Note: English translation is not 100% accurate
عبدالله المبارك رمز شامخ وعلامة مضيئة في تاريخ الكويت الحديث
20 نوفمبر 2015
المصدر : الأنباء




رجل لا تخفى بصمته في تاريخ دولة الكويت الحديثة بما أسهم به من انجازات ودور في صنع مفاخر للكويت ولأبنائها، رجل ملأ حياته عملا وجهدا، فأنشأ واشاد وعمر ووصل الليل بالنهار ليضيء درب المعالي لوطنه بالاشتراك مع اخوانه وابنائه واصدقائه سواء من كان منهم في دوائر السلطة او خارجها من المواطنين والمقيمين، وسواء داخل الكويت او في محيطها العربي ومجالها الدولي.
هو الراحل الشيخ عبدالله المبارك الصباح الذي ارادت مشرفة ومؤلفة كتاب «تاريخ عبدالله المبارك في صور» الشيخة د.سعاد الصباح ان تحكي فيه بالصور قصة حياة رجل ومسيرة شعب ودولة عبر هامة كويتية عملاقة لعبت ادوارا حاسمة في تاريخ الكويت وبناء مؤسساتها.
كتاب فاخر جاء في 556 صفحة بدأته د.سعاد الصباح بالاهداء «الى روح زوجي ورفيقي ومعلمي عبدالله المبارك وحتى لا يضيع تاريخ رجل ساهم في بناء دولة الكويت، كان هذا الكتاب وفاء له».
13 فصلا رصدت فيها حياة الراحل الكبير بدءا من ولادته وعطائه مع عائلته الصغيرة مرورا بأنشطته في مجالات التعليم والثقافة والاعلام ومشاركاته في الحياة العامة والسياسية والمجتمع المدني، وصور من حياته العسكرية والامنية ودوره في مجال الطيران، وصولا الى علاقاته مع الرؤساء والمسؤولين في الدول الشقيقة والصديقة والحزن الكبير على الرحيل.
امضت د.سعاد الصباح فترة طويلة من العمل والبحث المضني لتوليف المناسبات وتحديد الاعوام، وتوضيح الصور وشرح المناسبة بتفاصيلها ودقائقها ورجالها.. بهدف توثيق تاريخ الكويت، واعطاء الرجل بعض حقه الذي يوجبه علينا الوفاء والتاريخ. مؤكدة في الكتاب انه مازال في التاريخ زوايا لم تلتقطها الكاميرا، موجهة نصيحة لكل محب للكويت: لا تنسوا تاريخكم.
شمولية التوجه
توضح فصول الكتاب بجلاء كيف كان عبدالله المبارك رائدا من رواد التحديث والتقدم في سائر مجالات الحياة؛ فعلى مستوى الفكر، تمتع الشيخ بشمولية التوجه، فكان يحيط بأي موضوع من كل جوانبه.. نرى ذلك مثلا في بناء الجيش وكيف سعى لاستكمال تطوير القدرات العسكرية للكويت في مختلف جوانبها، ونراه أيضا في فهمه لجوهر الاستقلال الوطني وأنه يتمثل في بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية القادرة على الإنجاز والأداء، وتوفير الكوادر والعناصر البشرية المؤهلة لإدارتها، وترتب على ذلك اهتمامه بالتعليم والبعثات الخارجية.وعلى مستوى التطبيق، تمتع الشيخ بالقدرة على المواءمة بين ما تتطلبه العلاقة مع بريطانيا من توازنات، والسعي في الوقت نفسه لتوسيع دائرة حرية الحركة الخارجية للكويت.
مرونة التكتيك
وأفصحت ممارساته عن درجة عالية من مرونة التكتيك في إطار استمرارية الاستراتيجية والتوجه. وعلى سبيل المثال، نلاحظ ذلك في تطويره لعلاقات الكويت مع الدول العربية، وفي دعمه للجيشين المصري والسوري، وفي علاقته بجمال عبدالناصر وثورة 1952. كما نلاحظه في حرصه على فتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة في وقت مبكر.
وهكذا، فإن الصورة التي ترسمها صفحات الكتاب هي لرجل دولة عمل في ظروف شاقة للغاية، وسعى لبناء مؤسسات الدولة الحديثة، ولتوسيع دائرة الحركة للكويت في وقت كانت لندن تبدو فيه «سيد الخليج غير المنازَع».
سجل الوطن
إن الرجل العام يبقى في سجل الوطن بقدر ما تبقى إنجازاته شاهدة على ما قدم لبلاده، ويبقى في ذاكرة الشعب قدر ارتباط ممارساته بالمبادئ والقيم الاخلاقية.ويقدم الشيخ عبدالله المبارك نموذجا لرجل الدولة الذي التزم بالمبادئ في عمله السياسي، ولم يؤمن قط بأن «الغاية تبرر الوسيلة».
يبقى اسم عبدالله المبارك في ذاكرة الكويت رمزا لمعاني التحديث والتنمية وإدارة عملية التغيير الاجتماعي في ظروف جد صعبة ومرهقة.وإذا كانت إدارة عملية التغيير الاجتماعي من أكثر الأمور صعوبة عموما، وأدت في بعض البلاد إلى حدوث حالة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي، فإن حجم التحدي في الكويت كان أكبر وأعمق.ويبقى اسم عبدالله المبارك في ذاكرة الكويت عنوانا للعمل من أجل الاستقلال، وتوفير ظروفه ومتطلباته، والحفاظ على حقوق وطنه تجاه أطماع الآخرين، فكان سلوكه الشخصي رمزا للاعتداد الوطني بالذات والثقة بالنفس، وكان سلوكه العام سعيا دائبا من أجل تحرير ارادة الكويت واستقلال قرارها الداخلي والخارجي.
ويبقى اسم عبدالله المبارك في ذاكرة الكويت تأكيدا لأهمية الانفتاح على الخارج، والاستفادة من خبراته وعلمه وتقدمه، فقد أدرك الشيخ أهمية العلاقات الخارجية بالنسبة للكويت، وفتح أبواب الاتصال مع العالم من خلال التعليم والاذاعة والطيران.واخيرا، يبقى اسم عبدالله المبارك في ذاكرة الكويت رمزا لشموخ الرجل ولكبرياء السلطة وهيبتها لانه احترم نفسه، واحترم المواقع التي شغلها في حكومة بلاده، وتصرف وهو خارج السلطة بمقتضى هذا المبدأ، لذلك فرض على الاخرين احترامه وتقديره.
ومهما استمرت نهضة الكويت وتقدمها وشموخها، فسوف يبقى اسم عبدالله المبارك احد رموزها الشامخة وعلاماتها المضيئة.
محبة الاخرين
وتابعت د.سعاد الصباح قائلة في الكتاب: ان الذين اتيح لهم ان يلامسوه ويعرفوه عن قرب، شاهدوا كيف كانت الصخرة تتحول الى جدول ماء، والحديد الى خيط حرير، والغضب الى ابتسامة، والعاصفة الى بحيرة صافية.
وتابعت: لقد عشت معه زوجة لأكثر من ثلاثين عاما، فاكتشفت ان جوهر رجولة الرجل تكون بقدرته على محبة الاخرين والعمل على اسعادهم.
وأشهد أن ابا مبارك اعطاني واولادي من الحب والأبوة والحنان ما لا يعطيه سوى البحر الكبير.لقد كان بحرا لا ساحل له من الرقة، وكان جبلا يمطر حنانا، وكان فارسا يتحول اذا ترجل عن حصانه الى حمامة.
كانت الدمعة معلقة دائما باجفانه، وكان اذا مرض ولد من اولاده بكى امام سريره كطفل، وكان اذا سمعنى اقرأ شعري يمتلئ زهوا وكبرياء.
انه لم يقف ابدا ضد طموحاتي العلمية ولا ضد كتابتي ولا ضد ظهوري في المناسبات الثقافية بل كان يحترم عقلي ويثمن خياراتي ويرافقني الى اية مدينة في العالم حتى اواصل تعليمي. وبالرغم من جذوره البدوية ونشأته الصحراوية فقد كان يؤمن بحق المرأة في الحياة والتطور والعلم والثقافة.
وكان دائما يفسح لي مكانا في مجالسه، ويخصص لي مكانا في ديوانيته ويستمع الى آرائي وافكاري بكل احترام وديموقراطية.
واذا كان بعض الرجال يشعر بالحرج او بالخجل او بالغيرة امام المرأة المثقفة او المتعلمة او المتكلمة، فإن ابا مبارك كان يعتز بأي نشاط ثقافي اقوم به وبأي كتاب يصدر لي، وبأي مؤتمر اشارك في اعماله.
ولن انسى فضله ما حييت، فهو الذي شجعني على مواصلة سبيل العمل والفكر والادب، واحاطني بالاحترام في مجلسه، لقد كان سلوكه الحضاري هذا سمة بارزة في تاريخه، وشهادة كبيرة له في مواجهة القانون الذي ولد في خيمته، ثم تجاوزه ولم يكن ذلك مجرد تقدير زوج لزوجة، وانما اراد ان يضرب المثل لما يجب ان تكون عليه علاقة الزوج بالزوج، وبالآفاق الرحبة التي ينبغي على المرأة الكويتية ان ترتادها، لقد قدر الشيخ المرأة قيمة وانسانا وتحولت عنده الى رفيق درب، ووسام حياة يتباهى به ويزهو في شموخ الكبار الواثقين بالذات.
الطليعي الحضاري
وتتابع د.الصباح قائلة مثل هذه المواقف تكشف كم كان عبدالله المبارك طليعيا وحضاريا مع نفسه ومع الاخرين وكم كان ابومبارك يدهشني في رؤيته الجديدة للعالم، وفي نبوءاته المستقبلية انه البدوي العريق الذي ارتدى ثوب الحداثة.
لقد عارك الشيخ الحياة واعتركته، وكم من مواقف صعبة مادية وجسيمة ونفسية تعرض لها فواجهها بشجاعة الرجال واقدام الفرسان دون تردد او وجل او خشية وقد تركت هذه الاحداث بصماتها على جسد الرجل ونفسه وزادته صلابة وقوة.
كان رجلا كبيرا، كبيرا في الحكم واكبر وهو خارجه، ولم يسمح لأحد قط بأن يستدرجه الى مزالق المهاترات وصغائر الأمور.
كانت حياته طويلة ومديدة وثرية بما انجزه من افعال، وعاش دائما مرفوع الرأس، معتزا باسلامه وعروبته وكويتيته.
وبعد هذا هو عبدالله المبارك كما عرفته، وبرحيل هذا الرجل الفريد والفذ رحل عصر من الرجولة والشجاعة والكرم والوفاء والمروءات. عصر لا اتصور انه سيتكرر بسهولة.
ومع ان هذا العصر قد انقضى ورحل فان عبرته تظل معنا والدروس التي نستلهمها من احداثه تظل نبراسا لمستقبل الكويت وهاديا لشبابه ونحن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
قصة حياة عبدالله المبارك هي قصة احد ابناء الكويت الذين نذروا حياتهم من اجل الوطن، وهي سيرة تقدم نموذجا للاعتداد بالذات والانتماء للشعب والوطن.
حب الوطن
وتختتم د.سعاد الصباح كتابها برجاء قائلة: ارجو عندما يطلع شباب الكويت على هذه الصفحات ان يجدوا فيها ما يثير الهمة ويقوي الارادة ويدعم الحماسة والتصميم، فاذا كان عبدالله المبارك وابناء جيله قد سعوا لبناء الكويت في ظروف جد صعبة ونجحوا في ذلك فان على الاجيال الجديدة استكمال البناء ومواصلة العمل.والسبيل الى ذلك يكمن في حب الوطن والانتماء اليه، ويكمن في الثقة في مستقبله ويكمن اخيرا في الاعتقاد برسالة الكويت بوصفها نموذجا سياسيا واجتماعيا جديرا بافتخار ابنائه به واقتداء الاخرين به.