بقلم:محمد نبيل الشريدة
يروي أحد شيوخ الدين من ذائعي الصيت في فيديو على اليوتيوب أنه وحينما كان معلما في وزارة التربية لجأ إليه طلاب شاكين زميلهم الذي يختلف عنهم بالمذهب.
ويسترسل الشيخ في كلامه ويروي تفاصيل نقاشه مع الطالب ذي الـ 16 ربيعا مفتخرا بأنه استطاع هزيمته، انتهى النقاش وأصبح شيخنا الكريم ذا رأي متبع وكلمة مسموعة في كثير من الأوساط، وكبر الطلبة الشاكين على زميلهم محملين بمشاعر الكراهية لكل مختلف عنهم، بينما الطالب المسيء كبر مثقلا بأحاسيس الاضطهاد من المجتمع، وضربت معاني الوحدة الوطنية والقوانين والكرامة الإنسانية عرض الحائط.
لهذا الشيخ صاحب خطاب الكراهية والعنصرية أمثال ونسخ عديدة من جميع المذاهب والفرق دون استثناء في البيئة التربوية التعليمية، ولا يقع لوم على الطالب بل يقع على البيئة الأسرية أولا، والبيئة التربوية التعليمية ثانيا، فالطالب حفظ وقال ما تربى عليه من أسرته الفاسدة وراح ضحية مناهج دراسية منحازة وموجهة من فرقة معينة سلبت منه الحق في التفكير الصحيح وحرية الاعتقاد وإبداء الرأي في بيئة صحية دون المساس بأي رموز أو قيم، الكتب التي تدرس في وزارة التربية تصيب طلبة الكويت ومستقبلها بالجمود الفكري وتسلب منه حقه في النقد والتعبير والاعتقاد وحتى التفكير، ونتيجة لذلك نشا الشعور بالكبت والاضطهاد في نفس هذا الطالب مثل العديد من الطلبة المختلفين في جوانب سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو دينية أو غير ذلك، ولم ير إلا الإساءة والتجريح والتكفير حلا ومرضاة له.
في منظر حضاري، ينعقد للعام السادس برلمان الطلبة لمناقشة مشاكلنا التعليمية، ولكن البعض يأبى السعي لحلها.
بعض قيادات التربية المسؤولة عن بناء الفرد تقف عاجزة عن حل أبسط الأمور التي تطرح في كل عام وتفشل في إدارة ميزانية قدرها 2.5 مليار دينار للارتقاء بتعليمنا.
ويبقى برلمان الطلبة مجرد منظر حضاري ديموقراطي تماما كمجلس أمتنا الكريم.
ان مبادئ التعليم الأساسية ألا وهي السؤال والبحث والنقد مبادئ مفقودة في مناهجنا، على الصعيدين العلمي والأدبي، والتعليم المسؤول عن إعداد الشباب للحياة وتحدياتها يخرجهم ساذجين مزعزعي النفس والتفكير، فمناهج اللغة العربية على سبيل المثال تفرض على الطلبة مفاهيم ومواضيع جامدة وتلزمهم باتباع آراء معينة، فهي تريدهم جنودا مسيرة وإمعات بلا رأي أو تفكير مستقل فهي تدعي أن «الطبيعة الجندية من سمات الشخصية المؤمنة»، حتى أنها شوهت ما تشتهر به لغة الضاد من جمال في التعابير والبلاغة بجمل تشبيهية مثل «الأسد كالجندي ينهش لحم عدوه»، كما أنها تصور العادات على أنها دين للشعوب، وتربط الدين بالأخلاق، وأن قلة الوازع الديني الإسلامي تؤدي إلى انحطاط أخلاقي في المجتمع وتؤدي إلى جميع السلوكيات السلبية، وكأن غير المسلم أو حتى الملحد سيربي أبناءه على النفاق والغدر والكذب أو سيعلمه السرقة والقتل والعربدة ..الخ، يقول د.علي الوردي «ان الدين لا يردع الإنسان عن عمل يشتهي أن يقوم به، إلا بمقدار ضئيل، فتعاليم الدين يفسرها الإنسان ويتأولها حسب ما تشتهي نفسه».
فقد رأينا من يقتل بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا ثم يستندون في ذلك إلى آية من القرآن أو حديث من النبي صلى الله عليه وسلم، فعلا هي صورة ساذجة ومنافية للمنطق وعلم الاجتماع الحديث، فالأخلاقيات الكريمة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالإنسانية والمختلف عنك دينيا ليس بالضرورة منحطا أخلاقيا، والدين الإسلامي جاء معززا ومتمما لمكارم الأخلاق.
إلى بعض مواضيع التربية الإسلامية التي وفي اعتقادي ليس لها صلة بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهي عنصرية تكفيرية، تكفر ممارسات واعتقادات ومذاهب عدة في المجتمع، وبعضها الآخر عبارة عن آراء تنافي وتناقض ما تأسست عليه الكويت من قوانين مدنية وديموقراطية ومبادئ اجتماعية، بل وتناقض حتى الدستور الذي كفل حق الفرد في التعليم وكفل له حرية الاعتقاد والرأي.
ومن المصادفات العجيبة أن الطالب يسمع معلما يذم الديموقراطية في حصة التربية الإسلامية ـ هذه الكلمة الغربية التي لا تمت للإسلام بصلة ـ ويرى تعزيزها والثناء عليها في مادة الدستور وحقوق الإنسان! يتعلم تكفير المختلفين عنه في المجتمع من منهج الإسلامية ويقرأ عن حقوق الإنسان، فاعتقاد ما يشاء في الدستور الكويتي، أي شخصية ستبني هذه المناهج العقيمة؟ ليس إلا شخصيات متناقضة ومنافقة اجتماعيا.
أما علميا، فلا توجد أي تجارب علمية أو بحوث يطبقها ويجريها الطالب، أسلوبنا التعليمي وإهمال المدرسين وسوء التوجيه والمراقبة من الموجهين جعلت المواد العلمية باهتة وسطحية، وأصبح الطلاب يعتمدون كليا على حفظها، حتى إذا تخرج نسي حتى مبادئها وأسسها.
مناهج تلقينية تسلب من عقول الطلاب القدرة على النقد والابتكار، فأي شخصيات وعقول ستبنيها مناهجنا؟ بينما يتم تعيين وتغيير وزراء التربية كل سنتين لإرضاء تيارات وقبائل وعوائل معينة، سيتشقق المجتمع من العنصرية والطائفية وتكثر فيه الواسطات والمحسوبيات وحتى الرشاوى، فاعتماد الفرد أصبح على اسم عائلته أو قبيلته، وتنمو العصبية ويصبح الولاء للأفراد، ليس للوطن، وتستمر دائرة الفساد الإداري والمالي والأخلاقي في المستقبل بسبب مناهجنا الهدمية، طالما تدار وزارة التربية بهذه العقلية ومخرجات تعليمنا بهذا الشكل، رؤية الكويت 2035 التي من ركائزها بناء فرد قادر والاستثمار في العقول عليها السلام.
ضمان تعليم متطور ناجح يضمن مجتمعا راقيا نزيها ومستقبلا باهرا.
لن نرتقي بالكويت إذا أنشئت أجيال بهذا التعليم التلقيني المدمر للابتكار، أسلوبنا التعليمي حجري، كتاتيب ما قبل النفط أفضل علميا وأدبيا من مدارسنا النظامية، أصلحوا شأن التعليم، لينصلح حال الكويت، والله المستعان.