قد تكون الكويت الأكثر هدوءا في العام 2018 مقارنة بغيرها من دول المنطقة، لكن ذلك لا يمنع من شعور ابنائها، او قسم كبير منهم على الاقل بأن الاوضاع من سيئ الى أسوأ و«على كف عفريت»، حتى بدون ان تطالنا الحروب والأزمات الساخنة مباشرة.
وما ينطبق على الكويت حتى الآن هو اقرب الى أزمات من النوع الناعم، علما ان الأزمات الناعمة قد تكون احيانا اشد خطرا وعاقبة. هي تجعل المناخ العام متوترا وأيدي بعض المسؤولين مرتجفة وتجعل الناس تعيش على اعصابها، قلقة في أعماقها تبحث بدون جدوى عن الأمان.
واذا استعدنا ابرز ما حصل في العام المنصرم 2018 فسنقع على كثير من الوقائع التي ترتبط بهذا القلق ومنها: فضائح الشهادات المزورة التي لم تنته فصولها بعد، فضائح البنية التحتية التي كشفتها الامطار الغزيرة ولم نعرف الاجراءات التصحيحية في ضوء نتائجها بعد، وفضائح ضباط وكبار مسؤولي «ضيافة وزارة الداخلية» قيد التحقيق منذ اشهر.
كذلك تحضر بقوة مئات عمليات النصب العقاري التي يتجاوز بعضها الحدود، وغيرها العشرات من الملفات والفضائح مما يسمع ويعرف الكويتيون عنه في المجالس والديوانيات، وعبر غرف الواتساب وباقي شبكات التواصل الاجتماعي.
وعدا عن خطورة حجم القضايا والملفات وعدد المتورطين فيها، فإن اخطر ما في هذه الفضائح هو ترابطها وعلاقتها المتينة فيما بينها لدرجة مخيفة، على الاقل بالنسبة للكويتيين الذين ما زالوا يؤمنون حقا بالانتماء الوطني، والقيم اللازمة لاستمرار استقرار المجتمع. درجة مخيفة اوصلت كثيرا من الشباب الكويتيين ـ الخريجين ـ العاملين ـ والمميزين الى احباط غير مسبوق، حتى اصبح بعضهم يفكر بالهجرة الدائمة من البلاد!
وأمام هذه النماذج ـ الوقائع ـ الفضائح لابد لكل كويتي، وكل مسؤول، وكل مشارك في اتخاذ القرار، ان يطرح على نفسه وضميره اسئلة في العمق حول اسباب هذه الظواهر، وتحديد السؤالين الصريحين التاليين:
لماذا يلجأ المزيد من الكويتيين الى ارتكاب جرائم نصب وسرقة ورشوة وتزوير وفساد رغم حياة الرخاء والدخل المرتفع للفرد وللاسرة الكويتية وخدمات الرعاية من المهد الى اللحد كما يقال؟ ولماذا تكثر هذه الجرائم من قبل عدد كبير من اهل الثراء؟
لو ان مؤسسات الدولة اجرت استطلاعا علميا اليوم مع الكويتيين، وخاصة الأجيال الشابة، حول رأيهم بأسباب هذه الظواهر والأمراض القاتلة، هل يتخيل المسؤولون كيف ستكون الاجابات؟ وهل هم قادرون على معالجة الأسباب فعلا؟ أم ان وباء النصب والفساد صار وحشا اكبر من قدراتهم؟
والى ان يعرف المعنيون في الدولة ويعرفونا بأسباب هذه الظواهر المصيرية يحق لنا ان نضع الاحتمالات التالية:
٭ إما ان هناك سباقا محموما بين الطامحين والطامعين للمنصب والمال على جمع الثروات بكل الطرق، المشروعة وغير المشروعة (الغاية تبرر الوسيلة)، مما يعني اننا متجهون تدريجيا نحو شريعة غاب يأكل فيها القوي الضعيف على كل المستويات.
٭ وإما ان الكويتيين عامة ـ أو اغلبيتهم على الاقل - خائفون من المستقبل وعلى مصير الثروة والافلاس والعودة الى التقشف ولهذا لا نجد «رادعا شعبيا» كافيا بمستوى خطورة الفضائح، ولا ضغطا اهليا ـ مدنيا كافيا لتفعيل آليات مكافحة الفساد والهدر في كل وزارة او جهة حكومية.
وفي كلا الاحتمالين دلائل على مشارف ازمات عميقة، خاصة اذا اضفنا الى ذلك الضغط النفسي الناتج عما تعيشه المنطقة من حولنا من ازمات وتهديدات من كل نوع الى جانب الانقسام الحاد داخل كيان مجلس التعاون الخليجي.
****
لكن ما الذي يمكن عمله حيال المخاطر التي تهدد الكويت من الداخل قبل الخارج؟
ليس مقبولا ابدا القول ان الكويتيين- شعبا ومجتمعا- يتحملون المسؤولية، فليس هناك شعب يحب بطبيعته الفلتان واللامبالاة والفوضى ويشجع الفساد، خاصة في حالة الكويت التي تقدم لمواطنيها الرعاية الكافية لحياة كريمة. لكنها الهوة الكبيرة التي تفصل بين المواطنين، و«فائض» الامتيازات للبعض دون البعض الآخر، ومنظومة الاعلام والتوجيه والتربية التي ترسي السباق على مزيد من المال من اجل الوصول الى السلطة، او تشجع السباق الى السلطة من اجل جمع المزيد من الملايين بكل الطرق.
اهتزت فرنسا كلها، وهي اعرق الدول في حقوق الانسان وحقوق المواطنين، نتيجة اتساع الفوارق بين الفرنسيين خلال عهد الرئيس الحالي، اي منذ سنتين فقط، ولم ينتظر الفرنسيون، محدودو ومتوسطو الدخل، سوى سنتين وتحركوا قبل ان تزداد الفوارق اكثر فأكثر وفرضوا ديموقراطيا المفاوضات مع الرئيس مباشرة.
لكن من الناحية الديموقراطية تبدو الطاسة في الكويت ضائعة. فمجلس الامة نفسه يعيش في أزمة اولويات، وتحديات بعضها شخصي وبعضها شعبوي وخدماتي، وليس فيه اغلبية متفقة على حلول اصلاحية للازمة «الناعمة» لكن العميقة في الكويت. ولا القوى «السياسية» والاجتماعية والقبلية تعتبر الاصلاح اولوية وهي التي يغلب عليها رد الفعل، حتى لو كان ضحايا ذلك مسؤولين اقرب الى الاصلاح.
نافذة الامل تبقى معلقة اذن على ضرورة اتخاذ قرارات جريئة بتنظيف البيت الداخلي، وتطبيق القانون من الأقرب، وانزال العقوبات القانونية الصارمة بكل المرتكبين. فالواسطات والمجاملات والضغوط والمساومات خربت المجتمع وليس مؤسسات الدولة فقط. اي لم يعد هناك حائط صد وحماية يسمح بمزيد من الاخطاء، مهما صفت النوايا.
عندها فقط، يمكن للكويتيين «المحبطين» والكويتيين «الخائفين» والكويتيين المترددين ان يتنفسوا الصعداء ويؤمنوا بإمكانية الانتصار على العفاريت (وما اكثرهم).. ويمكن الامساك مجددا بزمام الامور لوضع منظومة وطنية جديدة فاعلة تجمع بين السياسات والادارة والتربية والتعليم والاعلام.. كي لا تبقى الأزمات الناعمة سيفاً مصلتاً فوق عنق الكويت واعناقنا.