- إيران تعاني أزمات داخلية اقتصادية وأمنية وصحية وانتشاراً واسعاً لفيروس «كورونا»
- الكويت دعت إيران إلى إبداء حسن النية وبناء علاقات طبيعية مع دول الجوار
- بنود المبادرة الخليجية تشمل ضمانات للجم إيران ووقف سياساتها العدائية
- على إيران لإثبات جديتها تقديم خطوات عملية لإثبات التزامها بعدم تدخلها في الدول الأخرى
- «مبادرة هرمز» ناتجة عن تصاعد حدة التوترات بمياه الخليج العربي على خلفية توجه أميركا لـ «تصفير» صادرات النفط الإيراني
أعدها للنشر: محمد راتب
قامت وحدة الدراسات السياسية بمركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات بإصدار خاص حول «مبادرة هرمز الإيرانية.. الدلالات واستراتيجية التعامل» تناولت فيه المبادرة الإيرانية من حيث المبادئ والدلالات، والمواقف وردود الفعل، إضافة إلى بلورة مبادرة خليجية لإحلال الأمن في الخليج العربي.
وخلصت الدراسة إلى أن الخبرات السابقة لتحركات إيران ومناوراتها السياسية بالخليج حاكمة بفشل «مبادرة هرمز» والمحاولات الدولية لتسويقها ما لم تتخل طهران عن سياساتها المزعزعة لاستقرار المنطقة.
وما لا يمكن إغفاله هو أن المبادرة تأتي في ظل وضع اقتصادي خانق وتململ داخلي من سياسات الملالي، وانتشار لفيروس كورونا المستجد الذي دمر البنية الصحية لإيران وتسبب في إصابة عشرات الآلاف من أبنائها، ووجود مكثف للقوات الأجنبية بالخليج يحد من قدرة إيران على تصدير أدنى حد من مواردها النفطية، ناهيك عن التحرك بحرية في مياه الخليج والعبث بمقدرات دوله.
إن سياسة إيران المعتمدة على التغذي على الأزمات واستنزاف الوقت لصالح مشروعها الطائفي، هي التي انتجت «مبادرة هرمز»، ويبدو مسمى المبادرة التي أطلقتها إيران (هرمز) محاولة غير مباشرة لسلخ توصيف الخليج العربي عن المنطقة، فمع تصاعد حدة التوترات بمياه الخليج العربي على خلفية توجه أميركا لـ «تصفير» صادرات النفط الإيراني منذ مطلع مايو 2019، دفعت طهران باتجاه ممارسة أعمال القرصنة في مياه الخليج على ناقلات النفط الدولية لموازنة الضغوط بينها وبين الدول الخليجية والتأثير في قرارات القوى الدولية المستوردة للنفط من الخليج وصولا إلى مبادرة «هرمز» الإيرانية التي أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني عن طرحها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي مع تكثيف التواجد العسكري في المنطقة.
لقد قام البحث حول 3 محاور، الأول: المبادئ والدلالات حيث تناولت ما استعرضه وزير الشؤون الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من الخطوط العريضة لـ «مبادرة هرمز للسلام والأمن في منطقة الخليج» أو «مشروع الأمل» (Hormuz Peace Endeavor: HOPE) عبر مقال له نشر في صحيفة «الراي» الكويتية، والتي تعد على حد وصفه «خطة للتعاون الإقليمي» وتهدف إلى ضمان أمن الخليج ومضيق هرمز وخليج عمان، وقد تضمنت 4 مبادئ رئيسية.
ثم تناولت المبادئ الأربعة، وهي: الالتزام بأهداف ومبادئ الأمم المتحدة، والاحتكام إلى القانون الدولي في شأن أي منازعات بين دول المنطقة، وعدم الاعتداء ويتضمن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والمكانة المتساوية لكل دول المنطقة ورفض التهديد أو اللجوء للعنف في حل الخلافات، علاوة على تجنب المشاركة في أي حلف أو تحالف عسكري يستهدف أمن أي من الطرفين.
أما المبدآن الثالث والرابع فهما عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام المقدسات والرموز الوطنية والدينية لكلا الجانبين، وتوفير إطار إقليمي للأمن الجماعي بمشاركة دول المنطقة (السعودية ـ العراق ـ الكويت ـ إيران ـ قطر ـ الإمارات ـ عُمان ـ البحرين) في مجال الطاقة وضمان حرية الملاحة والنقل الحر للنفط والموارد الأخرى وتعزيز التبادل التجاري فيما بينها.
أما بخصوص دلالات توقيت طرح المبادرة فالتوقيت الذي طرحت فيه له دلالات هامة داخلية وخارجية أثرت في مجمل تحركات إيران، حيث تشهد إيران اضطرابات داخلية وموجات احتجاج مستمرة نتيجة لتردي الأوضاع المعيشية للشعب الإيراني بفعل العقوبات الأميركية، إضافة إلى إلغاء الاستثناءات من العقوبات الأميركية الممنوحة لخمس دول مستوردة للنفط الإيراني (تركيا ـ الهند ـ الصين ـ اليابان ـ كوريا الجنوبية) التي دخلت حيز التنفيذ في مطلع مايو 2019 في إطار سياسة أميركا لتصفير واردات النفط في خزينة إيران.
ومن الدلالات الزمنية أيضا أن واشنطن قامت بتشكيل تحالف دولي لتوفير أجواء آمنة لضمان حرية الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عمان، بمشاركة السعودية والبحرين والكويت وقطر والإمارات والمملكة المتحدة وأستراليا وألبانيا، إضافة إلى ردود الفعل الدولية الغاضبة إزاء الاعتداء الإيراني على منشأتي نفط سعوديتين منتصف سبتمبر الماضي، وتصاعد خطاب الانسحاب الأميركي من المنطقة كوسيلة للضغط على القوى الخليجية بشأن تأهيل طهران لدور شرطي الخليج في أعقاب الانسحاب المنتظر.
أما المحور الثاني من البحث فقد استعرض المواقف وردود الفعل مبتدئا بالدائرة الخليجية حيث يتبدى الموقف الخليجي الموحد إزاء المبادرة ضمنيا من خلال البيان الختامي للقمة الخليجية التي عقدت في العاشر من ديسمبر 2019، حيث باركت انطلاق أعمال التحالف البحري من البحرين لحماية الملاحة بمياه الخليج بقيادة أميركا ومشاركة خمس من دول مجلس التعاون، وهو التحالف المناقض لجوهر المطلب الإيراني الساعي لطرد القوات الأجنبية من المنطقة وعلى رأسها القوات الأميركية.
وكان للكويت وعمان موقف من هذه المبادرة حيث تعول طهران على علاقاتها مع عُمان والكويت في بذل جهود الوساطة بين إيران وباقي دول الخليج التي لا تجمعها علاقات مباشرة بطهران نتيجة لدورها التخريبي في أحداث الشغب بالمنامة عام 2011، والهجمات العدوانية من قبل طهران وميليشياتها على الأراضي السعودية والإماراتية.
وسعت إيران لاستمالة الكويت في دعم المبادرة وإرسالها مباشرة إلى كل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، وحثت الكويت على لسان سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد طهران على إبداء حسن النية تجاه دول الجوار وبناء علاقات طبيعية وتحسين علاقاتها مع دول العالم المستفيدة من المبادرة حتى يتم قبولها، وهو ما يعد رفضا ضمنيا من الكويت، لتمسكها بوحدة الصف الخليجي في مواجهة مساعي إيران لتفتيت مجلس التعاون الخليجي وإحداث شرخ في بنيته.
في حين أعربت مسقط عن رؤيتها للتهدئة بمنطقة الخليج عبر الدخول في حوار مفتوح وشامل بين إيران ودول الخليج، التزاما بسياسة التوازن التي أرساها السلطان الراحل قابوس بن سعيد، حيث تفضل السلطنة بعث رسائل التهدئة والبقاء على مسافة واحدة من المبادرة الإيرانية والعملية العسكرية الأميركية التي لم تشارك فيها.
أما ما يتعلق بالدائرة الدولية فقد اتخذت القوى الدولية مسارات متباينة في التعامل مع إيران، غير أنها اتفقت في أغلبها على طرح رؤى مغايرة لطرح طهران بشأن حرية الملاحة بالخليج، انطلاقا من الحاجة الماسة لوجود أطراف دولية تتولى الدفاع عن منطقة الخليج العربي في إطار الشراكات الأمنية الراسخة بمواجهة الاعتداءات الإيرانية أو تعمل بحد أدنى كضامن للسلام في الخليج، بجانب الحاجة لبناء نظام للأمن الجماعي يغطي كامل منطقة الشرق الأوسط.
عملية «الحارس البحرية»
فقد جاء موقف أميركا عبر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق عملية «الحارس البحرية» في 20 يوليو الماضي لتقويض التهديدات الإيرانية لحرية الملاحة عبر مضيق هرمز وانطلاقها فعليا في نوفمبر الماضي، وهو ما أفشل «مبادرة هرمز» قبل طرحها بتأكيد الشراكة الأمنية القوية بين أميركا والدول الخليجية.
الموقف الأوروبي
أما الموقف الأوروبي فقد احتضنت أبوظبي قيادة مهمة المراقبة الأوروبية بقيادة فرنسا، والتي حرصت على تأكيد تفردها عن التحالف الأميركي وموازنة مصالحها بين دول الخليج وإيران كونها مهمة مراقبة لحركة الملاحة، ولا تسعى لأي مواجهات مع طهران.
الموقف الروسي
وجاء الموقف الروسي عبر إعلان موسكو في 23 يوليو 2019 تبنيها لمبادرة جديدة، وتضمنت المبادرة بنودا مهمة في سبيل تدشين منظمة للأمن والتعاون بين دول المنطقة، ومن أبرز بنود المبادرة، بناء تحالف لمكافحة الإرهاب، وضمان التسوية السياسية في سورية واليمن، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع الالتزام المتبادل بالشفافية العسكرية والتباحث حول العقائد العسكرية، إضافة إلى توقيع اتفاقات لضبط التسلح وإنشاء مناطق منزوعة السلاح بين الجانبين، وإخلاء والمنطقة من أسلحة الدمار الشامل، وأخيرا تقليص الوجود العسكري الأجنبي تدريجيا بالتوازي مع رسوخ النظام الأمني المزمع تدشينه مع وجود قوى ضامنة لتنفيذ تلك البنود وهي: أميركا وروسيا والصين والهند والاتحاد الأوروبي.
الموقف الصيني
وبخصوص الموقف الصيني فهو يقترب من نظيره الروسي الساعي لتدشين نظام أمني متكامل يحقق الاستقرار في المنطقة، حيث أعربت بكين عن ترحيبها بالمبادرة، كما أن الموقف الصيني لا يتعارض مع المبادرة الإيرانية، بهذا المنطق إن لم يكن يدعمها في سياق تحقيق الاستقرار لسوق النفط العالمي وتقليص الوجود العسكري الأميركي بالشرق الأوسط.
وأما المحور الثالث فتضمن بلورة مبادرة خليجية لإحلال الأمن في الخليج العربي، حيث يتطلب الظرف الراهن من دول الخليج أن تدحض الفروض التي أقامت عليها طهران مبادرتها التي تعتبر امتدادا لمناورات السلام الزائف للالتفاف على الحصار الخانق الذي فرضته استراتيجية الضغط الأقصى، وتفضح ممارساتها العدائية تجاه الخليج، ومنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة من أجل تحييد الأطراف الدولية الداعمة للمبادرة، تمهيدا لفرض شروطها وفق مبادرة خليجية تحقق الأمن والاستقرار بالمنطقة.
وجاءت مسألة فرض الشروط عبر 3 مستويات الأول تحييد القوى الدولية ويستهدف تعميق الشراكات الاقتصادية والأمنية مع كل من روسيا والصين والهند واليابان لتحييد تلك القوى عن دعم أو تأييد الموقف الإيراني قبل الخوض في مفاوضات مباشرة مع نظام الملالي بتنازلات أكبر لإثبات حسن النية وذلك عبر توحيد المواقف الخليجية والدولية إزاء رفض المبادرة الإيرانية، مع تعزيز «المباحثات الخليجية الجماعية» مع القوى الدولية بشأن أمن منطقة الخليج العربي، وتوقيع اتفاقيات تعاون مع الصين في مجالات الطاقة النظيفة وتطوير منظومة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعزيز التعاون النفطي مع روسيا في إطار آلية «OPEC+»، وأخيرا توقيع اتفاقات تسليح مع كلا الجانبين في إطار تعزيز التعاون العسكري والأمني.
وأما المستوى الثاني فهو تصعيد الموقف الخليجي عبر إدانة تصريحات قادة الحرس الثوري بشأن الكويت والبحرين، وإطلاع القوى الدولية على قضايا التجسس في الكويت باعتبارها إخلالا بالتزامات طهران الدولية، ووقف تدخلات طهران المخلة بأمن الخليج والمنطقة العربية، ثم إبرام اتفاقات تتعهد بموجبها إيران بتقليص قدراتها الصاروخية ومنع امتلاكها أسلحة دمار شامل، والانسحاب من الجزر الإماراتية المحتلة والانسحاب غير المشروط من سورية، ووقف الدعم العسكري والمالي للحوثيين باليمن وميليشيات «حزب الله» بلبنان، ثم الانخراط الإيجابي في حل الأزمتين السورية واليمنية والانصياع لمقتضيات إيجاد تسوية سياسية شاملة.
وأما المستوى الثالث فقد تضمن المبادرة الخليجية التي انطلقت المبادرة من إيراد الضمانات اللازمة للجم إيران ووقف سياساتها العدائية من خلال توقيع اتفاق أمني يتضمن بنودا رادعة تشمل وجود قوة متعددة الجنسيات تتولى حماية الملاحة الدولية عبر مياه الخليج العربي، ثم التزام الأطراف الموقعة وعلى رأسها إيران بالتقاضي أمام المحاكم الدولية في المنازعات التي تنشأ بينها، وتدشين دائرة تقاضي بمشاركة الدول الخليجية لمحاكمة مثيري الفوضى من إيران أيا كانت مواقعهم، ومحاسبتهم على تصريحاتهم إزاء سيادة الدول الخليجية على أراضيها، إضافة إلى وقف المناورات العسكرية بمياه الخليج، وتبادل المعلومات بشأن الأنشطة النووية والصاروخية الإيرانية.
تتلخص مواقف دول السعودية والإمارات والبحرين في الرفض القاطع للمبادرة الساعية لتخفيف الضغوط الدولية على طهران في ملفات البرنامج النووي والنشاط التخريبي للميليشيات الإيرانية في المنطقة، والتي تمثل تهديدا لدول الخليج وتهديدا لعمقها، وانطلاقا من قناعة راسخة بأنها تخدم مصالح طهران وحدها وتتجاهل مصالح الخليج، وذلك في ضوء مجموعة شواهد:
أ ـ احتلال الجزر الإماراتية ورفضها الاحتكام إلى القانون الدولي.
ب ـ مبادرة عدم الاعتداء التي طرحتها طهران منتصف العام الماضي بوساطة عراقية في أعقاب استهدافها محطتي نفط وسط السعودية.
ج استهداف ناقلات النفط في مياه الخليج قبل إعلان انطلاق عملية «الحارس».
د ـ استهداف منشأتي نفط سعوديتين في خريص وبقيق منتصف سبتمبر الماضي.
هـ ـ مساعي طهران للسيطرة على ثروات منطقة الخليج عبر تفكيك بنية مجلس التعاون.
و ـ التصريحات الاستفزازية من قادة الحرس الثوري الإيراني بأن الكويت والبحرين أراض إيرانية.
السعودية والإمارات والبحرين.. رفض قاطع للمبادرة