حب الذات أو «الأنا» يسهم في تكوين شخصية سوية وناجحة إذا ما ترتب عليه تحسين صفات النفس والسلوك مرضاة لله تعالى، وقد يؤدي إلى سلبيات لا تتفق مع ديننا وأخلاقنا إذا تم الإفراط في ذلك لأهداف دنيوية.
ويقول المولى عز وجل في كتابه الكريم (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، وهذه الآية الكريمة يمكن اعتبارها معيارا وميزانا ومقياسا للفصل بين الحالتين ولمراقبة النفس وسلامة ومشروعية أفعال العبد ومدى توافقها وتناغمها مع الأوامر الإلهية الواجبة الطاعة ومدى انسجامها مع صفات النفس السوية ومدى التزامها بالمثل والقيم الراقية حتى يتأهل لأن يشكل أعماله ويجعلها خالصة لوجه الله تعالى.
فالأنا وحب الذات من الأمور الفطرية والغريزية التي تلازم الإنسان منذ ولادته، وقد تترتب عليها إيجابيات عديدة عندما يراعي الفرد مصالح ذاته ويعمل على تزكيتها وغسلها من دنس الموبقات والعمل على علو شأنها وطلب الكمال لها بدون أن يكون في ذلك اعتداء على حقوق الغير وهذا ما يجعله كريما عزيزا داخل مجتمعه.
في المقابل، قد تظهر سلبيات الأنا عندما تزيد عن الحد وهو ما تظهر بوادره عادة منذ الطفولة فلا يأبه الطفل إلا بنفسه ولا يهمه ولا يعني له مصلحة الغير بل غير وارد في قاموسه ويجهل خطورة هذا السلوك على مصالح وحقوق الآخرين، والخطورة الحقيقية تظهر عندما يتواصل هذا السلوك دون التصدي له بأي توجيه أو موقف تربوي وهذا ما يرتب تأثيرا ضارا على رشد وسلامة المجتمع ومؤسساته.
وحب الأنا السلبي قد يصيب أهل العلم وحتى بعض علماء الدين وأفراد المجتمع بشكل عام، فبعضهم للأسف يتقمص شخصية الطفل كما ذكرنا ولكن مع فارق في أن هؤلاء على علم بكل ما يقومون به من تجاوزات على حقوق الآخرين بل قد تكون من أهدافهم وغاياتهم. وهو دليل على ابتلاء فاعلها بنوع من الاثنينية في النية والتوجه، بل إن سلوكه قد يشوبه نوع من الشرك، فخلق من فعله نوعا من التزاحم في قرارة نفسه بين انقياده لأناه على حساب مرضاة الله سبحانه.
وحب الذات الزائد عن الحد عندما يبتلى به بعض أهل العلم وعلماء الدين والدعاة أثناء أداء واجباتهم أحيانا يجعل هدفهم البحث عن الثناء والتمجيد والشهرة لا للتقرب إلى الله سبحانه، وذلك رغم أن القران الكريم مدح الأعمال التي برز فيها إنكار الذات تقربا إلى الله سبحانه وتعالى بقوله (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد).
والله سبحانه علم الإنسان كيفية الدعاء والطلب منه جلت عظمته وفرض في الصلوات الخمس اليومية الطلب للجمع لا للأنا وهو المستحب للشخص المؤمن الذي يشارك في دعائه المؤمنين والمؤمنات ويطلب لهم ما يطلب لنفسه وهذا فيه محاربة لحب الذات ونكران للأنا، والأمثال كثيرة في القرآن الكريم مثلما جاء في سورة الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم).
والإنسان أيامه معدودة ووجوده مؤقت في هذه الدنيا فلعل استحضار الحق تعالى في تصرفاته وسلوكياته يحفظه من ملوثات الأنا ويقترب به من الباري تعالى في فعله حتى ينال رضوان الله سبحانه يوم الحساب.
[email protected]