم عملية توزيع الأطعمة على الأهالي في «الفريج» (الحي)، ثم نقل بنفس الوظيفة إلى منطقة «مسجد هلال» التي تقع بالمرقاب.
جدير بالذكر هنا أن «دائرة تموين الأطعمة» كانت الحكومة قد أسستها عام 1941م، لمواجهة الظروف التي صاحبت اندلاع الحرب العالمية الثانية وخاصة فيما يتعلق بالجانب الغذائي، وظلت قائمة حتى عام 1947م حيث انتهى دورها.
مرحلة تأسيس الشركات
لم يستمر شيخان رحمه الله كثيرا في وظيفة التموين، ففي عام 1946م دخل في شراكة مع «سيد حميد بهبهاني» وأقاما شركة مقاولات لتوفير عمال لشركة نفط الكويت، وقد كان هذا العمل موفقا بفضل الله تعالى. وتوسعت الشركة وانضم إليها شركاء جدد، فزاد رأسمالها وكان الربح فيها وفيرا بفضل الله تعالى، ولكن لم يكتب لها الاستمرار طويلا، حيث دب خلاف بين الشركاء حول أسلوب العمل ما أدى في النهاية إلى انتهائها.
انتقل شيخان بعد ذلك لعمل شركة جديدة مع شركة «ويمبي البريطانية»، وقامت الشركة ببناء «البنك البريطاني»، ولم تستمر هذه الشركة أيضا كثيرا.
قام شيخان بعد ذلك بمشاركة محمد حسين الكندري بتأسيس شركة مقاولات ذات طبيعة مختلفة في عام 1947م، وكان دورها ينحصر في تجهيز البواخر بالمواد الغذائية، وكان للشركة أسطول نقل عبارة عن 100 سيارة لوري، كان أغلبها من مخلفات الجيش البريطاني بالعراق، ولكن لم يكتب لهذه الشركة أيضا الاستمرار رغم إمكاناتها الكبيرة، بل إنها تعرضت للإفلاس.
العزيمة سر النجاح
لم يقف شيخان مكتوف اليدين أمام تلك المحنة، بل تقدم للحصول على قرض من أحد الأصدقاء وبضمان مالي من المحسن عبدالله العلي العبدالوهاب المطوع، وكان المبلغ قدره عشرة آلاف روبية.
وقد استطاع شيخان رحمه الله أن يسدد كل ديونه بنصف المبلغ، وشارك بالباقي المرحوم ـ بإذن الله ـ عثمان الجيران، الذي دفع هو الآخر مبلغ خمسة آلاف روبية، وقاما بفتح محل لبيع قطع غيار السيارات، وكان موقعه جزءا من الأرض التي يشغلها مبنى دائرة البلدية.
وقد استمرت هذه الشركة لعدة سنوات، وكتب لها الله عز وجل النجاح والتوفيق، إلى أن شعر كل منهما بالرغبة في أن يعمل بمفرده، وبالفعل تم ذلك وحصل عثمان الجيران على حصته التي بلغت وقتئذ 70 ألف روبية.
واستمر بعدها شيخان في العمل بمفرده وإدارة تجارته بنفسه إلى أن شاء الله وأنهى أحمد ـ الابن الأكبر لشيخان ـ دراسته في هندسة الميكانيكا من جامعة الإسكندرية، ليتولى مهام العمل مع والده وليساعده في إدارة أعماله، وكذلك بقية الأبناء الذين قرروا بعد ذلك أن يستقل كل منهم بالعمل بمفرده ومزاولة تجارة خاصة به.