- الخطاب الثقافي سيبقى نخبوياً ما لم نمتلك الجرأة على طرح قضايا حرية التعبير وأدلجة التعليم وغسل الأدمغة وزيف الإعلام وحقوق المرأة والأقليات
- المكتبة تنمو وتتسع بتعدد الأصوات التي تحتويها
- السنعوسي: العام الأول لمكتبة تكوين كان حافلاً بالأنشطة والأمسيات التي أثرت الحركة الثقافية في الكويت
آلاء خليفة
أكدت الروائية الكويتية ومديرة مكتبة تكوين بثينة العيسى أنه ليس لغزا أن المكتبات كانت تحرق وتحارب على مر العصور، إذ يصعب استيعاب هذا التعدد الصوتي الذي تضمنه لنا المكتبة ورغم أن العالم يجنح في كل يوم إلى الشكل الواحد والرأي الواحد فإن المكتبة تنمو وتتسع بتعدد الأصوات التي تحتويها.
جاء ذلك خلال الأمسية التي نظمتها المكتبة بمقرها في مجمع «لايف سنتر» مساء أول من امس للاحتفال بمرور سنة على تأسيس مكتبة تكوين في احتفالية حملت عنوان «سنة.. أولى.. مكتبة» بحضور عدد من الشخصيات العامة والكتاب والقراء والمهتمين، إضافة إلى الكاتب والروائي الكويتي سعود السنعوسي.
وتساءلت بثينة العيسى: ما الذي تملكه الإنسانية من أدوات الحضارة ولم يدجن بعد؟ قائلة: يخيل إلي أحيانا أن هذا العالم يدفعنا لكي نكون مستهلكين، تبدو حياتنا مثل سلسلة من محاولات التكيف مع الأشكال، أشكال تخبرنا كل يوم ما السعادة وما الحب وما الوطن وما الفضيلة، معلبات أجوبة مرصوصة على الأرفف مجانية وجاهزة في انتظار أن تستخدمها في اللحظة التي تمد فيها يدك تجاه جواب ما تتوهم انك تفكر وبفضل هذا الوهم تتوهم انك حر.
وتابعت العيسى قائلة: إلى أي حد يعول النظام على أوهامنا؟ وما الذي تمثله المكتبة في عالم مثل هذا؟ موضحة أن النظام العالمي يبدو مهووسا بتحويلنا الى تكرارات أبدية، فإن المكتبة ببساطة تفند هذه الفكرة واقعيا عندما نضع على الرف كتابا الى جانب كتاب ويصبح الاختلاف ممكنا ومستوجبا.
وذكرت أن أورهان باموق يقول «قرأت كتابا ذات يوم وتغيرت حياتي كليا»، مضيفة: أنا ايضا مثله قرأت كتابات ثم أصبحت شخصا آخر وبت اعتقد ان الجزء الأهم من وجود المكتبة هو هذا، ان تكون في المكان الذي يمكن أن تتغير في حياتك إلى الأبد، حق الفرد في الولادة الجديدة، في الفرصة الثانية، في النمو والتجاوز، هذا هو ما توفره المكتبة لزائرها في كل يوم وفي كل لحظة.
وقالت العيسى: قبل سنة كنت أقف أمامكم أيضا وأتساءل ما معنى ان تولد في العالم مكتبة؟ وكيف يمكن للمكتبة ان تكون مكان كل الامكنة ومصب كل الازمنة، كيف يمكن للمكتبة ان تكون المتاهة والوصول، المرأة والآخر، الصوت والصمت، ما الذي يعنيه ان نكون هنا، في هذه المصفوفة المؤلفة من ملايين العوالم المتوازية، نحتفل بكل ما نعرف وما لا نعرف.
واستطردت بقولها: في تلك الأيام بدت المكتبة مثل شيء منفصل عن الواقع، يوتوبيا أرضية، بلاد عجائب أو جزيرة كنز، كانت المكان الذي يوجد خارج المكان الذي نحقق فيه انفصالنا عن عالم يحولنا كل يوم الى مستهلِكين ومستهلَكين، في تلك الأيام كنا نرى المكتبة بشكل مجرد كانت المكتبة مجرد فكرة واليوم وبعد مرور سنة صارت المكتبة واقعا وصرنا نراها بشكل أوضح مثل مشروع مقاومة يتصدى لفاشية التشابه وتسطيح الحقائق وأشياء كثيرة تغيرت خلال سنة واحدة.
وذكرت العيسى انه قبل سنة كنا نعتقد ان وظيفة المكتبة هي توفير الكتب للقارئ والآن نحن نؤمن بأن دور المكتبة هو صناعة القارئ، لافتة إلى أن للقارئ طبيعة مطاردي الكنوز وسيصل القارئ إلى الكتاب الذي يريده حتى إن كان نصا محرما أو رواية ممنوعة أو مخطوطة نادرة، مشيرة إلى أنه ليست هناك بطولة حقيقية في توفير الكتاب للقارئ فالبطولة هي في صناعة القارئ ذاته، أن نقنع إنسانا لا يقرأ بضرورة أن يقرأ.
وأضافت: قبل سنة كان هناك خط رفيع يفصل بين العمل الثقافي والعمل المجتمعي، أما الآن فقد أصبح من الصعب أن نفصل بين الاثنين، فقد بدا لنا طوال السنة الماضية أن الخطاب الثقافي سيبقى دائما خطابا نخبويا وترفيا ما لم نمتلك الجرأة على طرح قضايا حرية التعبير وأدلجة التعليم وغسيل الأدمغة وزيف الإعلام ومحاربة العقل وحقوق المرأة والأقليات ومفهوم الأخلاق وغيرها من القضايا التي لسبب نجهله يندر تناولها في التجمعات الثقافية وأندية القراءة.
وتابعت: وخلال السنة الماضية قررنا أن نصمم برنامجنا الثقافي دائما على مقاس الخوف الذي نحمله وان تكون المكتبة هي المكان الذي نشير فيه إلى الجرح لأننا لا نفهم معنى العمل الثقافي ان لم يستهدف البيت والشارع والمدرسة والجامع، موضحة أن رؤى كثيرة قد تغيرت أو نضجت خلال سنة واحدة ولكن أمرا واحدا لم يتغير حتى الآن وهو إصرارنا على استقلالية العمل الثقافي ماديا وإعلاميا لأن أسوأ ما يمكن أن يلحق بالعمل الثقافي هو ان يفقد صوته وحقه في النقد والمساءلة.
وختمت العيسى قائلة: أتمت مكتبة تكوين عامها الأول، وخلال هذا العام بدونا دائما وكأننا نطارد هذه الفكرة التي تكبر بشكل اسرع من قدرتنا على المواكبة وكانت المكتبة كائنا حيا يتمتع بوعيه الخاص المستقل عن وعي القائمين على إدارته، كائن يقرر ان يكبر في طريق لم نخطط له ولم نحسب حسابه، رسم ملامحه ذاتيا وقرر ان يتحول إلى منصة للأفكار ومختبر دائم للكتابة ومشروع للتعليم البديل ومصنعا للأسئلة ولم نحسب حساب شيء من ذلك، ففي بداية الأمر ما أراده كل واحد منا حقيقة هو ان يحقق حلم طفولته ليصير بائع كتب ومن تخيل ان المغامرة ستكون مجنونة هكذا؟ المكتبة، وحدها المكتبة كانت تعرف.
من جانبه، اعرب الكاتب والروائي الكويتي سعود السنعوسي عن سعادته في المشاركة بالاحتفالية المهمة والخاصة بمرور عام على تأسيس مكتبة تكوين مهنئا جميع القائمين على المكتبة.
وأشاد السنعوسي بكل الأنشطة التي نظمتها مكتبة تكوين على مدار العام من لقاءات اسبوعية ونشاط اسبوعي للاطفال، وايضا تنظيم الامسيات والندوات وورش العمل، مؤكدا انها كانت سنة حافلة جدا في الفعاليات التي اثرت حقيقة المشهد الثقافي في الكويت.
ولفت السنعوسي الى ان مكتبة تكوين تعد اضافة قيمة لجميع القراء والكتاب والروائيين والمهتمين، موضحا ان مكتبة تكوين استطاعت خلال عام واحد فقط ان تثبت وجودها وان يكون لها مكان في المحافل الثقافية خلال فترة قصيرة جدا.
وتحدث عن بداياته الاولى مع الكتابة وكيف تعلق قلبه بالكتابة والقراءة طيلة تلك السنوات ومشواره مع الكتابة من خلال الشهادة التي قدمها امام الجمهور بعنوان «ابن الزرزور» وهي شهادة روائية بلسان الجدة.
وكشف السنعوسي انه يعكف حاليا على انهاء عمل جديد له والذي اصبح في فصوله الاخيرة وسيظهر الى النور خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
من ناحيته، قال محمد يوسف من فريق «تكوين» ان جميع افراد الفريق كان لديهم طموح يدعوهم دوما للعطاء والبذل من اجل تحقيق الحلم والوصول الى الهدف، لافتا الى ان الاحلام تبعث في نفوس اصحابها شعلة مضيئة تنير لهم دروب النجاح.
واشار يوسف الى انه خلال سنة كاملة كانت مكتبة تكوين بيتا للجميع، لمن يشاطرهم الاحلام والجمال والكلمات وملاذا عن كل ذلك البؤس الموجود في العالم وحصنا نواجه به رتابة الايام وتشابهها.
متابعا: وعلى هذه الارض ما يستحق الحياة، ومنذ استيقاظ اللحظة الاولى ونحن نخلق المعنى في قلب كل شيء في شخص الخشب وفي حواف الرفوف وفي المكان الذي بات بلادا تسكننا، موضحا ان على هذه الارض كانت البدايات.