Note: English translation is not 100% accurate
عمرو موسى: قبل أن نعيد النظر في مبادرة السلام يجب أن نصوغ بدائل
20 يناير 2009
المصدر : الأنباء
دعا الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى امس الى اصلاح ذات البين في العلاقات العربية ـ العربية، مشيرا الى «اننا وصلنا الى مرحلة تهدد بغرق السفينة العربية وقد تعددت ثقوبها».
وفيما يلي نص كلمة أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى في الجلسة الافتتاحية:في هذا البلد الناهض المضياف ـ الكويت ـ تنعقد قمة التنمية، إعمالا لوثيقة التطوير والتحديث التي اصدرتموها في تونس عام 2004، وتنفيذا لقرار قمة الرياض عام 2007 بعقد قمة تخصص للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وتهدف الى تعزيز المصلحة المشتركة بين المجتمعات العربية وتعظيمها وضبطها لتشمل مختلف مجالات الحياة.
وإذا كانت الجامعة العربية وآلياتها المختلفة قد أعدت بكل جدية لهذا الانعقاد، فقد اتبعت فيه أسلوبا عصريا متطورا، فكان القرار ان يقوم الإعداد بالكامل اعتمادا على خبرة مهنية عربية وجدناها متوافرة، وأن يأخذ الإعداد الفترة الزمنية اللازمة دون تعجل أو تسرع، وقد أخذ الإعداد بالفعل عاما كاملا ونيفا، وان يشارك في الإعداد للمؤتمر كل من له إسهام ومصلحة حقيقية في عملية التنمية، ومن ثم شارك في عملية الإعداد الضخمة ممثلو الاتحادات المهنية العربية، وممثلو القطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المعنية، ومختلف منظمات القطاع الخاص، بالإضافة الى مؤسسات العمل الجماعي العربي من المنظمات والمجالس الوزارية المتخصصة في المجالات التنموية كافة، وبالطبع كان دور الحكومات العربية نشطا ورائدا بالمبادرة والمتابعة وتغطية النفقات التي اقتضتها عملية الإعداد المكثفة لهذه القمة.
وكما تعلمون سبق انعقاد القمة انعقاد منتدى فكري اقتصادي اجتماعي، شارك فيه العديد من رجال الأعمال والاقتصاد والتنمية الاجتماعية، وخبراء الاقتصاد السياسي، بالإضافة الى إعلاميين ومسؤولين دوليين كثر أرجو ان يصبح انعقاد هذه المنتديات دوريا، ومن هنا ايضا تأتي الطبيعة الخاصة المتميزة لهذه القمة العتيدة.
وإذا كان لي ان اتوجه بعبارات التقدير فإني أوجهها أولا الى الدولتين اللتين تقدمتا بمبادرة عقد قمة ترسم الطريق نحو مستقبل أفضل للشعوب العربية، وأقصد بهما الكويت وجمهورية مصر العربية، وأوجهها كذلك الى الملوك والرؤساء العرب الذين اهتموا بالمبادرة التي أطلقوها في قمة الرياض وأكدوها في قمة دمشق تقديرا منهم للحاجة اليها للحاق بالعصر ومواكبته، والانتقال الى متطلبات القرن الحادي والعشرين ومواجهة متغيراته، وأتوجه بالتقدير كذلك الى هذا الفريق الكبير من المسؤولين العرب في مختلف نواحي العمل التنموي سواء كانوا مسؤولين أو خبراء حكوميين، أو مفكرين أو من ذوي العمل الحر في التجارة والصناعة والزراعة والاستثمار والمصارف، وكذلك الى خبرائنا في التعليم والصحة والعمالة والبيئة وغيرها، وأوجه التحية ايضا الى الرأي العام العربي الذي احتفى بالمبادرة وتابع باهتمام عملية الإعداد، وهو اليوم ينتظر من هذه القمة قرارات ومشروعات تعيد الى وجهه بعض البسمة وإلى نفسه بعض الارتياح وإلى أفقه بعض الأمل. اقول ذلك في وقت افتقد فيها العالم العربي كله البسمة والراحة والأمل، بعدما عاش مأساة غزة، مأساة العدوان الوحشي على أهلها والذي أوقع آلاف الضحايا والجرحى والمعاقين.
ولقد رأينا اسرائيل تتغول على شعبنا الفلسطيني في غزة تعيث فيه قتلا وتجويعا ودمارا، فكانت صدمة كبرى للضمير القومي، واختبارا صعبا لمدى القدرة العربية، ووضح ان الحال العربي يتطلب اعادة نظر، من منطلق ان الفرقة والانقسام العربي والفلسطيني أدت الى التغول والتكبر الاسرائيلي، وسنرى جميعا ان استمرار حالنا هذا سيؤدي الى المزيد من التراجع في مواقفنا والتصاعد في الاستخفاف بنا.
وعليه أرجو ان يكون واضحا ان علاج المعضلة العربية ـ الاسرائيلية والفلسطينية ـ الاسرائيلية يعتمد على ايجاد موقف عربي صحي موحد في جوهره وفي متابعة تحقيقه، ومن هنا فالأمر يتطلب وبشدة وبسرعة اصلاح ذات البيت في العلاقات العربية ـ العربية فقد وصلنا الى مرحلة تهدد بغرق السفينة العربية وقد تعددت ثقوبها.
اما عن اسرائيل والموقف ازاءها فهو أمر يتصل بمسؤولية الجماعة العربية كلها، الأمر الذي يتطلب حركة عربية رصينة ومناقشة صريحة ومسؤولة، وكذلك يتطلب مقاربة جديدة وهذا كله لا يتأتى الا في جو أقل توترا واضطرابا مما نحن عليه الآن.
ان اقتراحا من هنا أو من هناك قد يستدعي ردود فعل متباينة، وهو أمر لا غبار عليه، سواء ما يتعلق بالعلاقات مع اسرائيل، أو بمبادرة السلام العربية، نعم ان الناس غاضبون هائجون مما فعلته اسرائيل في أهلنا بغزة، ولهم الحق في غضبهم ورفضهم واندهاشهم، ومن ثم فإن اغلاق المكتب التجاري الاسرائيلي في الدوحة واغلاق السفارة الموريتانية في اسرائيل أمر يستحق التقدير، بل يستحق الاشادة، اما فيما يتعلق بالمبادرة العربية فالموقف هنا يتعلق بالسياسة العربية في الاطار الدولي، وبعملنا لكسب التأييد الشامل لمواقفنا وحاجتنا لطرح موقف محدد نلتزم به جميعا، وقبل ان نعيد النظر في المبادرة يجب ان نصوغ خيارات بديلة. هذا اذا أردنا ان نطرح موقفا جديا، ان الأمر لا يحتمل تجميدا أو تعليقا فحسب.
وسأعرض على مقامكم بصفة عاجلة مقترحات محددة لبحثها في الجلسة المغلقة التي ستخصص لغزة والموقف السياسي بشأنها.
السيد الرئيس
السيدات والسادة
أعود الى أعمال مؤتمر القمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وهو الطريق البديل للتوتر والانقسام السياسي وربما المعوض عنه أو الداعم الى عودته الى الطريق السوي، لأعرض امام حضراتكم واذكر اننا ونحن على أعتاب العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، لاتزال تحديات التنمية ومحاربة التخلف أمامنا كبيرة تهدد أمن المجتمعات ومستقبل الأجيال العربية، لايزال يرزح تحت نير الأمية الأبجدية ثلث سكان عالمنا العربي اي ما يزيد على المائة مليون نسمة يعيش معظمهم على أقل من دولارين في اليوم، كما ان نصف العشرين مليون العاطلين عن العمل في العالم العربي هم من الشباب.
اما عن تحديات البيئة، حيث يبلغ حجم المساحة المتصحرة بالوطن العربي أكثر من 70% من اجمالي مساحته، كما انه وبالرغم من كل ثروات الدول العربية فإن 4 دول عربية فقط يقع ترتيبها ضمن الخمسين دولة الأولى على مقياس التنمية البشرية (ومؤشر التنمية يقاس على أساس معايير ثلاثة هي الصحة والتعليم والدخل)، ويأتي ترتيب ست دول عربية اخرى في الخمسين دولة التالية على هذا المقياس، اما الـ 12 دولة العربية الباقية أي نصف الدول العربية فيقع ترتيبها ضمن الــ100 دولة الأخيرة.
ان مواجهة تحديات التخلف والفقر والبطالة لا تقل أهمية وحيوية عن مواجهة تحديات الاحتلال ورفض التدخل الخارجي السلبي في مصائر الأوطان، كلها تؤثر في حاضر ومستقبل العالم العربي وأمنه.
سمو الأمير
أصحاب الفخامة والسمو
ان امام حضراتكم اعلان قمة الكويت وهو يحمل عنوان «الارتقاء بمستوى معيشة المواطن العربي»، ويهدف الى وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق التكامل العربي في اطار الاتفاقيات والمواثيق والاستراتيجيات العربية المعتمدة في مجالات السياسات المالية والنقدية والصناعة والزراعة والطاقة والنقل والأمن المائي والأمن الغذائي، وبالطبع الى ما هنالك من مجالات اخرى مهمة.
اما الوثيقة الثانية فهي «برنامج العمل» الذي يحدد الخطوات التنفيذية للسياسات الواردة في الاعلان مع وضع اطر زمنية لتنفيذها.
وتأتي الوثيقة الثالثة بمجموعة من القرارات التي ستصدر عن القمة، والتي حرصنا على ان تكون قليلة العدد، وذات مردود مباشر ومؤثر في مسيرة التنمية العربية الشاملة لتحسين الحياة اليومية للمواطن العربي واذكر منها أساسا:
مشروع الربط البري والربط بالسكك الحديدية والذي يهدف الى تيسير حركة الانتقال كخطوة أساسية على طريق تحقيق التكامل الاقتصادي العربي. مشروع الربط الكهربائي العربي الذي يهدف الى الانتهاء مما تبقى من مشروعات الربط بهدف الوصول الى انشاء سوق عربية للطاقة الكهربائية.
وقرار ثالث هدفه الانتهاء من استكمال جميع متطلبات اقامة الاتحاد الجمركي العربي تمهيدا للتوصل الى اطلاقه اعتبارا من عام 2015 وذلك كخطوة اساسية على مسار الوصول الى السوق العربية المشتركة.
هذا في المجال الاقتصادي اما في المجال الاجتماعي فهناك عدد من البرامج الهامة المقترحة مثل البرنامج العربي للحد من الفقر في الدول العربية والذي يهدف الى وضع السياسات التي تؤدي الى خفض معدلات الفقر الى النصف تماشيا مع متطلبات وثيقة الالفية، وكذلك البرنامج المتكامل لدعم التشغيل والحد من البطالة في الدول العربية والذي يهدف الى خفض البطالة الى النصف بحلول عام 2020، كما يهدف ايضا الى وضع الاجراءات اللازمة للحكومات لتيسير تنقل الايدي العاملة العربية بين الدول العربية، وفي هذه الاطار هناك ضوابط يتفق عليها وفي هذا الاطار لم نغفل ظروف الدول العربية الاقل نموا وذلك بتنفيذ الاعلان العربي لتحقيق الاهداف التنموية للالفية خلال الفترة 2009 حتى 2015 مع التركيز بشكل رئيسي على تلك الفئة من الدول العربية ذات النمو البطيء، هذا الى جانب تنشيط تنفيذ خطة تطوير التعليم في الوطن العربي التي أقرت في قمم سابقة آخرها قمة دمشق عام 2008 مع مواصلة تحسين خدمات الرعاية الصحية الاولية.
لقد كنا نطمح الى أن تكون هذه القمة محطة انطلاق نحو نظام عربي جديد، نظام حلمنا بأن يكون مبنيا على رؤية مشتركة للمصالح العربية، رؤية مدركة لتحديات التنمية الشاملة التي لا يستقيم مسارها في ظل ما نشهده من تفاوت بالغ الاثر في مستويات الحياة المعيشية والتعليمية والصحية بين مجتمعاتنا وداخل مجتمعاتنا ثم انه لا يمكن ان تتحقق تنمية في ظل تفشي الجهل والامية وغياب بنية اساسية راسخة ومنتجة مع امن قومي يحميها ويدافع عنها، وجميعنا شهد ويشهد على مدى ما انفقته الحكومات العربية من اموال طائلة في العقود الماضية تبدد مردودها بسبب عوامل سلبية من اهمها عدم التقدير الصحيح لما بين بلداننا من مصالح ومصائر للعمل المشترك، وامكانات المكاسب المشتركة، وهذا يتطلب ارساء قواعد راسخة لعلاقات عربية صحية، تحميها القوانين التي تصون الحقوق، وتضمن المسيرة الصحيحة نحو البناء والاعمار وتحقيق العزة لشعوب والعزة للناس في اطار المصالح المشتركة.
لقد سئم المواطن العربي من السياسات المبنية على المشاعر الفئوية والعصبيات الهائجة التي شرعت الابواب امام التدخلات الخارجية حتى تفاقم العجز عن مواجهة التحديات واستعصت حالته، ومأساة فلسطين ومذبحة غزة اسوأ شاهد على هذا، بل انه بالامس غير البعيد كانت الكويت شاهدة، وكذلك كان العراق ولبنان، كما هو الحال في السودان والصومال، وهذا هو ما يتيح لخصوم الامة الفرصة للترويج لصورة مهزوزة للعالم العربي، وللاتهام بعدم النضج، واحيانا باللا مسؤولية، ثم الى ابتذال اللقاءات والبيانات، كما ذكر بيان مغربي دامع باك صدر مؤخرا، نعم ان علينا ان نصارح انفسنا بأن المشكلة تكمن ايضا في الذات العربية نفسها قبل ان تكمن في غيرها. في ظل هذه الظروف غير المواتية، وفي الوقت الذي تسعى فيه جامعة الدول العربية بكل جهد الى الانتقال بالعمل العربي المشترك نحو صيغ جديدة من التعامل والانفتاح، والى الارتقاء بالعمل العربي في مسيرته نحو التطوير والتحديث والاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في هذه الظروف تتعرض الجامعة لهجمة مركزة ربما كان هدفها تحقيق ما طمع فيه الكثيرون من تدمير الكيان العربي الجماعي، وهو ما يجب اليقظة ازاءه، والوقوف صفا واحدا في مواجهته، نحن نعمل على ان تكون جامعة الدول العربية منظمة اقليمية فعالة ومعاصرة، حاضرة على اجندة العمل الدولي كجزء من عمل الامم المتحدة، وان تعمل على معالجة الملفات والمشاكل الاقليمية والدولية ناطقة باسم العرب مدافعة عن قضاياهم ومصالحهم، وفي هذا حرصت، ولا ازال، على النأي بالجامعة بعيدا عن التجاذبات والمشاحنات متدخلا بالعمل الايجابي مع اخذ زمام المبادرة حتى يتوافر الحد الادنى من التضامن والتوافق ووحدة الموقف، نعم كم يؤلمني ان تكون جامعة الدول العربية اول من يتعرض لسهام التجاذبات فتوجه اليها الاتهامات، وتنعت بأوصاف لا تليق برسالتها ولا بالمسؤوليات الملقاة على عاتق القائمين عليها، ولا بمكانة اعضائها.
السيد الرئيس:انني اعلم جيدا ان رأس مسؤولياتي هو حماية هذا البيت العربي من التصدع، بل تطويره وتحديثه، وفي الوقت الذي اعتقدنا ان ثمة نجاحا بدأ يتحقق على هذا الطريق اجد البيت العربي مهددا بالانهيار، مرة اخرى لان العيب يكمن داخل اسرة البيت العربي اكثر من خارجه، اتمنى ان نتمكن وقبل فوات الاوان من استعادة الوعي واستعادة الروح والارادة والعزم، وان نبتعد عن ديبلوماسية التقلصات والقفزات الى المجهول حتى نعطي للاجيال العربية الشابة بعضا من الامل والثقة في مستقبل افضل، يستحقونه، ولهم الحق في ان يحلموا به وعلينا ومن ثم علينا ان نعمل على تحقيقه، وفقنا الله الى ما فيه صالح الانسان العربي، ولنعقلها ثم نتوكل على الله.