بقلم: نايف شرار
[email protected]
بمبادرة من الملك الحسن الثاني رئيس لجنة القدس حينئذ، انشئت وكالة بيت مال القدس الشريف عام ١٩٩٨ لتضطلع بمهام حماية المدينة والحفاظ على موروثها الديني والحضاري ودعم صمود سكانها، كآلية مالية تابعة للجنة القدس، إلى جانب الدور السياسي والدبلوماسي الذي تقوم به اللجنة.
لذلك، تواصل لجنة القدس مسيرتها برئاسة ملك المملكة المغربية الملك محمد السادس، من خلال مسارين متوازيين يعمل أحدهما بجوار الآخر، وهما: المسار السياسي الديبلوماسي والقانوني لإسناد موقف الشرعية الفلسطينية وحقها الثابت في إقامة الدولة الفلسطينية، المتصلة جغرافيا، والقابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشريف، المسار العملي الميداني، الذي تضطلع فيه وكالة بيت مال القدس الشريف «الذراع الميدانية للجنة القدس» بدور أساسي من خلال المشاريع الاجتماعية التي تنفذها في القدس لدعم صمود أهلها المرابطين.
وتمكنت وكالة بيت مال القدس الشريف من مراكمة الخبرات والتجارب في ادارة الدعم الموجه للمقدسيين وأصبحت الشريك الأول للمؤسسات المقدسية بفضل الإنجازات المعتبرة التي استطاعت تحقيقها في العشرين سنة الماضية، في مجالات الإسكان والترميم، والصحة والتعليم، وبرامج الدعم الاجتماعي، وحماية التراث والحفاظ على الهوية المقدسية الأصيلة، والمساهمة في حماية المعالم الدينية الإسلامية.
ولذلك فإن استمرار الوكالة في أداء واجبها إزاء إخواننا المقدسيين ومدينتهم، إن كان يعود الفضل فيه للمملكة المغربية، ولصاحب الجلالة الملك محمد السادس شخصيا، حيث تبلغ قيمة مساهمة المملكة المغربية في الدعم الموجه للقدس والمقدسيين ما يفوق 85%، كما ان الدعم المغربي لعمل الوكالة يكرس في واقع الأمر، قرب المغاربة التاريخي والجغرافي والوجداني من حائط البراق وبوابات المسجد الأقصى المبارك، ودلالة حضورهم في القدس من خلال حارة المغاربة وباب المغاربة والمركز الثقافي المغربي في تقاطع ممر الآلام مع طريق الغوانمة، في سياق الحق الثابت ليس فقط للفلسطينيين المرابطين في الصف الأمامي لحماية مقدسات الأمة، بل أيضا لجميع العرب والمسلمين حتى ولو كانوا في أقصى أقاصي خارطة العالم الإسلامي في المغرب الأقصى.
بيد أن المغاربة يعلمون أن هذا القرب - رغم البعد الجغرافي - يضع عليهم مسؤولية مواصلة إسهامهم في حماية المدينة ومقدساتها الإسلامية، مما يدفعهم إلى الالتفاف حول مشروع جلالة الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس، لحماية القدس ودعم صمود أهلها، وهو المشروع الذي يمكن البناء عليه لإقامة نموذج «مقاوم» للهجمة المتواترة على القدس، يقوم على تقدير دقيق لهامش العمل المتاح، وتمثل صحيح لإمكانياتنا الذاتية وللوسائل التي يؤمنها الدعم الأميركي للاحتلال الإسرائيلي، في ظل العجز الواضح للمنظومة الأممية وتعطل قرارات الشرعية الدولية.
ومع التطورات العميقة التي تشهدها المنطقة العربية، ولا سيما بالشرق الأوسط، وفي ظل القرارات المؤثرة على مستقبل المدينة المقدسة، لابد أن يهب العالم العربي والإسلامي لنجدة مقدساته وحمايتها، بما يحترم القانون الإنساني وقرارات الشرعية الدولية، مع العمل، بموازاة ذلك، على دعم المدينة وأهلها من خلال الاستجابة لخارطة الاحتياجات الملحة للحفاظ عليها وعلى موروثها الديني والحضاري، وهو من صميم اختصاص الوكالة إذا توافرت لها التمويلات الكافية لتنفيذ المشاريع المقترحة.
تاريخ إنشاء الوكالة
في اجتماع لجنة القدس في مدينة إيفران المغربية مطلع عام 1995، دعا الحسن الثاني إلى إبراز أهمية المدينة المقدسة دينيا وسياسيا وحضاريا، والعمل على إظهار الحقائق التاريخية والقانونية التي تثبت عروبة القدس والداحضة بنفس الآن للدعاوى والمزاعم التي تبثها الأجهزة المعادية بهدف تشويه وتزييف تاريخ مدينة السلام.
ولمواكبة تطورات العصر ومجابهة تحديات المرحلة دعا، الراحل إلى إنشاء وكالة لجمع الأموال التي يتبرع بها المسلمون لفائدة القدس من شتى بقاع العالم، مؤكدا على أن هذه الوكالة يجب أن تدار بأحدث الطرق العصرية، وبالأسلوب العلمي الرصين من أجل دعم الوجود الفلسطيني بالقدس، والمحافظة على هوية المدينة التاريخية والحضارية والدينية والحد من الزحف والتوسع الاستيطاني بها.
وتبنى قادة الدول العربية والإسلامية الأعضاء في لجنة القدس هذا الاقتراح، وباركوه بالإجماع، ولم تشرع وكالة بيت مال القدس الشريف في ممارسة عملها بشكل رسمي إلا أواسط يوليو عام 1998.
ولعل ارتفاع وتيرة الاعتداءات الممنهجة التي تتعرض لها القدس الشريف وسكانها في الآونة الأخيرة، باعتبارها جزءا من المأساة التي يعيشها أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في ظل حصار شامل، هي ما يحمل رئيس لجنة القدس، الملك محمد السادس، في أكثر من مناسبة على مخاطبة قادة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة وقداسة بابا الفاتيكان، للتدخل لثني إسرائيل عن المضي في مخططاتها الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي والجغرافي للقدس.
وقد توج هذا المجهود بتوقيع الملك محمد السادس، وقداسة بابا الفاتيكان «نداء القدس» في 30 مارس 2019، الذي يكرس الطابع الجامع للقدس، ويحث على السماح لسكانها بحرية العبادة، مهما كانت ديانتهم، فضلا عن المنحة المالية الكريمة التي أمر بها جلالة الملك لإصلاح وترميم بعض فضاءات المسجد الأقصى ومحيطه، بالتنسيق والتشاور مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، بصفتها ممثلة الإدارة الأردنية، صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات العربية والإسلامية في المدينة.
ومن منطلق شعورها بدقة المرحلة التي تمر منها المنطقة، والتي تزداد حدة بازدياد التعنت الإسرائيلي، عملت لجنة القدس من خلال وكالة بيت مال القدس على الرفع من وتيرة عملها الإنساني الميداني في القدس بالتنسيق مع شركائها للنهوض بالأوضاع الاجتماعية للسكان ومساعدتهم على تحمل آثار الحصار والتجويع والتضييق وذلك وفق التعليمات السديدة للملك محمد السادس، وتحت إشراف جلالته المباشر، وترسخ دور الوكالة كمؤسسة إنسانية من خلال عملها الدؤوب، وفق توجيهات رئيس لجنة القدس، لاستنهاض همم الغيورين على القدس من أجل حشد الدعم الكافي لبرامجها ومشاريعها التنموية، وذلك لتعزيز رباط سكان القدس في مدينتهم المقدسة. ورغم ضعف التمويل وصعوبة العمل في الميدان، فقد تمكنت الوكالة في السنوات القليلة الماضية من تحقيق نتائج جيدة يعود أثرها المباشر والملموس على حياة المقدسيين في القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية وذلك بفضل اعتماد نموذج في الادارة والحكامة، أضفى طابعا من الجدية والالتزام على عمل الوكالة، وكرس الثقة في برامجها لدى الشركاء في القدس ولدى السكان ومؤسساتهم.
نموذج لتنسيق الدعم
إن الوضع الذي تعيشه مدينة القدس وإصرار المستوطنين على اقتحام المسجد الأقصى، وما يخلقه ذلك من ردود فعل، وازدياد الضغط والقمع، يزيد الأوضاع السوسيو اقتصادية داخل المدينة صعوبة مما يسهم في إنتاج وإعادة إنتاج كثير من مظاهر الاختلال المجتمعي، فالبطالة، وضعف آليات التشغيل، والركود التجاري، وارتفاع الضرائب، وتدهور القدرة الشرائية للسكان، بالإضافة إلى الشروط غير الصحية لجزء كبير من المساكن، والازدحام الشديد في المدارس، كل ذلك له آثاره العميقة في ظهور العديد من المشاكل الاجتماعية، والأسرية، والصحية، والأخلاقية، وأقلها تخلي التلاميذ عن الدراسة وهجرة الشباب.
وفي مقابل هذا، هناك سياسة التوسع في المستوطنات، والشح في تراخيص البناء، والإقدام على هدم بيوت المقدسيين، وتضييق الرقعة التي يعيش فيها سكان القدس من مسيحيين ومسلمين حتى أصبحت لا تتعدى 13% من المساحة الإجمالية للقدس، وفي هذه الظلمة الحالكة يأتي عمل لجنة القدس، برئاسة الملك محمد السادس، ملك المملكة المغربية، قبسا من نور، يضيء دروب القدس وأزقتها، وقلوب ووجدان سكانها، ويبعث فيهم الأمل والرجاء.
ولهذه الغاية يجند المغرب دبلوماسيته للدفاع عن القدس وعن مقدساتها العربية والإسلامية، وجعل جلالة الملك وكالة بيت مال القدس الشريف، الذراع الميدانية للجنة القدس تحت إشراف جلالته المباشر، ووجهها إلى العمل الميداني والإنجاز الفعلي، وقدم لها الدعم اللازم، فأصبحت تنفذ على أرض الواقع سياسة دعم اجتماعي ناجحة.
وتؤكد التجربة التي خاضتها الوكالة في السنوات الأخيرة نجاعة هذه السياسة، وإمكانية تطبيقها على الأرض، وأنها نوع من مقاومة التهويد، وجعلها الأداة المثلى لتنسيق الدعم الموجه إلى القدس، بما يرفع معنويات المقدسيين ويشعرهم بأن الجميع معهم يعززون صمودهم.
إن سر نجاح الوكالة، بتوجيهات العاهل المغربي الملك محمد السادس، هو سلوكها مسلك السلم، وعدم التورط في الصراع القائم، وأن عملها إنساني محض، واجتماعي خالص، تتعاون في إنجازه مع الجميع في تنسيق تام مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وإدارة الأوقاف الإسلامية التي تشرف عليها المملكة الأردنية.
إنجازات ملموسة
رغم ضعف التمويل وصعوبة العمل في الميدان، تمكنت الوكالة في السنوات الماضية من تحقيق نتائج جيدة يعود أثرها المباشر والملموس على حياة المقدسيين في القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية وذلك بفضل اعتماد نموذج جديد في الحكامة مبني على الأهداف والنتائج، أضفى طابعا من الجدية والالتزام على عمل الوكالة، وكرس الثقة في برامجها لدى الشركاء في القدس ولدى المؤسسات المانحة والممولة.
وفي هذا الصدد تمكنت الوكالة خلال الفترة ما بين عام 2000 و2018 من تمويل مشاريع بقيمة 53 مليون دولار أميركي موزعة على قطاعات التعليم والصحة والإسكان والشباب والرياضة والمرأة والطفولة والشؤون الاجتماعية فضلا عن حماية التراث وحفظ الذاكرة، وأولت الوكالة اهتماما خاصا للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع المقدسي، واهتمت ببرامج تمكين المرأة المقدسية وتطوير مهاراتها من خلال دعم عمل الجمعيات النسائية في القدس وتمكينها من منح سنوية تساعدها على القيام بعملها في أحسن الظروف، وفق شروط والتزامات واضحة.
ودعمت الوكالة برامجها في مجال التربية والتعليم وذلك لتشجيع التمدرس ومكافحة الهدر المدرسي، وتشجيع الطلبة المقدسيين على مواصلة دراستهم العليا من خلال برنامج المنح الدراسية الذي مكن أجيالا من الشباب الفلسطيني من متابعة الدراسة في الداخل وفي الخارج، وعملت لدعم القطاع الصحي من خلال إقرار برامج للشراكة مع المستشفيات الرئيسية بالقدس وهي: «المطلع» و«المقاصد الخيرية» و«الهلال الأحمر» و«ماري يوسف»، لتحسين تجهيزاتها وإحداث أقسام طبية جديدة بها للتكفل بالأمراض المستعصية والمزمنة كالقصور الكلوي والأمراض السرطانية وأورام الدماغ وغيرها من التخصصات الدقيقة.
أما في مجال الإسكان، فإن الوكالة تبحث مع شركائها في القدس ومع وزارة الأشغال والإسكان في الحكومة الوطنية الفلسطينية إمكانية الرفع من وتيرة برامج الإسكان وتطويرها، بإشراك القطاع الخاص في هذا المجال، بما يضمن فاعلية أكثر لبرامج الإقراض الفردي والقروض الممنوحة من دون فوائد لتمكين المقدسيين من ترميم منازلهم أو بناء مساكن جديدة بهدف تحسين مستوى سكنهم في المناطق المكتظة بالسكان وفي الأحياء الأكثر هشاشة، وعلى الخصوص في محيط البلدة القديمة بالقدس.
وحظيت برامج دعم أنشطة الشباب والرياضة بحيز كبير من اهتمام الوكالة، من خلال مشاريع تأهيل أندية وملاعب رياضية ودور الشباب وتجهيزها بالوسائل والمعدات اللازمة، التي تجعل منها فضاءات للتربية والتثقيف، ومراكز تمكن الشباب من تطوير مهاراتهم في العمل الاجتماعي والتطوعي، وقد ترسخ مرة أخرى، دور وكالة بيت مال القدس الشريف، كمؤسسة تعمل وفق رؤية واقعية، حسب الأهداف المسطرة في إستراتيجية عملها بإيمان كبير بنبل المقاصد وسلامة الاختيارات لتحقيق السلام والتعايش في مدينة القدس، مهد الديانات السماوية وأرض الحضارات الإنسانية. ولن يتأتى إدراك الأهداف المسطرة إلا بتضافر الجهود لتعبئة التمويل اللازم للمشاريع المبرمجة والتزام الدول والحكومات بتنفيذ قرارات منظمة التعاون الإسلامي على مستوى القمة وعلى مستوى وزراء الخارجية، لدعم وكالة بيت مال القدس وتسهيل مهامها للقيام بواجبها تجاه السكان والمؤسسات المقدسية.