- التواصل التعليمي لـ«الناتو» في منطقة الخليج قد يخدم في جذب مناطق أخرى ذات أهمية إستراتيجية تساهم في استقرار العالم
- الجمع بين العمل الديبلوماسي والحوار السياسي والتعليم الأكاديمي والتدريب العملي ساهم في بناء شراكة فاعلة بين «الناتو» ودول الخليج
- الكويت والإمارات والبحرين وقطر انضمت لـ«مبادرة إسطنبول للتعاون» في تعاون أمني مع «الناتو»
- في عام 2009 تم إنشاء قسم الشرق الأوسط ضمن كلية «الناتو» للدفاع في روما ساهم في تطوير العمل
- الجهود المبذولة لبناء تفاهم متبادل للتهديدات الأمنية المشتركة أدت لتعاون فعال بين «الناتو» ودول الخليج
محمد هلال الخالدي
شارك الوكيل المساعد في جهاز الأمن الوطني الشيخ فواز مشعل الجراح الصباح في التجمع السنوي لبرنامج ميونخ للقيادات الشابة، والذي يحتفل هذا العام بذكرى مرور عشر سنوات على انشائه، والذي اقيم على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بحضور شخصيات سياسية بارزة من بينها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر.
وقدم في مشاركته ورقة بحثية مهمة حول «التعاون الأمني: توسيع التحالفات» بالتعاون مع كبير مستشاري منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الالماني رولف شفارتز. وتم نشر الورقة في مجلة «شباب ميونخ القيادي» ضمن مجموعة الأوراق المقدمة من المشاركين بالبرنامج.
علماً بأن برنامج ميونخ للقيادات الشابة يقام بشكل سنوي منذ ٢٠٠٩، بالتعاون بين «مؤتمر ميونخ الأمني» ومعهد كوربر الألماني، حيث شارك الشيخ فواز الصباح ممثلا عن جهاز الامن الوطني في النسخة الاولى من البرنامج عام ٢٠٠٩، تناولت الدراسة أهمية «مبادرة اسطنبول للتعاون» والتي أطلقها حلف شمال الأطلسي (ناتو) في عام 2004، ليوسع من خلالها دائرة التعاون الأمني بإدخال دول من خارج «الناتو»، ليكونوا شركاء في ضمان الأمن والاستقرار في عالم مضطرب، وتحدث فيها كذلك عن مشاركة الكويت في عضوية هذه المبادرة ودورها الكبير في عدد من العمليات الأمنية وبرامج التدريب، بهدف تحقيق السلام العالمي، وفيما يلي نص الدراسة:
في قمة اسطنبول المقامة في يونيو 2004، أطلق حلف شمال الأطلسي (ناتو) مبادرة خاصة للشراكة مع عدة دول في منطقة الخليج، أطلق عليها «مبادرة اسطنبول للتعاون»، كانت جزءا من جهود أكبر بدأت منذ نهاية الحرب الباردة، بهدف تطوير شراكات أمنية مع دول من خارج الناتو، تساهم، وهذا هو الأهم، في تعزيز القدرات الدفاعية لهذه الدول، وتطوير قدراتهم على العمل العسكري مع الناتو، مما يساهم في استقرار مشروع الحلف في محيطه الكبير والمباشر.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الارهابية، وفي أعقاب المخاوف الاقليمية المتزايدة بشأن البرنامج النووي الايراني، سعى حلف الناتو إلى توسيع شراكته في منطقة الخليج بهدف التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار النووي المحتمل.
كان التحالف بوضع جيد لتحقيق ذلك، ولم يقتصر الأمر على نجاح الحلف في تحويل ذاته من منظمة حرب باردة إلى منظمة تتعامل مع مجموعة جديدة من التحديات الأمنية للمنطقة الأوروبية الأطلسية ـ التهديد الإرهابي الأكبر ـ فحسب، وإنما أيضا باكتساب خبرة جيدة في العمل والتعاون مع العالم العربي، حيث أجرى الحلف حوارا أوسطيا استمر لعشرة أعوام، مع الجزائر، مصر، إسرائيل، الأردن، موريتانيا، المغرب وتونس.
أبدى مسؤولون كبار من أربع دول خليجية اهتماما كبيرا بالتعاون، إلا أن متابعة العمل في هذا المشروع كانت في غاية الصعوبة، خاصة أن قلة من دول الخليج كان لها تمثيل ديبلوماسي في بلجيكا، حيث مقر حلف الناتو.
فعلى سبيل المثال، اضطرت البحرين إلى تكليف سفيرها في باريس بمتابعة شؤون الناتو في بداية الأمر، وعندما تبين مدى صعوبة هذا النهج، عملت على متابعة العمل من خلال ممثل مجلس التعاون الخليجي في الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وهو ديبلوماسي بحريني آنذاك.
الامارات العربية المتحدة كانت أول دولة خليجية تفتتح مكتبا للاتصال مع الناتو في عام 2008، وقامت بإرسال قائد عسكري كبير إلى بروكسل، تلتها بافتتاح بعثة ديبلوماسية في مقر الحلف في عام 2012، ثم حذت دول خليجية أخرى (البحرين، الكويت وقطر) حذو الامارات منذ ذلك الحين.
اليوم، يوجد أربع دول اقليمية انضمت لما أطلق عليها «مبادرة اسطنبول للتعاون»، هي: البحرين، الكويت، قطر والامارات العربية المتحدة.
كما تمت دعوة المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان للانضمام، إلا أنهما لا تزالان خارج الحلف رسميا، لكنهما يشاركان في بعض أنشطة المبادرة، مثل الدورات التدريبية التي تقدمها كلية حلف الناتو للدفاع ومقرها في روما، في حين انخرطت الدول الخليجية الأربع الأخرى في مبادرة اسطنبول للتعاون بشكل كامل، حيث توفر لهم هذه المبادرة «تعاونا أمنيا ثنائيا مع الناتو بشكل عملي».
والأهم من ذلك، تعمل هذه الدول مع حلف الناتو من أجل الوصول إلى تعاون ثنائي يضمن تعزيز قدراتها وامكاناتها الدفاعية.
ولتحقيق ذلك، يسمح الناتو لضباط من هذه الدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول للتعاون» بالمشاركة في برنامج تقييم القدرات التشغيلية، والذي يمكنهم بعد ذلك من تطوير قواتهم المحلية للعمل وفقا لمعايير وإجراءات الناتو.
كما تشارك الدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول للتعاون» في برامج من شأنها تطوير وتحديث مؤسساتها الأمنية المحلية، وتدريب قواتها بشكل أفضل. كما يخطط الناتو لدعوة ضباط من الدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول» للخدمة في هيئة الأركان العسكرية الدولية مستقبلا.
في المحصلة، تهدف هذه البرامج والمشاركات إلى زيادة قدرات دول الخليج على مواجهة التحديات الأمنية الاقليمية، سواء بمفردها أو بالتعاون مع حلف الناتو.
في البداية، اتخذ التعاون الخليجي مع الناتو شكل الديبلوماسية العامة، وبالنسبة للناتو، كان المهم هو بدء عملية بناء فهم متبادل للتهديدات الأمنية المشتركة مع دول الخليج، ودمج جيوشها وكذلك المسؤولون الحكوميون، قادة الرأي والأكاديميون، وممثلو المجتمع المدني والمؤسسات الاعلامية، ليكونوا كجزء من الديبلوماسية العامة، كما قام أعضاء «مبادرة اسطنبول للتعاون» بمتابعة مجموعة من المؤتمرات الديبلوماسية في منطقة الخليج.
في هذا السياق، قام مجلس حلف الناتو بزيارة الكويت في عام 2006، والبحرين في عام 2008، والامارات في عام 2009، وقطر في عام 2010.
في اطار التعاون والتنسيق المشترك بين الناتو ودول الخليج، قام حلف الناتو بإنشاء قسم الشرق الأوسط ضمن كلية الناتو للدفاع ومقرها روما في عام 2009، وذلك ضمن سياق التعاون الاقليمي بينهما، حيث تقدم الكلية دورات تدريبية خاصة للضباط والديبلوماسيين من دول الخليج والدول الأعضاء في حلف الناتو، تتناول مختلف القضايا الأمنية التي تؤثر على الدول الأعضاء في الناتو وكذلك الدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول للتعاون»، بهدف تطوير فهم مشترك يكون بمنزلة أساس ترتكز عليه برامج التعاون الأمني بين هذه الدول بشكل ملموس، كما يساهم قسم الشرق الأوسط حلف الناتو في تطوير «خبرة داخلية حول شؤون الشرق الأوسط».
وعلى الرغم من كونهما ليسا عضوين في «مبادرة اسطنبول للتعاون»، إلا أن المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان تساهمان بشكل فعال في تلك الدورات والبرامج الأكاديمية في كلية الشرق الأوسط.
ومؤخرا، أصبح أحد الضباط الكويتيين أول عضو هيئة تدريس في هذه الكلية من دول «مبادرة اسطنبول للتعاون»، بما يؤكد الأهمية الاقليمية لأعضاء هذه المبادرة الأمنية.
في يناير 2017، تم تعزيز بناء جسور التواصل الأكاديمي بين حلف الناتو وأعضاء مبادرة اسطنبول بشكل أكبر من خلال افتتاح المركز الاقليمي التابع لحلف الناتو في الكويت.
وخلال الافتتاح، عقد مجلس حلف شمال الأطلسي (ناتو) اجتماعا مهما ضم وزراء خارجية الدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول للتعاون»، كما حضر الاجتماع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. وحتى في روما، تتم دعوة السعودية وسلطنة عمان تلقائيا لحضور الدورات التدريبية المتقدمة التي يعقدها الناتو، حيث يشاركان فيها بانتظام.
في بداية الأمر، كانت الآمال معقودة على أن يحقق التعاون الأمني بين حلف الناتو والدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول للتعاون» تفاهما مشتركا يساهم في تيسير العمل بين هذه الدول، وهذا ما تحقق فعلا وهو ما يؤكده الواقع اليوم.
فقد ساهمت دول «مبادرة اسطنبول» بشكل متزايد في تعزيز الأمن وتزويد حلف الناتو بالمعلومات الأمنية المهمة التي كان لها دور إيجابي في نشاط الحلف، وبالتالي في تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتعد القوة الدولية في أفغانستان مثالا واضحا على ذلك.
ففي العام 2003 بدأت القوة الدولية أول مهمة برية لحلف الناتو خارج أوروبا. ولم تقتصر المشاركة الأمنية على السلطات الأفغانية، بل ضم التحالف الدولي حوالي 50 دولة من خارج الناتو، ساهمت دول الخليج معها بقوة، وقد ساهمت دول «مبادرة اسطنبول للتعاون» في تسهيل العمل العسكري وتوجيهه بشكل فعال من خلال الدعم اللوجستي والسياسي.
فقد ساهمت البحرين والامارات بقوات عسكرية، فيما ساهمت الكويت وقطر بدعم كبير في مجال النقل، إضافة إلى مساهمة جميع الدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول» في توفير غطاء من الشرعية الدولية ليتمكن حلف الناتو من أداء مهامه في تلك المناطق الشاسعة، وبدقة أكبر.
من الأمور المهمة أيضا، أن مشاركة الدول الإسلامية في عملية الناتو ساهمت بشكل فعال في التغلب على التصور السائد بأن الهدف الأساسي للتحالف هو الإسلام وليس المتطرفين.
في هذا السياق، أدت الشراكات والتعاون مع الدول الإسلامية الى تعزيز قبول جهود الاستقرار التي يقودها حلف الناتو بين المجتمعات المحلية، كما ساهمت قطر والامارات في عملية أخرى قادها حلف الناتو في ليبيا عام 2011، من خلال توفير قوات وطائرات عسكرية. ويذكر أن مسؤولين كبارا من دول الخليج أكدوا خلال افتتاح المركز الاقليمي للناتو في الكويت عام 2017 بأن «مبادرة اسطنبول للتعاون» ساهمت بشكل فعال في تعزيز «السلام والأمن العالميين».
لقد ساهم الجمع بين العمل الديبلوماسي والحوار السياسي والتعليم الأكاديمي والتدريب العملي، كما أثبتت التجربة في أفغانستان وليبيا، ساهم في بناء شراكة ذات صلة بين دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) وبين دول الخليج كل على حدة، تلك الشراكة التي أثبتت فاعلية هذا التعاون على مختلف الجبهات، خاصة ضد الإرهاب، وفي طريق تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
برغم الانجازات، ومع ذلك هناك حاجة لمزيد من الجهود، أهمها حاجة حلف الناتو إلى البقاء نشطا في المسائل ذات الأهمية لدى بلدان المنطقة.
في تصوره الاستراتيجي لعام 2010، التزم الناتو «بتطوير شراكة أمنية أعمق مع شركائنا الخليجيين». لا شك أن هذا يتطلب أيضا من الناتو تناول مخاوف المجموعة الفرعية من أعضاء الناتو الذين يفضلون التركيز على التحالف الشرقي بدلا من الجناح الجنوبي.
وفي الآونة الأخيرة، يعد استهداف ناقلات النفط في منطقة الخليج فرصة أخرى لحلف الناتو للقيام بدور فاعل لنشر أو قيادة جهود تأمين خطوط امدادات الطاقة الحيوية.
مع استمرار المنطقة في التأثير بقوة على الأمن الأوروبي الأطلسي، ستبقى الشراكة بين الناتو والدول الأعضاء في «مبادرة اسطنبول للتعاون» ذات أهمية قصوى، لقد أنشأ الناتو أدوات مبتكرة لإدارة علاقته بالمنطقة، من بينها، النهج الذي أثبت نجاحه والذي صمم خصيصا لكل دولة عضو بأن سمح لها بالاختيار من «قائمة» ضمن «الأنشطة الثنائية» ما يناسبها، وهو مكن الناتو من تلبية الاحتياجات الوطنية لشركائه، مع الاستمرار في المساهمة في الأمن الاقليمي ككل.
كما يعد التواصل التعليمي للتحالف مع الشرق الأوسط الكبير من خلال دورات التعاون الاقليمي أداة ناجحة كذلك، يمكن أن تجذب مناطق أخرى ذات أهمية استراتيجية، آسيا على سبيل المثال، حيث يمكن أن تساعد هذه البرامج العلمية المتعلقة بالقضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك على تعزيز تعاون أكبر مع الناتو.