Note: English translation is not 100% accurate
«كامبل».. وتاريخنا الحقيقي.. بقلم: هشام إبراهيم
23 يناير 2015
المصدر : الأنباء
لن أكون أكثر إبحارا من أساتذتنا وعظماء رواة التاريخ وجهابذته في موضوع شائك مثل الخلافة الإسلامية المفترى عليها دائما، والحضارة الإسلامية التي أنارت للعالم كله ووسعت كل المبدعين من كل الأجناس، لكنني أحتار كثيرا، وأتساءل: لم كل هذه الحساسية المفرطة والرعب الشديد والاتهامات المفرطة غير المستندة إلى أي دليل بل كلها مزاعم واختلاقات لا سند تاريخيا لها، وذلك عندما يتحدث البعض عن الخلافة الإسلامية وموروثاتها التي أكاد أجزم أنهم لا يعرفون عنها شيئا، كما حالنا جميعا؟ سأروي قصة من هذا التاريخ الناصع البياض غير المعروف لأجيال كثيرة: اتهم بعض الحاقدين العالم والشاعر والموسيقي عباس بن فرناس الإسباني بأنه يروج للخرافات، واستدعي ابن فرناس للمحاكمة في قرطبة – ومعه استدعي أيضا الخليفة آنذاك للشهادة عبدالرحمن بن هشام الأموي، فرد عليهم بقوله: أترون أني لو عجنت الدقيق بالماء فصيرته عجينا، ثم أنضجت العجين خبزا على النار، أأكون قد صنعت سحرا؟ قالوا: لا، بل هذا مما علم الله الإنسان. فقال: وهذا ما أشتغل به في داري، أمزج الشيء بالشيء، وأستعين بالنار على ما أمزج، فيأتي مما أمزج شيء فيه منفعة للمسلمين وأحوالهم. وكان رد الخليفة الأموي: أشهد أنه صنع ما أنبأني به، فلم أجد فيه إلا منفعة للمسلمين، ليبرئ القاضي العالم بشهادة الخليفة ويثني على شخصه وعلمه. ومما يذكر أن الخليفة المأمون كان محبا للعلم والعلماء، فكان إذا ترجم عالم من العلماء كتابا من لغة غير العربية إلى العربية أعطاه وزنه ذهبا، كما أن الخليفة الوليد بن عبد الملك بنى أول مستشفى بالإسلام سنة 706م، في حين كانت أوروبا تعتبر الجذام غضبا من الله يستحق الإنسان عليه العقاب وأصدر الملك فيليب أمرا بإحراق كل من يصاب بذلك المرض سنة 1313م،.. فارق كبير!لقد نهضت الخلافة بشعوبها علما وأدبا وفنا وموسيقى وخلطت أجناسا وديانات مختلفة في بوتقة العلم واستغلال طاقات الجميع فيما يعود بالخير على البشرية كلها، أما نحن فقد ضيعنا أمتنا وأجيالنا بأحاديث لغو لا طائل منها وعمل قليل دونما إخلاص أو خبرة مكتسبة بالعلم والتدرب والتجريب، كما ضيع انتقادنا كل شيء إلا أنفسنا، فتخطتنا كل الأمم وتحكّم فينا البعيد والقريب.الشرنقة التي تصيب البعض عند ذكر كلمة «خلافة» لا سبب لها سوى رفض أن تتحد هذه الشعوب، المتحدة أساسا بصفات قل أو انعدم نظيرها في العالم كله، اللهم الا من خدمة أهداف شيطانية غربية رسمها المخططون السابقون، كما رأينا في مؤتمر كامبل، (1905 إلى 1907) في لندن، لحماية مكاسب دول الاحتلال، وتوصل المجتمعون فيه إلى أن «البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات، والإشكالية في هذا الشريان أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد متوافر له وحدة التاريخ والدين واللسان».. ليس «كامبل» هو المسؤول الأول عما نحن فيه، بل نحن من قصر في حق أنفسنا لنتذيل الأمم بكل شيء.. الحديث ذو شجون.. لكننا نستذكر بعضا من تاريخنا لعلنا نعرف ما وجب علينا أن نبدأ فعله لنعود كما كنا منارة إشعاع للعلم والفن والإبداع في كل ما يخدم هذه البشرية وخدمة بلادنا المعذبة التي تخلفت عن ركب التحضر آلاف السنين الضوئية... لكن الأمل لايزال موجودا.