Note: English translation is not 100% accurate
أكدت أن الحروب ليست هدفاً ولا غاية لدولنا بقدر ما هي وسيلة لدحر الظالم وتحقيق الأمن ونصرة المظلوم
خطبة الجمعة: عاصفة الحزم جاءت لتضع النقاط على الحروف وتظهر أن الصمت والحلم لم يكونا لجبن ولا خوف ولا ضعف
2 مايو 2015
المصدر : الأنباء
أسامة أبوالسعود
رغم ثقل الحرب وكراهيتها على النفوس إلا أنها خلفت مصالح عظيمة من أبرزها: اجتماع الكلمة، واستقواء المؤمن بإخوانه، والتفاف الرعية على الراعي، والمحكومين على حكامهم إخواننا من الشعب اليمني قاسوا الأمرين في الفترة الماضية: فعدمت الأقوات، وشحت الأطعمة، وقلت الأدوية، وانقرضت المحروقات، حتى أصبحوا في ضيق شديد، ومخمصة بالغة «عاصفة الحزم» وبعدها «إعادة الأمل» تأست بخلق رغبنا فيه نبينا صلى الله عليه وسلم وهو نصرة المظلوم، وإعانته، والذب عنه، كما أكدت خطبة الجمعة امس ان من أعظم ما وفق له ولاة أمور دول الخليج وإخوانهم قبل مدة قرارهم الشجاع وأمرهم التاريخي ببدء معركة عاصفة الحزم، والتي جاءت لتضع النقاط على الحروف، وتظهر أن الصمت والحلم لم يكونا لجبن ولا خوف ولا ضعف ولا خور، وإنما كانت عندهم الرغبة الصادقة والنية الطيبة لإعطاء الحل السياسي الفرصة الكافية لتجنب رفع السلاح وحصول التقاتل، لكن أبى الظالمون المعتدون والباغون الغاصبون إلا أن تكون الكلمة للسلاح.
وأكدت خطبة الجمعة التي حصلت «الأنباء» على نسخة منها وأعدتها لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة ودروس الإمام بإدارة الاسناد بقطاع المساجد بوزارة الأوقاف وعممتها على مختلف مساجد البلاد امس بعنوان «إعادة الأمل» على انه ورغم ثقل الحرب وكراهيتها على النفوس إلا أنها خلفت مصالح عظيمة من أبرزها: اجتماع الكلمة، واستقواء المؤمن بإخوانه، والتفاف الرعية على الراعي، والمحكومين على حكامهم، وظهرت صور النصرة المختلفة بالسلاح والحرب تارة، وبالمال تارة، وبالنفس تارة، وبالكلمة تارة، وتجلى في هذه الأزمة أن العدو يفرح أشد ما يفرح عند الاختلاف والتنازع والفرقة كي ينال بغيته ويتحصل على مقصودة وفيما يلي نص الخطبة كاملة:
خطبة الجمعة المذاعة والموزعة بتاريخ 12 من رجب 1436هـ، الموافق 1/ 5/ 2015م إعادة الأمل «الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين وهدى للناس أجمعين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه السادة الأكرمين، ومن سار على هديهم وسلك سبيلهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، وامتثلوا أمره بالتقوى، حيث أمركم به في مواضع كثيرة في كتابه، فقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ـ آل عمران: 102.
عباد الله:
فإنه لا يخفى على أحد أن من أعظم ما وفق له ولاة أمور دول الخليج وإخوانهم قبل مدة: قرارهم الشجاع وأمرهم التاريخي ببدء معركة عاصفة الحزم، والتي جاءت لتضع النقاط على الحروف، وتظهر أن الصمت والحلم لم يكن لجبن ولا خوف ولا ضعف ولا خور، وإنما كانت عندهم الرغبة الصادقة والنية الطيبة لإعطاء الحل السياسي الفرصة الكافية لتجنب رفع السلاح وحصول التقاتل، لكن أبى الظالمون المعتدون والباغون الغاصبون إلا أن تكون الكلمة للسلاح، فهبت عاصفة الحزم مستعينة بالله تعالى، فلم يكن لها هدف مصلحي، ولا سياسي سوى حماية المقدسات، ونصرة المظلومين، ودحر الباغين المعتدين، وإعانة من ارتضاه الشعب اليمني حاكما عليه، فالحلم في غير موضعه جبن وخور، وكما قيل:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم
عباد الله:
لقد تجلى صدق القائمين على عاصفة الحزم بأن المقصد والغاية لم يكن سوى الدفاع والذب والنصرة للمظلومين.
فكانت النتيجة أنها لما آتت أكلها وقطفت ثمارها، ودحرت الظالم، ودمرت أغلب أسلحته وترسانته التي كانت قد استخدمها، وسيستخدمها في إحداث أكبر قدر من الدمار والخراب والقتل، استبدلت عاصفة الحزم بإعادة الأمل، وكان وراء قرار الاستبدال مصالح جمة، ومنافع عديدة، من أبرزها: إظهار حسن النوايا بأن الحروب ليست هدفا ولا غاية لدولنا بقدر ما هي وسيلة لدحر الظالم وتحقيق الأمن ونصرة المظلوم.
ومن المصالح التي ظهرت للعلن: إظهار أن السكوت لم يكن يوما عن جبن وضعف، وأنه متى ما ألجئنا إلى الحرب فستكون خيارنا الذي لا محيد عنه، ومن المصالح أيضا: إعطاء الفرصة للمعتدين والباغين ومن يقف وراءهم من المحرضين: أن الشروط التي اتفق عليها ما لم يتقيد بها فإن أمر الحرب سيلجأ إليه لجوء المضطر لأكل الميتة، وكما قال الله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) ـ الأنفال: 61.
عباد الله:
لقد اقتضت الأخوة الإيمانية والرابطة الدينية: مساعدة المنكوبين من إخواننا المسلمين أينما حلت بهم مصيبة، ونزلت عليهم فاجعة، أخذا من قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) ـ الحجرات: 10.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره» ـ رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومن صور نصرة المسلم، وعدم خذلانه: عدم تسليمه لعدوه لينال بغيته منه قتلا وتهجيرا وأسرا وتشريدا، وما عاصفة الحزم إلا صورة من عدم إسلامه لعدوه، ومن صور خذلان المسلم لأعدائه: ترك إعانته سيما عند حصول النوازل وطروء الكوارث.
ولا يخفى على أحد أن إخواننا من الشعب اليمني قد قاسوا الأمرّين في الفترة الماضية: فعدمت الأقوات، وشحت الأطعمة، وقلت الأدوية، وانقرضت المحروقات، حتى أصبحوا في ضيق شديد، ومخمصة بالغة.
وكان هذا أحد مقاصد حملة إعادة الأمل لإعطاء الفرصة لإغاثة هذا الشعب المنكوب أخذا بحقوق الأخوة ووفاء بواجب الدين، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن الذي يبيت شبعانا وجاره جائع» ـ رواه المنذري من حديث عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني. والمسلمون بعضهم لبعض جيران، فعلى من وسع الله عليه، ومنّ عليه بنعمة المال ألا يغفل عن إخوانه المنكوبين، وأن يقدم يد العون والمساعدة لهم، لعله أن يخفف عنهم بعض مصابهم، وأن يفرج عنهم بعض كروبهم.
أيها المؤمنون:
لقد تأست «عاصفة الحزم» وبعدها «إعادة الأمل» بخلق رغبنا فيه نبينا صلى الله عليه وسلم وهو نصرة المظلوم، وإعانته، والذب عنه، جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وإني أنكثه». وهذا الحلف وهو المسمى بحلف الفضول، وكان سببه أن قبائل من قريش تداعت فاجتمعت في دار عبدالله بن جدعان لشرفه وسنه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.
قال ابن كثير رحمه الله: وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، فتأملوا معي كيف مدح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف رغم كونه في الجاهلية لكن لما كان من بنوده ونصوصه: نصرة المظلوم مدحه النبي صلى الله عليه وسلم ترغيبا فيه، وحثا على إعماله والأخذ به، فإذا كانت هذه أخلاق الجاهلية، فلا شك أن من شرفهم الله بالإسلام من باب أولى أن يعملوه وأن يأخذوا به، وقد تجلى هذا أيضا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أ و مظلوما»، قيل: يا رسول الله نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟، قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرتك إياه» ـ رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
إخواني في الله:
لقد أكدنا في كثير من الخطب الماضية والمواعظ الفائتة، على أهمية اجتماع الكلمة وأهمية الالتفاف على ولاة الأمور لما في ذلك من إغاظة الأعداء، وسد مداخل الفرقة، والبعد عن أسباب الضعف والوهن الذي متى ما سيطر علينا انتصر عدونا علينا من غير عدد ولا عدة، فالهزيمة المعنوية أقسى وأصعب وأشد من الهزيمة العسكرية.
وعلينا أن نمتثل وصية نبينا صلى الله عليه وسلم عند حدوث النوازل والفتن: كقوله صلى الله عليه وسلم لمن جاء سائلا فيما يأمره إن أدرك تغير الحال وتبدل الأمور، فقال عليه الصلاة والسلام: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ـ رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. ومما يوصى به الإنسان أيضا: البعد عن القيل والقال، والإرجاف والتخذيل، فالبعض وللأسف الشديد لا تكاد تجد منه كلمة تفاؤل، ولا نفحة أمل، ولا كلمة إنصاف، سيماه التخذيل، وهجيراه الإحباط، ولسانه التخوين، وتغريداته سوء الظن بكل تصرف يقوم به ولي أمره.
والبعض الآخر يصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات وذكر منها: إعجاب كل ذي رأي برأيه» ـ رواه المنذري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وصححه الألباني. فالبعض من إعجابه برأيه، واحتقاره لرأي غيره نصب نفسه خبيرا استراتيجيا، ومحللا سياسيا، وقائدا عسكريا، يستثقل أن يحيل الأمر إلى أهله، ويستنكف أن يقول: ليس هذا من شأني ولا هو من تخصصي، ونسي أن هذا الأمر من أكثر ما يؤثر على دين الإنسان قبل دنياه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لى ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية: الحمد لله تعالى خالق الأرض والسماء، يجزي المحسنين خير الجزاء، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء، الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، خير نبي بعث إلى خير أمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وأشهد ألا إله إلا الله إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وأطيعوا أمر ربكم، حيث أمركم بالتقوى في كتابه، فقال عز من قائل: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ـ البقرة: 102.
عباد الله:
يقول الله تبارك وتعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) ـ البقرة: 216. قد تكره النفوس أشياء فيها لمن تأمل الخير العظيم، والفضل العميم، فما حدث في أزمة اليمن وقرار عاصفة الحزم، وبعده إعادة الأمل، تجلى فيه من المنافع والمصالح الشيء الكثير، فرغم ثقل الحرب وكراهيتها على النفوس إلا أنها خلفت مصالح عظيمة من أبرزها: اجتماع الكلمة، واستقواء المؤمن بإخوانه، والتفاف الرعية على الراعي، والمحكومين على حكامهم، وظهرت صور النصرة المختلفة بالسلاح والحرب تارة، وبالمال تارة، وبالنفس تارة، وبالكلمة تارة، وتجلى في هذه الأزمة أن العدو يفرح أشد ما يفرح عند الاختلاف والتنازع والفرقة كي ينال بغيته ويتحصل على مقصوده.
لكن الحمد لله الذي رد كيده فلم ينله الله خيرا، ولم يأو على شيء مما طمع فيه.
اللهم أتمم لهذا البلد الأمن والأمان، واحفظه من كل شر وخذلان وسائر بلاد المسلمين، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، وانفع بهم البلاد والعباد، اللهم انصر جنودنا البواسل، وأبناءنا الأبطال حماة الأوطان، اللهم سدد رميهم، واردد كيد عدوهم، واجعلهم نصرا وعزا للمظلومين والمكروبين، اللهم أعز بهم الإسلام والمسلمين، وأذل بهم الشرك والمشركين، وانصر بهم عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، والحمد لله رب العالمين.