وسط الصخب اليومي توقف الزمن لحظة ثم ساد الصمت أمس حزنا على رحيل العم توفيق عبدالكريم إبراهيم النصار الذي طوى معه آخر صفحات تاريخ الكويت الجميلة.
العم «بوخالد» كان والدا وملهما، متفانيا في عمله حينما تدرج بالديوان الأميري في الترجمة إلى أن سمي وكيلا للديوان الأميري، ومرافقا لحكام الكويت الراحلين منذ الاستقلال: الشيخ عبدالله السالم والشيخ صباح السالم والشيخ جابر الأحمد، شاهدا معهم على نهضة الكويت وتطورها من أهم المواقع التي تكتب بين ثناياها مراحل التاريخ.
رغم إلحاحي على كتابة سيرته إلا أنه دائما ما كان يعتذر بلطف يختزل أسمى قيم الأمانة بأن «ما وقفت عليه من أحداث ومعلومات ليس ملكا لي حتى أتصرف بها».
الراحل «بوخالد» عاش الكويت وعاشته، شهد رفعتها وتقلباتها، واقفا على جميع منعطفاتها التي شكلت المحطات الفارقة في حياته ومسيرتنا، منها مرض ورحيل الشيخ عبدالله السالم 1965، وتولي ولي عهده الشيخ صباح السالم مقاليد الحكم وما حملته أيامه من ازدهار وبداية انطلاق الكويت للعب دورها العالمي، ثم عهد الشيخ جابر الأحمد، وما رافقه من أحداث محلية وخارجية، الأبرز منها الغزو العراقي على الكويت وأيقونته الأبرز خطاب الأمير من الأمم المتحدة في 15 سبتمبر 1990 يوم وقف وحيدا بمواجهة العالم يجمع الجهود لتحرير بلاده متسلحا بإيمانه بالحق ومنطلقا بكلمته المؤثرة «لقد جئت اليوم حاملا رسالة شعب أحب السلام وعمل من أجله.. جئتكم برسالة شعب كانت أرضه بالأمس القريب منارة للتعايش السلمي والإخاء بين الأمم وكانت داره ملتقى الشعوب الآمنة التي لا تنشد سوى العيش الكريم والعمل، وهاهو اليوم بين شريد هائم يحتضن الأمل في مأواه وبين سجين ومناضل يرفض بدمه وروحه أن يستسلم ويستكين للاحتلال مهما بلغ عنفوانه وبطشه»، ليصل وقع هذه الكلمات الى أقاصي العالم ويعود رجعها زاحفا خلفه أكبر تحالف عسكري وديبلوماسي شهده العالم المعاصر لتحرير الكويت.
سيرة الراحل «بوخالد» مليئة بالمثابرة والصبر والدقة والأمانة والمهنية العالية التي عجنت جميعها شخصيته الشغوفة بالإخلاص والتفاني المتفايض إلى حد الإلهام، كان قارئا فاحصا وأذنا رقيقة ومترجما دقيقا لأمراء الكويت الراحلين من الاستقلال حتى تقاعده في 2006 مخلفا وراءه جيلا من المترجمين الشباب الذين تتلمذوا على يديه ليستمروا من بعده.
رحم الله العم توفيق النصار، وألهم ذويه وأصدقاءه الصبر، ورغم ان مرارة الغياب لن يخففها شيوع المصاب، إلا أن العزاء سيبقى بما تستذكره النفس من أثر جاد به، وغرس رسخه في أرواح محبيه.