بعض الرجال إذا كتبت أو تحدثت عنهم تشعر بأن حديثك لا يتكرر حتى لو كان مكررا، فالذاكرة تجدد نفسها معهم، والمشاهد تتغير، لكنها تظل في موضعها، زمانا ومكانا، فلا يبرح أي منهما.
كل مشهد في حياتهم أينما تأتيه تجده على حاله ولكن يوحي إليك بمزيد من الأفكار والآراء كأنه يتمدد ليسع مفردات اللغة وحقائق التاريخ.
كتبت عن سمو الشيخ نواف الأحمد مرات عديدة منذ تشرفي باستقبال سموه الكريم لي في وزارة الدفاع الكويتية عام 1988 حتى هذه اللحظة حيث نحتفل بعيد ميلاد سموه، أطال الله عمره.
وفي كل مرة تترابط الأحداث من جديد، وتتشابك الذكريات، وتقفز إلى الذهن مشاهد كانت قد غابت مع عاصفة الصحراء، فإذا هي تعود مع ولاية العهد العام 2006، ثم تختفي مرة أخرى لتعود مع عيد ميلاد سموه الذي رافقه عيد الفطر لتتضاعف فرحة الكويتيين.
إذا أردت أن تعرف معدن رجل فاقترب من أحلامه، وادلف بينها، وتسلل خلفها، ثم ابحث عن الوطن فيها، فإذا رأيته فأنت تقف فوق جذور أنبتت بشرا ثم مدت في العمق.
الفرسان لا تعرفهم بشجاعتهم فقط، إنما بتواضعهم الجم وتلك نعمة أنعم الله بها على سمو ولي العهد، فهو لا يسرب إلى صدرك الخوف منه، ولكن يلقي في قلبك الاطمئنان أمامه. وأتذكر حادثتين كان لهما في نفسي وقع كبير:
المرة الأولى عندما كان سموه وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل، وكان لي دلال في الحديث لا يمس ذرة واحدة من هيبة سموه، لكن يتحرك هذا الدلال في دائرة المحبة الخالصة.
بعد السلام الدافئ، كالعادة، قلت متهورا، كالعادة أيضا: قبل الحديث أريد أن أعرف سبب عدم استقدام زوجات وأبناء خطباء المساجد الوافدين معهم، فكيف تتوقع الكويت أن يقف الخطيب، ويتحدث إلى المصلين وذهنه منشغل بعائلته في بلده؟ كانت ابتسامته كافية لأستوعب قرارا لم يصدره بعد.
في كل مرة أزور الكويت وأصلي خلف الخطيب الذي سمعت شكواه، يأتي بعد الصلاة، ويشكرني، ويدعو الله أن يحفظ سمو الشيخ نواف الأحمد الذي كان قد أصدر أمرا بأن يستقدم الخطيب زوجته وأولاده معه في الكويت.
المرة الثانية كانت علامات الغضب بادية على وجهه الكريم. كنت في مكتبه، فهو نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، وأنا أملك الدلال الذي يعرف أنه حالة من المحبة الشديدة والنقية، للكويت ولسموه.
قلت: إنني وصلت إلى الكويت في السابعة من صباح الأمس قادما من لندن، وأن مكتب استقبال القادمين وختم التأشيرة فتح بعد ربع ساعة من موظفة متكاسلة، فسمعت تبرما من بريطانيين عن التأخير والكسل.
انتظر سموه مني أن أفضفض من دون خوف أو تردد.
قلت: لابد أن الركاب البريطانيين كانوا يهمسون: أين هو وزير الداخلية ليرى بنفسه؟ خشيت أن أكون قد تجاوزت حدود الضيافة، وقد فعلتها مرات كثيرة لقناعاتي بأن الكويت وطني الثاني والصمت على الخطأ خيانة من وراء ظهر المضيف.
قال لي دون أن يخفي علامات الغضب: عندما تأتينا في العام المقبل بإذن الله ستجد أن الاستقبال في مطار الكويت الدولي حالة جديدة ومتحضرة وسريعة، ولن تخجل مرة أخرى.
وفعلا كان التغيير عظيما في العام التالي، فالرجال يعرفون بوعودهم.
في وزارة الدفاع أفصح لي سموه عن حلم الجيش الصغير القوي متمثلا بالجيش السويسري، لكن جحافل الأقدام الهمجية غدرت بالكويت من الشمال، وكان آخر من ترك الموقع بعد الاطمئنان على ضباطه وجنوده، وكان بينه وبين الشهادة دقائق معدودة، وسربت وسائل الإعلام العراقية آنئذ خبر إصابة وزير الدفاع الكويتي لإثارة بلبلة بين جنوده فنشرت صحيفة «الحياة» الخبر كأنه واقع مؤكد.
ولولا إلحاح سمو الشيخ سعد العبدالله ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حينئذ، رحمه الله، على أن يغادر الوزارة، ويبدأ المقاومة من الحدود السعودية لما تحرك من موقعه.
في الصحراء السعودية كان يدرب جيشه الصغير، ويبث الأمل بقرب العودة إلى الكويت المحررة، وتلقيت من سموه رسالة أمل بالفاكس من الطائف.
لا يشمت في موت أحد ولو كان عدوه، وأتذكر أنني كنت أنتظر اللقاء خارج مكتب سموه بالديوان.
وشاهدت في أخبار التلفزيون خبر إعدام برزان التكريتي. دخلت على سموه الذي كان قد سمع الخبر لتوه.
قلت سبحان الله، فأنا، في وقت صدور الحكم بالإعدام على رجل أقسم أن يقوم بتصفيتي لأنني على حد قوله: أدعم شيوخ الكويت.
لم يقل سموه كلمة واحدة تنم عن شماتة أو فرحة أو انتقام، فالكويت عادت حرة، فكيف بعد فرح الحرية يكون هناك سرور آخر؟
لم يسع لمنصب قط، وكل المناصب متساوية لدى سموه، وكان يقول: منصبي حيث يأمر صاحب السمو.
كان لأمير القلوب صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، مكانة خاصة في قلبه، انعكست على دموع عينيه في الوداع الأخير.
وأحب الشيخ سعود ناصر الصباح لوفائه وصراحته، فأفصحت دموع العين عن مكانة الراحل، رحمه الله.
لو كان أعضاء مجلس الأمة كلهم يوم الموافقة على تولي سموه ولاية العهد مرضى، لما تأخر أي منهم عن الحضور للتصويت وأخذ معه طبيبه وفراشه، فلا يختلف اثنان على محبته، بل لا يختلف كويتي ووافد على مشاعر الولاء لسمو الشيخ نواف الأحمد.
الحياة الخاصة لسموه يخرج منها القليل ليبهج الفضوليين، وأنا في مقدمتهم، وسمعت كثيرا من سموه عن الهوايات ووقت الفراغ غير الموجود أصلا، الديموقراطية في البيت شريطة أن يظل رأي رب البيت في دائرة الاحترام والتوقير.
لا يحب أن يسرق الموبايل والآيفون دقيقة واحدة من وقت تجمع الأسرة والأولاد والأحفاد، فالتجمع العائلي حالة سلام وروحانية وملاحظات تربوية وتوجيهات ملزمة.
ظل دائما يؤكد لي بدفء كأنه الوفاء مجسدا: تأكد أن لك في الكويت أخا، وكانت تلك جواز مروري إلى قلوب الكويتيين قبل قلمي.
بعد التحرير ازدادت الرابطة عمقا، فقد عرف سموه أنني كنت صوت الكويت في الشمال، وعضوا في الوفد الشعبي الكويتي رغم أنني أحمل الجنسية النرويجية، وحملت قضية المختطفين كأن لي ابنا بينهم، وأن ما أتشرف به هو أنني كنت الصحافي الوحيد الذي طالب، داخل بغداد، بحدود كويتية آمنة مما أغضب القيادة العراقية.
ولسموه مساحة محددة يتحرك فيها إذا غضب، فلا يتخطاها، وتلك هي عبقرية التحكم في النفس والمشاعر والعواطف حتى يأتي خط الرجعة.
وقد غضب مني سموه مرة واحدة امتدت لعامين، لكن إشارات المحبة لم تخفت أو تنقطع، حتى جاءني هاتف من الديوان ينعش القلب والفؤاد معا: ننتظرك في بلدك الثاني الكويت، فعرفت لحظتئذ أن آخر ذرة عتاب غادرت سموه إلى غير رجعة، إن شاء الله.
عاشق للبحر، ويصطاد السمك ليأكله ضيوفه، وطاه ماهر، ومتابع جيد، وقارئ نهم، وعلاقة سموه بالسماء لا يعرفها إلا الكتاب الكريم وسجادة الصلاة.
لا يتبرم أو يرفض قوانين الطبيعة في الكويت، فالحر يتساوى مع البرد، والشمس ليست أفضل من الغيوم، والرياح تعادل السكون، والطبيعة نعمة من الله.
الكويت عشقه الأول والأخير، يشتاق إليها قبل السفر، ويرتمي في أحضانها بعد العودة، ولا يهتز لكل صور الجمال الطبيعي في الدنيا كلها أكثر مما يفعل مع الكويت.
إذا اصطحب سموه وفدا في زيارة عمل فالأمر الطبيعي أن كل واحد يمني النفس برحلة داخلية أو نزهة أو تبضع أو استرخاء تسوقي إلا سمو الشيخ نواف الأحمد، فإذا انتهت المهمة بدأ الشوق للكويت، فيطلب الإعداد للعودة حتى لو كانت الحرارة في الديرة قيظا، والرياح لهيبا.
يتابع كل كلمة يلقيها قبلها بوقت يسمح بالتصحيح، ويختار المفردات أو يحذف ما يراه غير ضروري.
المتكلم الفصيح هو المستمع الجيد، وهي أهم خصال سمو ولي العهد الأمين.
ينتظرك حتى تنتهي، ولا يقاطعك خشية أن تكون الجملة الأخيرة هي سبب الزيارة.
وفي شديد الوفاء لأصدقاء الطفولة والشباب، ولا يقطع رابطة ماضوية مطلقا.
يحب الشعر الشعبي، ويتناغم مع الالقاء الجيد، ويبتسم، ويترك لنفسه حرية الضحك لقصيدة أو نكتة أو مزحة.
قوي الملاحظة، وأتذكر أن سموه سألني: لماذا تضع الخاتم في خنصر اليد اليمنى؟ قلت لسموه: لأنني متزوج على الطريقة النرويجية، فابتسم لي ابتسامته الساحرة التي ظلت تدفئ زيارتي المتكررة للكويت.
عيد ميلاد سعيد، سمو ولي العهد الأمين الشيخ نواف الأحمد، وجعل الله كل أيامكم بركة وخيرا وسلاما وكويتا وصباحا وديرة، رعاكم الله.