تزخر دولتنا الحبيبة الكويت بتاريخ طويل من التراث والثقافة الإسلامية التي تجذرت في نفوس قاطني المنطقة العربية التي تكون الكويت جزءا أصيلا منها منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، حيث يعود الوجود الحضري في منطقة الكويت، كما تشير بقايا الآثار الحضارية التي تم العثور عليها في المنطقة - ويعود ذلك إلى موقع الكويت الفريد في الطرف الشمالي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، الذي جعلها حلقة وصل برية وبحرية بين أجزاء العالم القديم - ومركز تجمع وتوزيع لحضارات مختلفة - وموقعا استراتيجيا مهما يتحكم في الممر إلى تلك الحضارات والأسواق - فقد كانت كاظمة (وهو أحد الأسماء القديمة للمنطقة) محطة للقوافل القادمة من بلاد فارس وما بين النهرين إلى شرقي الجزيرة وداخلها - وكانت، ولمدة طويلة، الرابط التجاري بين عالم المحيط الهندي وبلاد الشام وأوروبا - فعندها نقطة التقاء أحد أطول طرق التجارة في العالم القديم وأهمها، كما كانت «فيلكا» بما تحتويه من آبار ومياه عذبة محطة للسفن التجارية التي تصل بين المواني الواقعة عند رأس الخليج وبقية الأجزاء الجنوبية منه في طريقها إلى عمان والهند وشرقي أفريقيا.
وقد شهدت الكويت تحت رعاية صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد - حفظه الله ورعاه- خلال العقد الأخير تحولا وتقدما كبيرا في كل مناحي الحياة بها وتردد اسمها بكل الفخر والزهو لأبنائها وللأمتين العربية والإسلامية في العديد من المحافل الدولية، وذلك لمواقفها الثابتة والإنسانية وأياديها البيضاء التي جابت العالم شرقا وغربا لتطول المعوزين والمحتاجين في كل بقاع الأرض، وتم اختيار صاحب السمو الامير قائدا للعمل الإنساني والكويت وطنا للإنسانية، وأخيرا وليس آخرا تم اختيار الكويت «عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2016» من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو).
ويأتي اختيار الكويت عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2016 تتويجا مستحقا لمكانتها الثقافية في العالمين العربي والإسلامي، فقد كان خيار الكويت الاستراتيجي على مر العصور هو الثقافة وتنميتها والسير في دروبها، وعلى أرضها الطيبة وجد العلماء والمفكرون كل صنوف التقدير والدعم، ولقد رفدت الكويت المكتبة العربية والإسلامية بالعديد من المطبوعات والإصدارات الرصينة التي أسهمت في بناء الشخصية العربية والإسلامية بطريقة رفيعة، كما رعت المشاريع الثقافية والدينية الكبرى التي مازالت حتى وقتنا الراهن تقدم خدمات نفيسة للإنسان العربي والمسلم مثل الموسوعة الفقهية، وجائزة الكويت الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده وسلاسل كتب التراث والحضارة الإسلامية وغيرها.
إن أثر الثقافة الإسلامية على كل الثقافات الأخرى من الأمور المسلم بها، لأن المسلمين أحرزوا نجاحات باهرة في مناطق شاسعة من العالم، ولقد أثرت الثقافة الإسلامية على الثقافة الأوروبية في مختلف الميادين، ومنها ميدان العقيدة والدين الذي ظهر في حركات الإصلاح الدينية التي قامت في أوروبا منذ القرن السابع حتى عصر النهضة الحديثة، وأكد كثير من الباحثين أن «لوثر» في حركته الإصلاحية كان متأثرا بما قرأه للفلاسفة العرب والعلماء المسلمين، من آراء في الدين والعقيدة والوحي، وكان هذا التأثير عبر منافذ عدة: عن طريق بلاد الشام، وصقلية، والأندلس وغيرها.
ولقد أسهمت حركة التجار قديما والتي كانت إحدى قنوات الاتصال المهمة في انتشار الإسلام وثقافته في الشرق الأقصى، حيث نقل التجار المسلمون الكثير من مظاهر الثقافة الإسلامية إلى مختلف الشعوب في قارة آسيا وأفريقيا، كما انتشرت الثقافة عبر حركة الترجمة حيث ترجمت أمهات الكتب العربية والإسلامية إلى اللغات الأخرى في مختلف ميادين العلم والفلسفة في القرون الوسطى وعصر النهضة، وبداية العصر الحديث، ولذا ظهر الأثر البارز للثقافة الإسلامية على غيرها.وقد شهد العديد من الباحثين والمفكرين الغربيين على ذلك الأثر القوي الذي أحدثته الثقافة الإسلامية.
واليوم «الكويت عاصمة الثقافة الإسلامية».. هو الحدث الأكثر بروزا وحضورا في كل مرافق الكويت، من خلال المنافسة على المشاركة بأكبر قدر من الفعاليات، تأكيدا لدور الكويت الريادي في ميادين الثقافة، وما تتميز به من إرث تراثي يحكي عن منظومة الكويت في طريق الاحتفاء بكل ما يتعلق بالثقافة الإسلامية أدبا وفنونا وتراثا ومعالم تاريخية وإبداعا معماريا، هذا الاحتفاء الذي ظهر مبكرا من خلال ما قدمته المؤسسات الكويتية المعنية بالإرث الإسلامي، مثل دار الآثار الإسلامية، والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ووزارتي الإعلام والأوقاف والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب التي أتمت استعداداتها بعد عدة اجتماعات بإشراف مباشر من المدير العام د.أحمد الاثري لإقامة عدد من الفعاليات التي تتعلق بالمناسبة وتحظى باهتمام بالغ من الإدارة العليا للهيئة وبمشاركة أعضاء هيئتي التدريس والتدريب وكليات ومعاهد الهيئة المختلفة.
وهكذا يتنافس الجميع على أرض الكويت من أجل المساهمة والمشاركة في هذا الحدث الكويتي التاريخي.. عبر كل وزارات ومؤسسات وهيئات الدولة، والمؤسسات الأهلية وجمعيات النفع العام، فقد احتشدت كل الطاقات والإمكانات من أجل الاحتفالية، على سبيل تجسيد روح الكويت الحقيقية، بإرثها الثقافي الإسلامي الضارب بجذوره في التاريخ، وتقديم الصورة الحقيقية للحضارة الإسلامية ذات المنزع الإنساني إلى العالم أجمع من خلال إبراز المضامين الثقافية والقيم الإنسانية لهذه الحضارة، وتتضمن احتفالية «الكويت عاصمة الثقافة الإسلامية 2016» برنامجا ثقافيا حافلا يستمر على مدى عام كامل وتسعى الاحتفالية إلى إبراز دور الكويت الثقافي ومنجزاتها في كل روافد الثقافة العربية والإسلامية من نشر وتوثيق وتحقيق لكنوز التراث الإسلامي ودور مؤسسات الدولة المختلفة في إبراز الوجه الحضاري للثقافة الإسلامية بجوانبها الإنسانية التي تكرس قيم المحبة والسلام وقبول الآخر والانطلاق نحو آفاق رحبة في حوار مفتوح مع الحضارات والثقافات الأخرى.
[email protected]