- اتساع صدر القاضي والالتزام بالنصوص واجب لتمكين المحامي من أداء حق موكله دون منة أو انتقاص
- التعويض الأدبي شُرع لجبر النفوس ويكفي فيه القدر الرمزي دون إسراف أو مغالاة
- لماذا حين يمارس المحامي حقه أمام منصات القضاء يترجم الأمر أنه إساءة للقضاة؟ ولمن يلجأ من يختلف معهم وهم الخصم والحكم في نفس الوقت؟
عبدالكريم أحمد
أصدرت جمعية المحامين الكويتية قبل قليل بيانا رفضت خلاله صدور أحكام قضائية بتعويض بعض منتسبيها بغرامات مالية، مؤكدة أن هذه الأحكام لن تثني المحامين عن أداء واجبهم في الدفاع عن الحق والعدل والقانون.
وجاء بالبيان: تلقّت جمعية المحامين الكويتية الأحكامَ الصادرة بإلزامِ بعض منتسبيها بتعويضاتٍ ماليةٍ مبالغ فيها؛ بدعوى الإساءة إلى بعض رجال القضاء، بمزيدٍ من الدهشة والاستنكار؛ فمع تقدير جمعية المحامين الكويتية للمكانة المرموقة للسادة أعضاء السلطة القضائية، ومع التأكيد على ضرورة الالتزام بالطريق الذي رسمه القانون من حيث إجراءات الطعن على الأحكام، إلا أن الحاصل اليوم يُثير لدى جمعية المحامين الكويتية العديدَ من التساؤلات التي تطرحها على سلطات الدولة كافة؛ أبسطها: لمن يلجأ مَن يختلف مع السادة القضاة؛ وهم ـ حينئذٍ ـ الخصم والحكم في آنٍ واحدٍ؟
وأضاف البيان: جمعية المحامين الكويتية إذ تؤكد على أن وقوف المحامي مُدافعاً عن حقّ موكّله هو أمرٌ من بديهيّات عمله، وأن اتساع صدر القاضي والالتزام بالنصوص هو واجبٌ عليه حتى يتمكن المحامي من أداء ذلك الحق دون منة أو انتقاص؛ الأمر الذي يجعل من إقرار القوانين التي من شأنها أن تنظّم العمل وتطوره في المرفق القضائي؛ وعلى رأسها قانون تنظيم مهنة المحاماة، وقانون مخاصمة القضاء واستقلاليته، أمراً من الأهمية بمكان.
وأكمل: إذا كان ذلك كذلك من حيث الارتباطِ والتلازم بين عمل السادة المحامين ودور السادة القضاة؛ فلماذا إذن ـ حين يخرج محامٍ عن صمته، ويمارس نوعاً من حقه أمام منصّات القضاء، يُترجم الأمر ـ على الفور ـ على أنه إساءةٌ للقضاء، وخروجٌ فجٌ على أدبيات المحكمة الموقرة؟! حيث تم تضخيم احتجاج الزميل المحامي مشعل الخنة عضو مجلس الإدارة وعضو لجنة القبول بجمعية المحامين الكويتية إلى دعوى قضائية، ومن بعدها إلى مطالبةٍ بتعويضاتٍ باهظة، وذلك على الرغم من أن احتجاجه جاء في سياق نضاله الحرّ من أجل حقوق زملائه، وهو ما أقر به الشهود جميعاً في محاضر النيابة العامة بأن الزميل لم يجاوز حدّ الأدب ودون سب أو قذف، وصولاً إلى ملاحقةِ غيرِه من أعضاءِ مجلس إدارة جمعية المحامين الكويتية؛ ممن هبّوا للذود عن زملائِهم، ونصرتِهم بكلمة الصدق التي اعتادوا عليها، وعلى رأسهم المحامي مهند الساير نائب رئيس جمعية المحامين الكويتية لمجرد إعرابه في تغريدة له عن دهشته من اختصام جمعية المحامين ومطالبتها بمبلغ ستين ألف دينار كويتي في القضية نفسها؛ فمَ بالنا بالإنسان العادي الذي لا يملك قانوناً ينظّم أداءَ عمله، ويحفظُ له حقَه، ويصون عليه كرامته...؟!!
وتابع البيان: جمعية المحامين الكويتية إذ تُسجّل رفضها لهذا النوع من الأحكام التي قد تُترجم مقاصدُها على أنها تكميمُ للأفواه، وتسليطٌ لسيف القضاء على المحامين؛ فلا ينطقون بكلمةٍ تُخالف القضاة الذين هم بشرٌ في نهاية المطاف؛ يُصيبون ويُخطئون؛ وليس أدلّ على ذلك من أن فلسفةَ عملِنا كمحامين ـ في سياقِ منظومة القضاء نفسها ـ تقوم على مؤازرة حكمٍ صائبٍ في مبناه أصدره قاضٍ وهو بشر، أو تفكيك أركان حكمٍ جانبه الصّواب في تأسيسه، وهو أيضاً أصدره قاضٍ وهو بشر، وجمعية المحامين الكويتية ليست بحاجة ـ في هذا السياق ـ لأن تذكّر السادة القضاة بحكم المحكمة الدستورية العليا التي خاطبت نواب الأمة على أنّهم بشرٌ يُصيبون ويُخطئون، وأن الدستور والقانون يَعلوان ولا يعلو عليهما أحد.
وزاد: قبل أن تطوي جمعية المحامين الكويتية صفحة بيانها، فإنها تؤكد أن الأصل الذي لا يخفى على فطنة السادة القضاة أنفسهم أن التعويض الأدبي إنما شُرع لجبر النفوس، وأنه يكفي فيه القدر الرمزي الذي لا يجاوز الحد الذي قدره فقهاء القانون وشيوخه دون إسراف أو مغالاة؛ وهو ما تؤكد معه جمعية المحامين الكويتية على أن أحد وجوه الحكم الذي صدر مؤخراً ضد الأستاذ مشعل الخنة، وإن كان يعكس بالنسبة للسادة المحامين الصورة المشرفة والناصعة لإيمان المحامي برسالته، إلا أن وجهه الآخر ينمّ عن مُخالفةٍ صريحةٍ للمواثيق والمعاهدات الدولية التي تضمن للمحامي حقوقه وحصانته، وتكفل له حقّه في أداء رسالتِه دون تضييقٍ عليه أو ملاحقةٍ له.
وانتهى البيان بقوله: الجمعية إذ تؤكد ـ في السياق نفسه ـ على أن الحكم وإن كان يمثل توسّعاً خطيراً ومرفوضاً في حق المهنة وحق منتسبيها، إلا أنه لن يُثنيها أو يثني أعضاء مجلس إدارتها بالدرجة الأولى عن مواصلة واجبهم المهني والأخلاقي تجاه مجابهة كل ما من شأنه أن يُهدد أداءَهم لرسالتهم مهما كانت التحديات، ولا سيما أن من شأن أحكامٍ كتلك أن تُضرّ بمنظومة العدالة التي تقوم على تكاملٍ وترابط متلازمين بين جناحي العدالة، وتُهدّد بتفكيك قواعدَ راسخةٍ لمبادئَ قارةٍ قامت على أكتاف مُحامين شرفاء، وقُضاة أجلاء؛ كانوا وما زالوا وسيبقون ـ بمشية الله ـ حُراساً للعدالة، وسدَنة للدفاع عن الحق والعدل والقانون.