نجحت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في رفع الضغوط السياسية عنها وعن حكومتها على الصعيدين الداخلي والاوروبي بعد ان حصلت اخيرا على موافقة اوروبية على الانتقال الى المرحلة الثانية من المفاوضات المرتبطة بالقضايا الاقتصادية ومستقبل العلاقات التجارية.
وينتظر البريطانيون بقلق بالغ ما ستسفر عنه قمة قادة الاتحاد الاوروبي المزمع عقدها يومي الخميس والجمعة المقبلين خاصة ملفات التسوية المالية ومصير المقيمين الأوروبيين في بريطانيا بعد الخروج ومستقبل الحدود الإيرلندية.
بيد ان التقدم الذي أحرز يوم الجمعة الماضي من خلال الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين تيريزا ماي ورئيس المفوضية الاوروبية جون كلود يونكر في بروكسل رفع ثقلا كبيرا عن كاهل بريطانيا وجعلها في موقف أكثر أريحية وبخاصة على المستوى الداخلي.
ومهد اتفاق الجمعة الماضي الطريق للقادة الاوروبيين لبحث القضايا الاخرى ثم المصادقة بشكل روتيني على قرارات المفوضية الاوروبية بقيادة يونكر والمجلس الاوروبي برئاسة دونالد توسك.
وكشف الاتفاق الذي اعلن عنه يوم الجمعة الماضي عن حقيقة الخلافات بين لندن وبروكسل وتمركزها في واقع الأمر في الجانب المادي اذ ظل الجانبان يتبادلان طوال أشهر تصريحات بشأن حقوق المواطنين الاوروبيين والضمانات المكفولة لهم.
ولم تحرز بريطانيا هذا التقدم الا بعد ان عدلت موقفها ووافقت على دفع فاتورة خروج بلغت ما يقارب 39 مليار جنيه استرليني (52 مليار دولار).
وظلت الحكومة البريطانية منذ العام الماضي ترفض دفع أكثر من 20 مليار جنيه (7ر26 مليار دولار) وحاولت عبثا إغراء المقيمين الاوروبيين لديها بضمان حقوقهم وتسهيل إجراءات كالحصول على الاقامة بعد الانسحاب عام 2019.
في حين أن ذلك لم يكن كافيا أو بالاحرى لم يكن ضمن أولويات المفوضية الاوروربية لان بريطانيا لديها أكثر من مليون مواطن مقيم في الدول الاوروبية واتخاذها اي اجراءات متشددة تجاه الاوروبيين يعني معاقبة مواطنيها أولا.
وقال وزير الخروج من الاتحاد الاوروبي ديفيد ديفيس في مقابلة تلفزيونية مؤخرا انه من غير المنطقي ان "توافق المملكة المتحدة على دفع فاتورة بمليارات الجنيهات دون ان تحصل على اتفاق تجاري بامتيازات خاصة يحدد مستقبل العلاقات الاقتصادية لما بعد عام 2019".
واكد ان المحادثات كانت واضحة منذ البداية بان الالتزام بالتعهدات المالية مشروط بتحقيق اتفاق "جيد" ومشروط بالاتفاق على مرحلة انتقالية لتثبيت الوضع الجديد بعد الانسحاب في مارس 2019 مضيفا انه " بدون اتفاق تجاري فانه لا يمكننا ان ندفع مستحقات مالية على خدمة لم نحصل عليها".
واوضح ديفيس ان كلامه لا يعني إخلال بريطانيا بالتزاماتها المالية المعروفة والمتفق عليها معربا عن اعتقاده بان عدم التوصل لاتفاق بات احتمالا ضئيلا منذ التقدم الذي احرز الجمعة الماضية.
وحتى مشكلة الحدود البرية بين ايرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا وجمهورية ايرلندا العضوة في الاتحاد الاوروبي لم تعد مطروحة على جدول اعمال القمة الاوروبية.
وتعهدت رئيسة الوزراء تيريزا ماي في هذا الصدد بان حكومتها لن تقوم بفرض حواجز حدودية حقيقية بين البلدين بل ستقوم بالابقاء على ما يعرف ب"الحدود اللينة" بما يسمح بمرور الاشخاص والبضائع باستخدام تكنولوجيا متطورة.
وفي ظل هذه التطورات الإيجابية تمكنت رئيسة الوزراء من اسكات معارضيها في البرلمان من نواب حزبها ونواب أحزاب المعارضة على حد سواء.
كما تمكنت أيضا من إزالة مخاوف الحزب الايرلندي الوحدوي الذي يدعمها في مجلس العموم عقب ما أثير عن إمكانية اعطاء ايرلندا الشمالية وضعا خاصا يبقيها دون باقي اجزاء المملكة المتحدة داخل السوق الاوروبية المشتركة كحل وسط لمعضلة الحدود مع جمهورية ايرلندا.
ومن هذا المنطلق تجد تيريزا ماي نفسها في وضع أقوى على الصعيد الداخلي واقرب الى تولي زمام المبادرة خلال المرحلة الثانية من المحادثات والتي ستنطلق مع بداية العام القادم.
وتملك بريطانيا أوراق ضغط اقتصادية وتجارية كبيرة على طاولة المفاوضات ويدرك القادة الاوروبيون أن بلدانهم صدرت مجتمعة العام الماضي ما قيمته 320 مليار جنيه (428 مليار دولار) من البضائع والخدمات بينما صدرت بريطانيا لهم في نفس الفترة حوالي 240 مليار جنيه (321 مليار دولار).
ويؤكد محللون أن الاتحاد الاوروبي لن يكون باستطاعته الضغط على بريطانيا من الجانب التجاري تحت اي ظرف من الظروف لان السوق البريطانية لا يمكن إيجاد بديل لها بسهولة في حال عدم التوصل لاتفاق نهائي.
وفي المقابل ستدخل الحكومة البريطانية المرحلة المقبلة من المفاوضات بمشاريع اتفاقات للتجارة الحرة مع كبرى اقتصادات العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة.
وكان الرئيس الامريكي دونالد ترامب تعهد عقب فوزه مباشرة بالانتخابات بان ادارته يمكنها توقيع اتفاق للتجارة مع بريطانيا في اقصر فترة ممكنة في حال فشل المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي.
كما تتمتع بريطانيا بعلاقات خاصة ومتميزة مع دول الكومنولث وابدت كذلك استعدادا كبيرا لعقد اتفاق تجاري حر سريع مع دول مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى مثل الهند واستراليا وكندا.