فقدت الكويت أحد رموزها الدينية الكريمة ليلة السابع والعشرين من رمضان لعام 1441هـ، وهذا الشيخ الفاضل العالم الرباني الشيخ راشد الحقان إمام في الصدق والتجرد والتضحية والعطاء مع كرم الأخلاق وسخاء النفس وبشاشة الوجه وحلاوة الحديث الذي يخرج من صميم القلب.
عرفت هذا العالم الرباني وأنا أزوره في مسجده، وهو من تواضعه يزورني في مكتبي، أحببته حبا كثيرا وان لم تكن اللقاءات كثيرة ولكني كنت أتتبع أخباره وأسمع القصص العجيبة في حياة هذا العالم الرباني، وهو مع قمة أخلاقه وروحانيته كان عالما شرعيا متمكنا ومحاورا عقديا على منهج أهل السُّنة والجماعة. صريح وواضح على قدر ما هو لطيف ومتسامح.
هذا الرجل العالم الرباني رغم تواضعه وبساطته تفتح له أبواب الأمراء والشيوخ وكبار الشخصيات من غير موعد مسبق ويستقبل بحفاوة كبيرة.
إنه درة الكويت في الشأن الديني، ورغم أنه مغمور بعيد عن وسائل الإعلام، إلا أنه وجد مكانه في قلوب الكويتيين وعامة المسلمين. وهو صمام الأمان للمجتمع الكويتي بما حباه الله عز وجل من صدق الإيمان وصدق الكلام. فاهتدى على يديه كثير من الشباب التائه الضائع في وديان الانحراف والفساد، كما اهتدى على يديه كثير من الشباب المتحمس والمتشدد إلى الاعتدال والتوازن. رحمك الله يا شيخنا الرباني، بمثل هذه الشخصيات الصادقة المخلصة ربما يرفع الله العذاب عن المجتمع بسبب أنفاسهم الطيبة ودعائهم لوطنهم.
فقد منّ الله عليّ بالصبر والتحمل إبان الغزو الصدامي الغاشم وخاصة في أيامه الأولى وما فيه رعب وأحداث مفجعة، ولكن ما ان أشيع أن الشيخ الرباني راشد الحقان قتل أو مات، حتى فزعت فزعا شديدا وقلت في نفسي إذا الله جل وعلا قبض روح هذا الرجل الرباني، ربما، الله أعلم والعلم عند الله، ان الله رفع العناية والرعاية عن هذا المجتمع. في تلك المحنة التي نحتاج فيها إلى دعاء الأتقياء الأنقياء، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره» (رواه مسلم).
ولكن السكينة والطمأنينة رجعت عندما علمت أنها إشاعة وليست حقيقة، وللرجل الرباني مواقف كثيرة تجسد معاني الإيمان، والمقربون منه يعرفونها أكثر مني، وعليهم إبرازها لتتعلم الأجيال من تلك المواقف المعاني العظيمة، وأنا أضرب مثلا واحدا، وذلك عندما حصل حادث لابنه الكبير إبراهيم، وفقد في الحادث عينيه، فما رأيته إلا صابرا محتسبا راضيا بقضاء الله وقدره إلى درجة أن الطبيب الذي لم يكن متدينا انبهر بالموقف وغير حياته كاملا نحو التدين والالتزام. وكما رأينا صبر الأب، رأينا أيضا صبر الابن الذي لم تتغير ابتسامته ومشاركته الاجتماعية مع الروحانية العالية. فالعالم الرباني الشيخ راشد الحقان مدرسة متكاملة في الأخلاق والدين والحب الإلهي ومدرسة في التربية، فقد ربى كثيرا من الأجيال الذين معه في العمل الدعوي، الإسلامي كما ربى ذرية طيبة مباركة معروفا عنها جمال الخلق والدين.
رحمك الله يا شيخنا وقدوتنا، ورحمك الله حيث أظهر أول إكرامه لك بأن اختارك في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك واختارك في العشر الأواخر واختارك في ليلة السابع والعشرين التي يظن أنها ليلة القدر.
فاللهم وسّع له في قبره وارفع درجته إلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء في الفردوس الأعلى واسقه شربة من حوض نبيك صلى الله عليه وسلم.
فمهما كتبنا وتكلمنا فلن نوفيك حقك يا شيخنا.