بقلم: العميد المساعد للشؤون الطلابية بكلية الشريعة بجامعة الكويت - د.مطلق الجاسر
خلال الايام الماضية، اجتاح العالم وباء هزّ اركان دول العالم فضلا عن غيرهم، وهو وباء كورونا (كوفيد ـ 19)، وقد افتت عدة هيئات شرعية ولجان افتاء في عدد من الدول ومنها الكويت بإغلاق المساجد ومنع صلاة الجمعة والجماعة فيها مؤقتا حتى يزول هذا الوباء، لأن اجتماع الناس في مكان واحد يكون سببا لزيادة انتشاره.
ولا شك ان اغلاق المساجد يفتح باب حزن على قلوب المؤمنين، لكن العلم والفتوى شأن لا تحركه العواطف، واحببت ان افصل القول في مسألة النداء «صلوا في الرحال»، وورد في هذه المسألة عدة احاديث منها: عن نافع قال: أذّن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال: «صلوا في رحالكم»، فأخبرنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنا يؤذن ثم يقول على اثره «ألا صلوا في الرحال» في الليلة الباردة، او المطيرة في السفر (رواه البخاري).
وعن عبدالله بن الحارث قال: خطبنا ابن عباس في يوم ردغ، فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة فأمره ان ينادي «الصلاة في الرحال»، فنظر القوم بعضهم الى بعض، فقال: فعل هذا من هو خير منه وانها عزمة. (البخاري ومسلم).
وفي لفظ للبخاري: قال ابن عباس لمؤذنه اذا قلت: أشهد ان محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: «صلوا في بيوتكم»، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني.
وعن اسامة الهذلي رضي الله عنه ان يوم حنين كان يوم مطر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه ان «الصلاة في الرحال» (ابو داود).
ولفظه عند ابن خزيمة: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية واصابتنا سماء لم تبل اسفل نعالنا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن صلوا في رحالكم» (ابن خزيمة).
عن نُعيم بن النحام رضي الله عنه قال: كنت مع امرأتي في مِرطها في غداة باردة، فنادى منادٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم الى صلاة الصبح، فلما سمعت قلت لو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قعد فلا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم، قال: «ومن قعد فلا حرج». (ابن ابي شيبة).
وهل يختص ذلك بالبرد والمطر فقط؟
لا يختص هذا الحكم بالبرد والمطر، بل يشمل كل ظرف مانع يرى اهل العلم انه يحول بين المسلمين والمساجد.
قال الحافظ ابن عبدالبر - رحمه الله: «وفيه ايضا من الفقه: الرخصة في التخلف عن الجماعة في الليلة المطيرة والريح الشديدة، وفي معنى ذلك كل عذر مانع وأمر مؤذ، وإذا جاز التخلف عن الجماعة للعشاء والبول والغائط فالتخلف عنها لمثل هذا أحرى.
والسفر عندي والحضر في ذلك سواء، لأن السفر ان دخل بالنص دخل الحضر بالمعنى لأن العلة من المطر والأذى قائمة فيهما. وقال الإمام النووي - رحمه الله: «هذا الحديث دليل على تخفيف امر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار» (شرح صحيح مسلم).
وقال ابوالعباس القرطبي - رحمه الله: «ظاهر هذين الحديثين جواز التخلف عن الجماعة والجمعة للمشقة اللاحقة من المطر والريح والبرد، وما في معنى ذلك من المشاق المحرجة في الحضر والسفر».
ما الصيغة الواردة في ذلك؟
مما سبق من الأحاديث نجد انها قد وردت بصيغ متعددة، ومنها: «صلوا في رحالكم»، و«ألا صلوا في الرحال»، و«الصلاة في الرحال» و«صلوا في بيوتكم» و«من قعد فلا حرج» وعليه فيجوز للمؤذن الإتيان بأي صيغة من هذه الصياغ الواردة.
وكم مرة يقولها المؤذن في الأذان؟
روى الإمام البيهقي في سننه عن نافع ان ابن عمر نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر او ذات ريح في سفر يقول: «ألا صلوا في الرحال»، فدلت هذه الرواية على ان هذه الصيغة تقال مرتين، وجاء في حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج الى شرح المنهاج: قوله: «ألا صلوا في رحالكم» أي مرتين.