مما لا شك فيه أننا في الكويت وكدولة تقع ضمن مناخ صحراوي جاف نتطلع كل عام لموسم أمطار الخير في موسم الوسم لتروي جفاف أشهر الصيف الطويلة، إلا أن هطول الأمطار الغزيرة قد يتحول إلى خطر يهدد الأرواح والممتلكات كما حدث في الأمطار التي شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية، وإني هنا كأكاديمي متخصص في هندسة موارد المياه والهيدرولوجي أود الإشارة إلى عدة نقاط مهمة فيما حدث تبيانا للحقائق لعل ما سيطرح هنا يجد آذانا صاغية لتجنب أو لتقليل ما يمكن أن يحدث في المستقبل من أمطار مشابهة.
أولا: ما تعرضت له الكويت من أمطار غزيرة وسيول نتجت عن كميات هطول قياسية تجاوزت 100 ملم في بعض محطات الرصد الجوي خلال يوم واحد فقط وذلك في عاصفة يوم الجمعة 9 نوفمبر هو حدث غير مسبوق إذا ما تمت مقارنته بما يتوفر لدينا من قياسات لكميات هطول الامطار المسجلة رسميا بدءا من عام 1962.
ثانيا: ان التصميم الهندسي المحترف لشبكات تصريف الأمطار يعتمد وبشكل أساسي على البيانات المسجلة لكميات الأمطار التاريخية للمنطقة، وعليه ومن ناحية فنية، فإن شبكات الأمطار تكون قادرة وبأحسن الأحوال على استيعاب تصريف عواصف تماثل في شدتها أشد عاصفة شهدتها المنطقة خلال الخمسين أو الستين عاما الماضية.
ثالثا: قد يقول قائل: لماذا لا يتم بناء شبكة تصريف تفوق قدرتها الاستيعابية ما تم تسجيله من الأمطار سابقا وبالتالي يتم عمل احتياطات مستقبلية لتجنب الكوارث؟ والجواب هنا بسيط، حيث إن هذا الإجراء يكلف الدولة أموالا تفوق وبكثير ما تكبدته البنية التحتية والممتلكات من خسائر، ونشير هنا إلى حالة مشابهة حدثت في الولايات المتحدة عام 2017 جراء الإعصار «هارفي» الذي نجم عنه خسائر تقدر بـ 125 مليار دولار نتيجة هطول أمطار شديدة الغزارة على ولاية تكساس ذات المناخ الصحراوي وكما حصل في الإعصار «فلورنس» الذي ضرب الساحل الشرقي الجنوبي بكميات قياسية لم تسجلها الولايات المتضررة في تاريخها.
رابعا: ما سبق بيانه أعلاه يكون صحيحا إذا ما تحدثنا عن أمطار يوم الجمعة والتي جاوزت الـ 100 ملم كما بينا، إلا أن الأمطار التي هطلت يوم الثلاثاء 6 نوفمبر وبحسب تصريحات المسؤولين في إدارة الرصد الجوي لم تتجاوز 60 ملم، وهي كميات أمطار سبق أن تعرضت البلاد لكميات مماثلة لها، حيث تم تسجيل أمطار بكمية 68 ملم بتاريخ 11-11-1997 وعليه فإن شبكة التصريف يجب أن تكون مصممة على أن تستوعب عاصفة الثلاثاء 6 نوفمبر بدون ما حدث من غرق للطرق الرئيسية بشكل أدى إلى شل الحركة في البلاد ليوم كامل نجم عنه خسائر مادية فادحة.
خامسا: ما حدث من فشل شبكة التصريف في يوم 6 نوفمبر ينبغي أن يخضع لفحص فني دقيق لبيان أسبابه، وأنا هنا أشير إلى بعض الأمور التي قد يكون لها من وجهة نظري سبب فيما حصل.
1 - إن ازدياد رقعة المد العمراني والمدن السكنية الجديدة وخصوصا على جوانب الطرق السريعة الرئيسية التي تم بناؤها في العقود الأخيرة أدى إلى زيادة الأراضي المبنية من مبان وشوارع، وبالتالي فإن الأمطار التي كانت تتساقط على المساحات المكشوفة وتتسرب إلى باطن الأرض، أصبحت تتساقط على مبانٍ خرسانية وشوارع اسفلتية وتجري سطحيا عبر الشوارع وبالتالي يزداد الضغط على شبكة التصريف، وبالتالي يجب مراجعة معايير تصميم شبكات التصريف وفق المعطيات الجديدة ومراجعتها مستقبلا عند التمدد العمراني.
2 - قيام بعض ملاك البيوت بربط شبكة تصريف أمطار البيوت «المرزام» بشبكة الصرف الصحي مما أدى إلى طفح شبكات الصرف وفاقم كميات المياه المتجمعة في الشوارع.
3 - تأثر شبكة صرف مياه الأمطار التي تصب بالبحر بحالة المد والجزر، يضع البنية التحتية تحت احتمالات تفاقم ضرر الأمطار حالة كون البحر في حالة مد، وعليه يتوجب دراسة هذه النقطة من ناحية فنية وإيجاد حل مناسب لها خصوصا أن الكويت دولة ساحلية قد يصل فيها المد وارتفاعات الموج إلى مناسيب عالية قد تعطل عمل شبكة التصريف وقت هطول الأمطار.
4 - عدم مراجعة الجداول المستخدمة في تقدير شدة الأمطار دوريا وفقا لمعطيات التغيير المناخي والتي يتم بناء عليها حساب القدرة التصميمية للشبكات.
سادسا: إن العمل على تقليل أضرار ما حصل «إن تكرر في المستقبل» أمر ممكن، فمن الحلول المقترحة في هذا السياق هو عمل تحديد هيدرولوجي لمجاري السيول في المناطق السكنية المأهولة وعمل حفر صناعية تصب فيها مياه الأمطار عند المناسيب المنخفضة مما يجعل مياه السيول تتجمع في نقاط محددة وتتعرض لاحقا للتبخر ولا يجعلها تندمج مع مجاري سيول أخرى وتكون سيولا أشد، وهذا ما حدث حين ضربت السيول المتجمعة من منطقة الأحمدي وما حولها منطقة الفحيحيل يوم الجمعة 9 نوفمبر.
إن هطول أمطار قياسية شديدة لم يسبق لها مثيل هو من دلائل التغير المناخي، والتغير المناخي من القضايا الساخنة والحديثة في مجال هندسة موارد المياه والتي تتركز عليها كثير من الأبحاث العلمية في العقد الأخير، وأشير هنا إلى ما حدث من هطول أمطار تجاوزت 100 ملم يدخل ضمن حسابات إحصائية في حسابات التغير المناخي، وتجدر الإشارة إلى أن هطول كميات أخرى مستقبلا تتجاوز ما حصل من هطول قد يصل إلى 120 أو 130 أو ربما 200 ملم مستقبلا أصبح من ناحية نظرية ممكنا وفقا لتنبؤات التغيير المناخي التي يمكنها تقديم توقعات مناخية تصل إلى 50 سنة والتي وإن حدثت قد تؤدي إلى كوارث أشد قسوة بكثير مما شهدناه.
إن التسليم بأن ما حدث وما قد يحدث من أمطار وسيول هو بيد الله وحده، لا يجعلنا بطبيعة الحال نجلس وننتظر المشكلة، بل ان الحكمة تقتضي هنا العمل وفق نظريات العلم والنتاج الأكاديمي المستخلص من تجارب الدول الأخرى والتخطيط الاستراتيجي للحد من هذا النوع من المشاكل والتي يسهل التغلب عليها إذا ما تم التعامل معها وفق المنهجية العلمية السليمة.
د.عبدالله أحمد الصميعي
٭ عضو هيئة التدريس - قسم الهندسة المدنية - جامعة الكويت