«البيوت أسرار» ..ولا يحق لأحد أن يدخل بيتا
دون استئذان لكن إذا فتح البيت بابه وقلبه
لأخيه الإنسان فقد يجد في ذلك راحة وتفهما
للتواصل
[email protected]
إعداد: محمود صلاح
سفاح الإسكندرية
سألوا كاتبا كبيرا من أين تأتي بأفكار رواياتك؟ فرد باختصار واف: من صفحة الحوادث.والكاتب صادق في إجابته، لكن الأمر ولا شك لا يطلق في عمومه، غير أنه أراد ان يشير الى ان الواقع على الارض أكبر ملهم لعقل الكاتب وإبداعاته.وهناك روايات كثيرة تحولت الى افلام سينمائية ترجمت حوادث بعينها وقعت.. نذكر مثلا فيلم «المرأة والساطور» وهو عن أول امرأة في مصر تقتل زوجها وتقطعه و«تعبيه» في أكياس،، وهناك ايضا رواية استاذ الصحافة الأهم جلال الدين الحمامصي «احنا بتوع الاتوبيس» عن واقعة حقيقية التقطها المخرج حسين كمال وقدمها في فيلم بنفس الاسم ويعتبر من روائع السينما المصرية. وعلى نفس النهج ايضا، التقط الاديب الكبير نجيب محفوظ قصة روايته الأشهر «اللص والكلاب» عن قصة واقعية هزت أرجاء مصر وقتها، حيث صحت الاسكندرية على خبر سفاح ارتكب 4 جرائم في يومين، وسرق النوم من عيون أهلها رهبا ورعبا، فالتقط محفوظ الخيط - فقط الخيط - لينسج لنا رائعته ذات الالف معنى «اللص والكلاب» التي كان بطلها سعيد مهران في الرواية، اما في الحقيقة فكان اسمه محمود أمين سليمان. وعنه نشر الكاتب الصحافي المبدع محمود صلاح - من خلال معايشته الكاملة للحدث وأيضا من خلال محاضر الشرطة - قصته بعنوان «سفاح مصر».. وتنشرها «الأنباء» على فصول متتابعة.
الفصل الأول الرجل الذي سرق فيلا أم كلثوم( ١ - ٢ )
القاهرة: ربيع عام 1960
صباح يوم 3 مارس صدرت جريدة «الأخبار» وهى تحمل مانشيتا رئيسيا عن الزلزال الذي وقع في مدينة اغادير بالمغرب، يقول «مدينة الموت».
وعلى صدر الصفحة الأولى نفسها كان هناك خبر مثير يقول عنوانه «سارق فيلا أم كلثوم تحول فجأة الى سفاح»!
أما الخبر نفسه فقد كان يقول: إن اللص الذي سرق فيلا أم كلثوم وأمير الشعراء أحمد شوقي، انقلب إلى سفاح وارتكب 4 حوادث شروع في قتل خلال 48 ساعة، هرب المتهم بعد هذه الحوادث وعاد إلى الاسكندرية، واتصل هناك تليفونيا بمكتب المحامي بدرالدين أيوب. وقال انه لابد أن يقتله حتى لو كان داخل المحافظة، وعلمت «الأخبار» أن سبب مطاردته للمحامي اعتقاده بوجود صلة بين زوجته والمحامي!
وسجلت «الأخبار» في نفس العدد تفاصيل القصة الخبرية المثيرة، فقالت: إن السفاح أطلق الرصاص على مهندس في الاسكندرية، ثم سافر الى القاهرة ليطلق الرصاص على طباخ وسائق وبواب، والحوادث الثلاث لم
وقالت «الأخبار»: ان السفاح اسمه محمود أمين سليمان وعمره 34 سنة، قصير القامة نحيف الجسم لونه قمحي، في أسفل خده الأيسر علامة سوداء بها شعر غزير.
وكان رجال المباحث قد قبضوا عليه قبل شهور لأنه كان يتزعم عصابة لسرقة منازل المشاهير، فقد سرق فيلا أم كلثوم قبل أربع سنوات، وقام بالسطو على بيت أمير الشعراء أحمد شوقي واقتحم فيلا المليونير سباهي.
وقد اعترف محمود أمين سليمان بجرائمه عند القبض عليه، وأرشد عن مكان المسروقات، كما عثر رجال المباحث على بعض المسروقات معه، وتم إيداعه السجن تمهيدا لتقديمه للمحاكمة، لكنه تمكن من الهرب وظل مختفيا، وصدر الحكم ضده غيابيا بالسجن 6 سنوات.
ولكن السفاح بدأ يزاول نشاطه في نفس يوم محاكمته، واتخذ من الاسكندرية مسرحا لأولى جرائمه، فقد ذهب الى بيت المهندس محمود سالم في كرموز، وكانت بينهما خلافات بسبب تنافسهما على صداقة امرأة!
طرق السفاح باب المهندس الذي كان يتناول طعام افطاره.. وفتح المهندس الباب، وفوجئ برؤية السفاح أمامه، أراد أن يغلق الباب، لكن السفاح سارع باقتحام البيت ولم يعط المهندس فرصة للاستغاثة.
وقال له: أنا مش حا اموتك يا ابو حنفي.. لكني أشوه جسمك!
جرد هواية القاتل!
وفى لحظة أخرج مسدسه..
وأطلق 3 رصاصات على المهندس، استقرت رصاصة في فخذه واخرى في كتفه وثالثة في مكان حساس. وتم نقل المهندس الى المستشفى في حالة خطيرة.
ثم روت «الأخبار» تفاصيل الجرائم الأخرى التي ارتكبها السفاح في القاهرة فقالت:
«وقد تنكر السفاح أمس في زي ضابط شرطة برتبة نقيب، وذهب الى حي المنيل، حيث التقى في الساعة الثانية والنصف من صباح أمس بشخصين، أولهما طباخ يدعى عطية والثاني سائق اسمه أحمد يحيى، كانا يسيران بالقرب من كوبري عباس، سألهما عن شخصيتهما ثم اصطحبهما الى شارع عبدالعزيز آل سعود، وأطلق عليهما ثلاث رصاصات».
والغريب أن أحد جنود الشرطة كان قد شاهد السفاح يسير مع المجني عليهما، وعندما رآه يرتدي البذلة العسكرية أدى له التحية العسكرية، وبعد دقائق سمع صوت اطلاق الرصاص، فاتجه ناحية الصوت ليعثر على المصابين، اللذين قررا أنهما كانا في نقطة شرطة المنيل لسؤالهما في شكوى تقدمت بها مخدومتهما ضدهما وعندما خرجا التقيا بالسفاح الذي كان يرتدي زي ضابط.
وبينما بدأ رجال المباحث يقومون بتحرياتهم في هذا الحادث، تلقوا فجأة بلاغا عن اطلاق الرصاص على بواب عمارة في المنيل أيضا، واكتشفوا أن البواب مصاب بثلاث رصاصات!
وتقدم للشهادة محامي اسمه طلعت عبدالرازق، يسكن في العمارة التي يعمل بها البواب وقال انه قبل الحادث حضر اليه المتهم محمود أمين سليمان وهو يرتدي زي ضابط جيش، وسأله عن محام زميل له بالإسكندرية اسمه بدر الدين ايوب، وكان يعرف أن المتهم هارب من السجن فطلب اليه الانتظار حتى يرتدي ملابسه ويقوده الى المحامي الآخر، وطلب من البواب مراقبته وعدم السماح له بالانصراف، وعندما دخل ليتصل بالشرطة سمع اطلاق صوت الرصاص على البواب!
وقال المحامي طلعت عبدالرازق لرجال الشرطة: أنا أعرف هذا المتهم منذ حوالي 4 سنوات، عن طريق زميلي المحامي بالإسكندرية بدرالدين أيوب، وكان حلقة اتصال بيني وبينه، ينقل لي دوسيهات قضايا من الاسكندرية، لأحضر فيها نيابة عن زميلي، ولم أكن أعلم عنه سوى انه ثري ومن الأعيان، وكان زميلي المحامي بدرالدين أيوب وأسرته يقيمون في منزله بمصر الجديدة.
وأضاف المحامي قائلا: وفجأة تم القبض عليه، وتبين أنه زعيم عصابة، قطعت صلته به، خاصة بعد أن اتهمني بالاشتراك في اخفاء مسروقات، وفتش رجال المباحث منزلي فعثروا على جهاز تسجيل يخص أحد موظفي المكتب وتبين أنه مسروق!
لكن الصحافي سامي جوهر والذي تخصص في كتابة الحوادث والجرائم كتب تحقيقا صحفيا في اليوم التالي، كشف فيه الكثير عن حياة السفاح الذي قال ان الاسكندرية كلها تتحدث عنه، وقال ان السفاح أعلن أنه لن يقع في قبضة رجال الشرطة قبل أن يقتل 13 شخصا من الرجال والنساء، حددهم بالأسماء!
ولم يكتب الصحافي سامي جوهر القصة المثيرة إلا بعد أن سافر الى الاسكندرية، والتقى بأسرة السفاح.
٭ قال والد السفاح وهو عجوز في الستين في عام 1920 هاجرت إلى لبنان وكنت في عز شبابي، وافتتحت مكتبا لشحن البضائع وابتسمت لي الدنيا، وزادت أرباحي وفكرت في الزواج، فتزوجت من لبنانية وأقمت معها في طرابلس، وأنجبت لي خمس بنات وثلاثة أولاد أدخلتهم مدرسة الفرير، لكن أكبر الاولاد محمود لم يتنظم في الدراسة. وكشف الأب عن أن انحراف سلوك ابنه بدأ مبكرا.
٭ فأضاف: كان عمر محمود 9 سنوات عندما فوجئت برجال الشرطة اللبنانية يستدعونني، فذهبت لأرى ابني الصغير وسط مجموعة شبان عرفت أنهم عصابة وابني انضم لهم، لكن الشرطة أفرجت عنه لصغر سنه، واعتقدت أنه أخذ درسا، لكني كنت مخطئا، فقد تكرر القبض عليه والإفراج عنه، ومرت السنوات وأصبح اللص الصغير من كبار المجرمين في بيروت، وعلمت أنهم قبضوا عليه متهما بمحاولة سرقة منزل كميل شمعون وقتل أحد حراسه، وخشيت من بطش شمعون فأخذت زوجتي وأولادي. وحضرنا إلى القاهرة عام 1953 بعد غيبة 33 سنة عن الوطن، وذهبت إلى بلدتي في الصعيد أبو تيج، حيث بعت ما ورثته من أرض زراعية عن أبي، أكملت تعليم أولادي.
٭ وروى والد السفاح بقية القصة قائلا: وفوجئت في أوائل سنة 1956 بوصول ابني محمود إلى الاسكندرية، وحضر الينا في منزلهما بالابراهيمية وفرض نفسه علينا، وبدأ يطالبنا بالنقود وكثرت مشاجراته مع أمه واخواته وفي أحد الايام أمسك شقيقاته غادة وفاطمة وعلية ونادية، وربطهن بالحبل وجرهن إلى المطبخ وسكب فوقهن صفيحة جاز وأراد أن يشعل فيهن النار، لكن الجيران أنقذوهن، ولم تحتمل زوجتي شرور ابنها فهربت الى بيروت، بعد أن أخذت معها نصف الأولاد والبنات.
كان الله في عون.. زوج المفترية!
كان الله في عون أخي.. بسبب زوجته المفترية!
عندما تزوجها كانت تبدو فتاة عادية مسكينة لا حول لها ولا قوة، لكن الذي تظنه موسى كثيرا ما يصبح فرعون، بعد سنوات قليلة من زواجهما بدأت زوجة أخي ترفع القناع عن حقيقة شخصيتها لنكتشف انها امرأة قوية حديدية.
أصبحت زوجة اخي هي رجل البيت!
هي صاحبة الكلمة الأولى في أي قرار كبيرا كان أو صغيرا!
والمشكلة ان اخي يحبها بجنون، ولا يعترض ولا يرفض لها طلبا!
وأشعر انا وأمي بالضيق الشديد عندما نشاهد حاله.
اخي المسكين انه في بيته لا يهش ولا ينش، صوت امرأته أعلى من صوته، لا يستطيع ان يفعل شيئا دون استئذانها أو الحصول على موافقتها.
مسكين..الرجل الذي تزوج امرأة قوية.
لا أنكر انها مشكلة في بعض البيوت، لكنها والحمد لله ليست موجودة في بيوت كثيرة.
أحيانا يشكو زوج من ان زوجته عنيفة، حادة، عصبية، عنيدة متسلطة، تريد ان تمارس دور الرجل في البيت.
هل زوجته هي القوية.. أم هو الضعيف؟!
ويشكو الزوج ويعاني.. لأن المفروض شيء، والواقع شيء آخر. المفروض ان يكون هو رجل البيت والمفروض ان زوجته هي التي تطيعه وتأتمر بأمره، لكن الواقع هو العكس. وتضطرب الحياة الزوجية، كلما ازدادت سيطرة الزوجة وتسلطها وازداد ضعف الزوج ورضوخه. وفي بداية الزواج.. تسير الأمور بشكل طبيعي دون صراع بين الزوجين. لكن كل زوجين مختلفين في الذكاء والقوة. وفي كل المخلوقات هناك ذكر وأنثى، وكل منهما له تكوين شكلي، وكل منهما له اسلوب ودور ووظيفة، لكن يجب ألا يتعدى أحدهما على دور الآخر، أو ينتقص من قدره.. والطبيعي ان ينزعج الرجل اذا انتقصت امرأته من دوره الرجولي.
لكن المسؤولية تقع على عاتق الرجل منذ البداية، فهو الذي يحدد للمرأة حدود دورها لأن بعض النساء اذا وجدن أمامهن مساحات مفتوحة فإنهن يتوغلن فيها، البعض منهن لا يتوقفن عند حدود، عند تقاعس الزوج عن تأدية دوره، اما لعيوب في شخصيته أو لتواضع ذكائه بالنسبة لزوجته، أو نقائص معينة يشعر بها تجاه زوجته، من الناحية الاجتماعية أو الثقافية أو المادية. اذن الرجل يتحمل المسؤولية الأولى، والمرأة بطبيعتها وفطرتها تراقب وتلاحظ نقاط الضعف والقوة في زوجها، لكن لا بد من القول ان المرأة لا تحب ضعف زوجها.. فالرجل الضعيف لا يملأ عين المرأة. ولا يمكن ان يكون الرجل سعيدا بضعفه، ولا المرأة سعيدة بقوتها، فإذا حدث ذلك تكون الظروف غير صحية لتنشئة الأطفال الذين تتشوش أذهانهم بوجود أب ضعيف وأم قوية.
وللأسف، فإن بعض النساء هن نساء بالشكل والاسم لكن داخلهن صلابة وعند وروح للتحدي وحب للسلطة والتسلط وهذا لا يعفيها من المسؤولية.
هل من الضروري أن يكون الزواج عن طريق الحب؟!
هل من الضروري ان يكون الزواج عن حب؟
كثيرون يتزوجون بدون معرفة سابقة او قصة حب تسبق الزواج، وما اكثر الزيجات التي تمت بدون حب، لكنها اسفرت عن حياة زوجية هادئة ومستقرة وسعيدة.
وما هي علاقة الحب بالزواج؟!
نعم.. ما اكثر الزيجات التي تمت دون ان تسبقها قصة حب. هناك من تزوجوا من اقارب او جيران او زملاء، او عن طريق الاهل، وكان الاعتبار الاول اخلاق الزوجة وجمالها وسلوكها، ثم نجحت العلاقة الزوجية واسفرت عن اسرة سعيدة، لكن!
الحب ايضا شيء مهم في الزواج، ونحن لا نستطيع ان نفصل الزواج عن الحب، الحقيقة ان ظاهرة الحب سابقة على ظاهرة الزواج في تاريخ البشرية، الحب هو الاصل، لانه يحقق اتصال الوعي بالوعي، وتحقيق الذات وادراك معنى الحياة، والزواج يحقق ابدية العلاقة فكيف اذن يتزوج انسان من دون حب؟!
الحب مشروع انساني عظيم، يستغرق عمر الانسان كله، ابتداء من لحظة نضوجه واكتمال وعيه وفهمه.
والحب يبدأ ولا ينتهي.. الحب يستمر مع عمر الانسان يكبر ويأخذ ابعادا جديدة واعماقا ابعد، ويكشف للانسان افاقا ارحب وأوسع لكنه يبدأ عند نقطة معينة.
في لحظة معينة من عمرك قد تلتقي بإنسان معين، وربما تكون في قلبه لكنك تتوقف عند هذا الانسان بالذات، وتقول ان هذا الانسان هو الذي كنت تبحث عنه طوال حياتك وتشعر انك التقيت بنصفك الآخر المكمل لك، او توأم روحك، هكذا تشعر بحسك الباطن وبقلبك.. وانت لا يمكن ان تتزوج ومشاعرك على الحياد الا اذا كنت تبحث عن شيء ما من خلال هذا الزواج، فقد تتزوج لانك ترغب جنسيا في هذه المرأة، وقد تتزوج من اجل هدف مادي او مصلحة، وفي هذه الحالات لن تعنيك عواطفك ومشاعرك.
لكن الانسان السوي يعتبر الزواج في حد ذاته غاية وهدفا، وحين يلتقي بنصفه المكمل للمرة الاولى، يستطيع ان يكتشف بقلبه، ان هذا الانسان هو أهل لأن يقضي معه بقية عمره، وتبدأ قصة الحب من اللحظة الاولى السابقة على الزواج.
ثم يأتي الزواج.. وتسير رحلة الزواج والحب معا ليس جنبا الى جنب، ولكنهما ممتزجان لأن حقيقة الزواج حب، وحقيقة الحب زواج، انهما مسميان لشيء واحد، وهما هدف واحد ومعنى واحد.
وانت لا يمكن ان تسأل هل يجب ان يكون الحب قبل الزواج او بعده، ففي اللحظة التي تحب فيها هذا الانسان، تتمنى ان تتزوجه واللحظة التي تتزوج فيها انسانا فأنت بدأت تحبه، والعاقل.. لا يتزوج من لا يحب، ومشروع الحب هو مشروع زواج.
انت تحب.. لكي تتزوج. وتتزوج لتحب!
كل الحكاية.. انك تريد ان تعيش مع هذا الانسان حتى النهاية!