- عبدالعزيز السدحان: السلف الصالح اتبعوا السنة النبوية في شؤونهم عقائدياً وتعبدياً وفي المعاملات
- منهج السلف يتميز بالثبات والدوام مع تغير النوازل واختلاف العصور والأزمان
ضمن فعاليات مخيمها الربيعي الثامن والعشرين، نظمت لجنة الدعوة والإرشاد التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي في الجهراء محاضرة بعنوان «على خطى السلف» حاضر فيها الشيخ د.عبدالعزيز السدحان من المملكة العربية السعودية، والذي بدأها بتعريف معنى «خطوة» لغويا، وهي جمع خطوات، وهي تأتي بمعنى المسافة بين القدمين في المشي، ودلل أن القرآن الكريم قد جاء به في التحذير من خطوات الشيطان في قوله تعالى: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان)، واستوقف السدحان الجمهور بقوله: إن بعض الناس يعتقد أنه إذا جاءت كلمة خلاف ما جاء بها في لفظ القرآن، أنها ليست بفصيحة، ولا يعاب في تعريف خطى أنها ليست بفصيحة، بما أنها لم ترد في القرآن، واشار السدحان الى قول الشافعي: ان لغة العرب لا يحيط بها إلا نبي أو رسول، فلا ينبغي المسارعة بتخطئة لفظ بزعم أن القرآن قد جاء بلفظ آخر، فالعرب لغتهم واسعة في الاشتقاقات والتصاريف والتراكيب. بعد ذلك بين السدحان معنى كلمة «السلف» التي تطلق على أكثر من معنى، لكنها في العموم لها إطلاقان، الأول: أن السلف تطلق على وقت زمني، فإذا أطلق السلف الصالح، فهم أصحاب القرون الثلاثة الأولى الذين جاء تفضيلهم في قوله صلى الله عليه وسلم «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، أما الإطلاق الثاني لمعنى كلمة السلف، فهي المشار لها عقائديا، فهي تمثل الثلة المباركة من القرون السابقة المتمثلة بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعيهم.
ثم تناول الشيخ السدحان منهج سمات السلف وعددها وحصرها في صفات عدة وهي: الثبات، حيث أكد أن منهج السلف يتميز بالثبات والدوام، مع تغير النوازل واختلاف العصور، والأزمان، والأمصار، مدللا على أن القوانين الوضعية في حياتنا الدنيا، تتغير وتتقادم، يؤخر بعضها ويلغى بعضها، أما أحكام الشريعة التي يؤمن بها السلف ويعتقدونها، فهي ثابتة ودائمة من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، مشيرا إلى أن الاختلاف فيها فيما يقدره العلماء من المصالح وتغليبها ودرء المفاسد. وعن السمة الثانية قال الشيخ السدحان: من سمات منهج السلف أن أصحابه أشد الناس تعظيما للحرمات والشعائر، كما جاء في قوله تعالى: (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)، فهذا التعظيم للشريعة ولأحكامها يكون حاضرا في مذهب السلف، تعظيما في القلب، وتمثلا بالحياة. كما تميز منهج السلف الصالح باتباع السنة النبوية في شؤون حياتهم جميعها عقائديا وتعبديا وفي المعاملات، وهي السمة الثالثة لمنهجهم، كما أنه منهج متكامل، وأن الإسلام من خلال هذا المنهج جمع الفضائل كلها الحسي والمعنوي، فمنهجهم يتميز بفقه التعامل مع الآخرين، فالسلفي يتعامل مع كل أحد بحسبه، وهذه هي السياسة الشرعية في منهج النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يتعامل مع الملوك، عندما كتب إلى هرقل قال: «إلى هرقل عظيم الروم»، فأنزل الناس منازلهم، مستشهدا بقول ابن حجر في هذا الموقف: ذكر النبي ذلك لهرقل، لأن العظمة تليق به، ثم ذكر موقفا يبين فقه التعامل مع الآخرين، حينما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ في إطالته للصلاة «أفتان أنت يا معاذ»، فزجره، لأن معاذا قدوة، ذاكرا موقفا مضادا من ذلك في فقه تعامل النبي صلى الله عليه وسلم، حينما بال الأعرابي في المسجد، وهم به الصحابة فقال: «دعوه لا تزرموه»، لأنه جاهل لا يعرف حرمة المساجد، فرفق به، ولما قال الآخر للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وما شئت، قال له النبي: «أجعلتني لله ندا».
وبين السدحان أن السلف رضوان الله عليهم في الفتن، والملمات، التي ألمت بالأمة الإسلامية طوال العصور، قادوا الأمة نحو بر الأمان، وهذا يدلل على فقه السلف في التعامل وقت الفتن والأزمات، الذي تذهل فيه النفوس عن النصوص، وتوزع التهم، وتختلف الأنظار، وتساء فيه الظنون، لكن من يلزم منهج السلف، يعلم أن القوم كالنور في الظلام الدامس، لما هداهم الله من لزوم هذا المذهب، مبينا أن منهج السلف في قواعده وأصوله وأركانه، مبني على العلم بدءا من المعتقد إلى السلوكيات والرقائق.
وأوضح المحاضر أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تعرضت الأمة لفتن ومحن، ولولا حفظ الله لها، ثم لدور أبي بكر الصديق والصحابة، لتفرقت الأمة، وكان لأبي بكر الصديق ـ لما حظي به من العلم أكثر من غيره ـ دور حيوي في ثبات الأمة، ومنها اختلاف الصحابة في مكان دفن النبي صلى الله عليه وسلم، فحسم أبو بكر الصديق خلاف الصحابة في ذلك، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يدفن النبي حيث قبض، وساق موقفا للنبي صلى الله عليه وسلم مبرهنا على ضرورة التبصر بالدليل لمن يكون له تأثير على الناس، كما جاء في بعض المواقف مع عمر رضي الله عنه، ففي وقت الأزمات والفتن، لا يقدم المؤمن خطوة، ولا يؤخر أخرى، إلا بعلم وببصيرة. وذكر السدحان أن من آفات هذا الزمن كثرة الإشاعات، وتأثر الناس بالعواطف، ومنهج السلف في ذلك ينصب للتحذير من الإشاعات، والانسياق وراء العواطف التي إن لم تزم بزمام العلم الشرعي، فإنها تنقلب إلى عواصف وتبدأ بصاحبها، مبينا أن من آفات وسائل التواصل الاجتماعي في هذا العصر انتشار عبارة «انشر تؤجر»، وأقول: انشر تؤزر، فلا تنشر أي شيء إلا بعد التحقق والتثبت.
كذلك من سمات منهج السلف الاحتساب، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد تعرض للمسلم معصية صغيرة، ولكن بسوء التعامل معها من قبل بعض الناس، قد تعظم تلك المعصية، وتتضاعف على الرغم من أن فقه التعامل مع هذا الفعل يتطلب تحجيمه، وتذكير صاحبها بلطف وأدب، حتى تتلاشى تلك المعصية فيتوب صاحبها. ورد السدحان في محاضرته على أعذار بعض الدعاة بإهمال أسرهم وأولادهم بحجة الانشغال بالدعوة إلى الله، داعيا إلى التمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فليس أحد أكثر انشغالا منه، فقد كانت لديه مهمات كبيرة، كقيادة الجيوش، وتقسيم الغنائم، والإمامة الصغرى والكبرى، ويستقبل الوفود، ويشيع الجنائز، ويعود المرضى، ويصلح ذات البين، ويخاطب الملوك، ويداعب الصغار، وهلم جرا، ومع هذا كله يقول صلى الله عليه وسلم «خيركم خيركم لأهله وأن خيركم لأهلي»، فسياق الأعذار بتضييع الأهل والأولاد بدعوى طلب العلم عذر مردود على صاحبه، وفي الغالب لا يبارك له في وقته، لأنه ضيع أمرا أمر بحفظه.
وختم عبدالعزيز السدحان محاضرته بتبيان مزية للسلف، أنهم أحسن الناس أخلاقا في غير خرم مروءة أو ذل وهوان، قال ربنا عن نبينا: (وإنك لعلى خلق عظيم)، يقول بعض علماء الشافعية: وتعظيم العظماء للشيء يدل على توغله في العظمة، فكيف إذا كان المعظم أعظم عظيم ـ تبارك وتعالى؟! فصاحب الخلق إذا غاب فقده الناس، وخلقه يشفع له، فبعض الناس لديه علم، ولكن يفسد قبول الناس لعلمه بسوء خلقه.