افتتحت جمعية إحياء التراث الإسلامي المخيم الربيعي الثاني الذي تنظمه لجان الدعوة والإرشاد في محافظة الفروانية والتابعة لها تحت شعار قوله تعالى: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة).
وقد كان أول أنشطة المخيم كلمة لسماحة مفتي المملكة العربية السعودية عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ حول «أهمية ثبات الدعاة في زمن المتغيرات» قال فيها: إن الدعوة الى الله خلق كريم ووظيفة أنبياء الله ورسله ومن سار على نهجهم (قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)، وأخبر جل وعلا عن فضل الداعي الى الله بقوله: (ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين)، فلا أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا والتزم الإيمان والعمل، وقال إنني من المسلمين، بمعنى أنه التزم ظاهرا وباطنا واستقام على الخير ولم يخالف قوله عمله، بل ان قوله وعمله متطابقان، وقال سبحانه وتعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، فالدعوة الى الله تكون بالحكمة بمعنى تبيان الحق وبالموعظة لمن خالف والمجادلة بالتي هي أحسن لمن عنده آراء شاطة حتى يقتنع ويعلم الحق ويدركه ويفهمه.
وأوضح آل الشيخ أن الدعوة الى الله من أجل الأعمال، يقول صلى الله عليه وسلم: «من دعا الى هدى كان له من الأجر بمثل أجور من تبعه الى يوم القيامة لا ينقص ذلك منه شيئا».
فيا أيها الداعي الى الله كن مخلصا في دعوتك حتى تكون دعوتك مقبولة، ولتختر الكلام المناسب والمكان المناسب، فلابد للداعي أن يكون عنده علم بحال المدعوين، لأن للعلماء خطابا وللجهلاء خطابا.
وأضاف أن على الداعي أن يختار الأسلوب المناسب لكل فئة، لأن ذلك سبب لاستمرار دعوته ومضيها، وعليه أن يكون رفيقا أثناء الدعوة، فيتخلق بالرفق في دعوته، فلا يكون عنده عنف في دعوته، وأن يكون ذا حلم على المدعوين لو أسمعوه قولا سيئا، ولابد من حلم وعفو وصفح وتجاوز، وأن يصبر على ما يصيبه، لأن الناس إذا جاءهم أحد بخلاف أهوائهم لابد أن يؤذوه.
وبين أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل، فنوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وما آمن معه إلا قليل، ومحمد صلى الله عليه وسلم ناله من الأذى ما ناله، وصبر على قومه. فلابد للداعي من صبر، وألا يأمل انقياد الناس جميعهم له، فلابد أن يكون هناك معارض ومنازع، فعليه الصبر والاحتساب وحسن النية، وأن يكون حريصا على الإخلاص والحلم والعلم النافع والرفق والتحمل، وأن يعرض عن الجاهلين، وأن يستمر في دعوته لأنه على طريق الخير. وإذا كان الداعي عجولا يريد هداية الناس بسرعة فإنه لا يصلح، فالنبي مكث في مكة بضع عشرة سنة يدعوهم وهم يؤذونه. فالداعي الى الله عليه أن يقتبس من هدي النبوة في سبيل دعوته، حتى يستعين بها، وتكون نبراسا في دعوته يسير عليها، ويستقيم عليها ففيها الخير الكثير والنفع العام.
بعد ذلك تحدث الداعية د.عبدالعزيز السدحان من السعودية حول المحور الثاني من المحاضرة، وهو «تأصيل المنهج الدعوي في ضوء الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة»، وفي بداية كلمته شكر جمعية إحياء التراث الإسلامي على جهودها الطيبة في نشر العلم الشرعي، داعيا الله تعالى أن يجزي القائمين عليها خير الجزاء.
وبين أن أهل العلم من سلف الأمة قد أشبعوا هذا الموضوع في كتبهم، وقد أوضحوه أتم إيضاح، حيث أن وظيفة الدعوة الى سبيل الله من أشرف الوظائف ومن أرفعها قدرا، وهذه الدعوة صوابها أن تكون النصوص الشرعية هي المصدر له في رسالته الى الناس.
ثم تحدث الداعية إبراهيم الأنصاري حول نفس المحور، فقال إن تأصيل المنهج الدعوي هو رد الناس إلى الأصول التي كان عليها أنبياء الله في دعوتهم، ودعوة الأنبياء قامت على ثلاثة أصول، فالذي ينظر في كتاب الله عز وجل سيجد هذه الأصول واضحة، حتى انها تجتمع في آية واحدة، وقد تأتي متسلسلة في آيات عديدة، ونحن نحتاج الى نظر وتدبر في كتاب الله عز وجل.
وتابع: قد يتساءل الإنسان لماذا التركيز على هذا الموضوع، فنقول: لأن هذا هو دعوة الرسل، وهذا ما جاء به أنبياء الله تبارك وتعالى، ولو اختصرنا القول، فإن دعوة الرسل قامت على أصول ثلاثة هي: بيان عظمة الله، وعلى بيان الزاد الذي يجب أن يحمل في الطريق وهو الذكر والشكر والعبادة، وعلى الجزاء الأخروي.
وأضاف أن العلم من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن طلب العلم من غير هذه الأصول لن يدرك العلم، بل انه ليس هناك علم، ويقول ابن القيم ـ رحمه الله: «والعلم أقسام ثلاثة ما لها من رابع والحق ذو تبيان العلم بأوصاف الإله، وفعله، وكذلك الأسماء للرحمن، والأمر والنهي الذي هو دينه، وجزاؤه يوم المعاد الثاني، والكل في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث في الفرقان، والله ما قال امرؤ متحذلق بسواهما إلا من الهذيان». فالأصول جاءت بأقوال واضحة وبعبارة سهلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المشكلة تكمن في النفوس، والانحرافات التي تحصل فيها. يقول تعالى: (قرآنا عربيا غير ذي عوج)، ومع هذا الأمر الواضح، وعبارة النبي صلى الله عليه وسلم أوضح كذلك، فلماذا ينحرف الإنسان؟
وأوضح الأنصاري أن من انحرف عن هذا المنهج الصحيح، وهذه الأصول الواضحة البينة، فاعلم أن هذا من خذلان الله تبارك وتعالى. وقد يتساءل بعض الناس حول الحديث عن هذه الأصول، ولم التأكيد عليها؟ فنقول: إن لم نؤكد على هذه الأصول فسيؤدي الانحراف إلى تحطيمها، بل أقول: إذا لم نقرر الأصل الذي فيه إثبات الأسماء والصفات والأفعال لله عز وجل فستتحكم الأصول الأخرى. فعندما يأتي الإنسان إلى أسماء الله وصفاته، وينظر إلى الأصل الثاني وهو الذكر، فبأي شيء يكون الذكر إن لم تكن هناك أسماء وصفات. وما تكلم الأئمة والعلماء قديما وحديثا إلا لما عرفوه من الشر الذي سيحصل على هذه الأمة، فهناك من يريد أن نداوي الأمة بالداء، وأن نأخذ العزة من الأذلاء، فالذل ملازم لكل من خالف منهج الله عز وجل.