بادرني محدثي قائلا: ما رأيك في الفن أليس يرقى بالأحاسيس وهو يخاطب العاطفة والوجدان؟ ودور الفنان أليس هو تعليم الشعوب والرقي بفكرها؟
فصمت برهة وتطلعت فيه مليا، فظن أنني أخالفه الرأي وأن صمتي هذا هو صمت أبدي أو هو نتيجة عجز عن الرد فأصابه غضب عارم وراح يمتطي صهوة جداله الجامح ويكيل إلي سيلا من الاتهامات انصبت كلها في بوتقة محاربة الفن والإبداع وبالجملة حز رقبة الفن.
وخرجت عن صمتي هذا طارحا عليه سؤالا كثيرا ما أرقني بل قل كثيرا ما أقض مضجعي، قلت: ما رأيك يا عزيزي هل العلم أقوى تأثيرا في تغيير نمط حياة الأمم والشعوب أم الفن؟! وفي خفة وسرعة من امتلك في يده زمام الحقيقة اليقينية الدامغة قال: طبعا الفن وراح يسوق من الأدلة والحجج ما يظن أنه سيخرسني بل سيعجزني عن الرد نهائيا، مردفا: خذ مثلاً الشعر العربي كان ديوان العرب في كل عصور التاريخ العربي، وكان العرب يعتبرونه مرآة حياتهم التي ينعكس عليها واقعهم، وكذلك الرواية في أوروبا ألم تكن صوت الطبقة الوسطى المعبرة عن آمالها وتطلعاتها؟ ألم تكن السبب في إشعال جذوة الثورات التي شهدتها أوروبا نتيجة استفاقة هذه الطبقة ورفضها للذل والعبودية اللذين شهدتهما عصور الإقطاع المظلمة؟ وراح محدثي يستفيض في شرحه قائلا: وعندنا نحن العرب انظر مثلا إلى روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ وقصص يوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس وغيرهم ألم تكن هي المعبرة والمشكّلة للوعي الفكري للطبقة الوسطى عندنا نحن العرب؟ أليست هي الدافع بل قل المحرك الأساسي لتفجير معظم ثورات العالم العربي التي انتصر فيها أبناء الطبقة الوسطى على الإقطاع؟.
قلت لمحدثي: أنا أقرك في كل ما قلت ولكن ألست ترى أننا بالغنا كثيرا في اهتمامنا بالفن ونحينا العلم جانبا حتى صرنا نسير في ذيل الأمم المتقدمة بعد أن كنا نحن العرب نقود ركب الحضارة، ونحمل مشاعل التقدم والتحضر؟ فعلا وجهه دهشة وامتعاض، ففهمت منهما انه يستنكر كلامي فتجاهلت دهشته وامتعاضه وأكملت: إننا يا عزيزي نبالغ كثيرا في اهتمامنا بل واحتفائنا بحديث الفن والفنانين والكتاب والمؤلفين-أنا طبعا لا أقلل من قيمة هؤلاء في بناء المجتمع والنهوض به- ولكن أين نحن من العلماء أو أين علماؤنا من اهتمامنا بهم؟ إن معظم بل قل جل طلبتنا النابهين الذين هم البذرة أو النواة لعلماء المستقبل يهجرون أوطانهم ويهاجرون إلى الخارج وهناك يلقون رعاية واهتماما من نوع خاص فينبغون في تخصصاتهم ويصيرون علماء كبارا وللأسف عندما يعودون إلى أوطانهم لا يجدون نفس الاهتمام والحفاوة التي يلقاها الفنان والمؤلف فيعودون من حيث أتوا ولا تستفيد أوطانهم من عصارة أفكارهم وخلاصة تجاربهم.
وأردفت محاولا إقناعه: خذ مثلا اليابانيين ألقيت عليهم قنبلة ذرية كانت كفيلة بإزاحتهم من طريق البشرية لمئات بل آلاف السنين ولكن أين هم اليوم؟ إنهم في مصاف الأمم المتحضرة وقد أخذوا من العلم بحظ وافر.
إن الشعوب التي تستمتع بمشاهدة فيلم أو تركن إلى سماع الموسيقى هي تلك الأمم التي أخذت بأسباب العلم واعتمدت التجريب منهجا واهتمت بالأبحاث وأصبحت في رأس هرم المدنية والتحضر.
فقال ممتعضا ومستنكرا: معنى ذلك أن نهجر الفن نهائيا ولا نهتم به؟
فعلت وجهي ابتسامة لهذا الغيور على الفن وقلت إننا يا صديقي بحاجة إلى أن نوازن بين الفن بما يقدمه من تشكيل للوعي الجمعي للمجتمع والأمم وبما يعمل عليه من نهضة هذه الأمم والارتقاء بفكرها وبين العلم بما يقدمه من دعم مادي ومنجزات حضارية ترتقي وتنهض بالمجتمع.
[email protected]