- واشنطن تواجه 3 خيارات في التعامل مع رفع حظر السلاح أكتوبر المقبل
- مخاوف متزايدة من تداعيات إطلاق يد طهران في شراء التكنولوجيا العسكرية
- مواقف الصيـن وروسيا ستـؤثر على القرار النهـائي للولايات المتحـدة
أعد مركز «ريكونسنس» للبحوث والدراسات بالتعاون مع المجلس الأطلسي في واشنطن ورقة عمل حول تحركات واشنطن حيال الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران، وما هو متوقع من دول الخليج تحديدا والعالم بشكل عام في حال تم رفع هذا الحظر في أكتوبر المقبل.
وقد كتبت هذه الورقة المتخصصة وبالتعاون المباشر مع عدة مصادر حكومية وخاصة من الخليج وواشنطن، كيرستن فونتنروز عضو المجلس الاستشاري لمركز «ريكونسنس» في واشنطن ومديرة «مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط» في المجلس الأطلسي والمديرة السابقة لشؤون الخليج في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض.
وقد استهلت ورقة العمل بالقول ان النقاشات الخليجية ترى أن هناك 3 خيارات أمام الولايات المتحدة في قرار رفع حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران الذي يتبقى عليه أقل من 6 أشهر من الآن.
الخيار الأول: إقناع مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة بتمديد حظر الأسلحة، أو المخاطرة بطلب الولايات المتحدة إعادة جميع العقوبات التي رفعتها «خطة العمل الشاملة المشتركة الخاصة» وانهيار ما تبقى من الاتفاق النووي الإيراني، وليس من الضروري أن تظل الولايات المتحدة جزءا من خطة العمل الشاملة لتشارك في الاتفاق وذلك بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2231.
وإن كان ذلك الخيار غير مفضل خليجيا لهشاشته.
الخيار الثاني: العمل بشكل منفرد، من خلال فرض عقوبات على الشركات التي تنتج مكونات الأسلحة المصنوعة في إيران للتصدير، أو الأسلحة المصنعة في مكان آخر للتصدير إلى طهران، وقد يكون ذلك القرار معوقا لإيران مثل قرار حظر الأسلحة، ومع ملاحقة كل شركة تساهم ولو في تصنيع مسمار واحد في بندقيات القنص عيار 50 وبذلك تتعطل سلسلة الإمدادات الدفاعية لإيران، فضلا عن كونها ستبطئ عجلة الإنتاج في روسيا والصين المعتمدة على شبكة عالمية من البائعين.
الخيار الثالث: التحرك لاستصدار قرار جديد من الأمم المتحدة، يحد من المواد التي يمكن لإيران شراؤها وبيعها، لكن هذا الخيار يتطلب حنكة سياسية عالية وسيستغرق وقتا لتنفيذه، والجزء الأصعب فيه إقناع روسيا والصين - اللتين تنتظران قرار رفع الحظر للاستفادة من بيع منتجاتهما لإيران - بعدم استخدام حق الفيتو لعرقلة ذلك المشروع، وهو ما قد يقبلون به إذا كانت المواد المقيدة بفعل ذلك القرار لا تدخل في نطاق المواد التي يعتقدون أن لديهم الفرصة لبيعها.
فعلى سبيل المثال بدأت إيران في السنوات الأخيرة في إنتاج أنظمة الدفاع الجوي متوسطة المدى الخاصة بها، وعليه فستكون أقل اهتماما بشراء هذه الأنظمة كما كانت قبل قرار الحظر.
وتراعي دول الخليج بعناية فائقة علاقتها بكل من الصين وروسيا، كما أنها تتوقع دعوة من الولايات المتحدة للمشاركة الديبلوماسية في دعم قرار الحظر.
ماذا تعني خيارات الاستحواذ الإيرانية بالنسبة للخليج؟
يتجاهل بعض المحللين الأميركيين التقليديين قرار نهاية حظر السلاح على إيران في أكتوبر المقبل، معتبرين ان طهران لا تمتلك لا المال ولا الرغبة الحقيقية في امتلاك نظام تسليح ضخم، وعليه فهي لا تمثل تهديدا كبيرا على المصالح الأميركية.
وهذا التصور يتجاهل 3 نقاط:
أولا: ان إيران حاولت من قبل التفكير في شراء أحد أنظمة الدفع الصاروخي المتطورة S-400s او S-500s.
ثانيا: العماد الأساسي لسياسة إيران الخارجية نشر عملاء مسلحين، وتسليح وتجهيز تلك الميليشيات يحتاج الى أسلحة وأنظمة قتالية مضطرة لتهريبها الآن، ورفع الحظر عنها سيمكنها من الحصول عليها ونقلها لعملائها بسهولة ويسر.
ثالثا: تعتمد إيران على تطوير أنظمة التسليح الحالي بدلا من الحصول على أنظمة جديدة، لذلك قد لا تكون الاستراتيجية المقصودة هي شراء أنظمة كبيرة ولكن تطوير ما تملكه بإدخال تقنيات أحدث عليه.
وأحد الأسئلة التي تستحق الانتباه هو ما إذا كانت إيران ستستغل رفع الحظر لتطوير «جيش الجمهورية الإسلامية» الذي تم تجاهله لسنوات أو «الحرس الثوري»؟ الفتى المدلل للنظام الإيراني الذي استمرت طهران في تفضيله واعتباره أولوية قصوى، حتى أثناء أحلك فترات الضغط الأميركي عليها، وإذا استمر هذا النهج، فبمجرد أن تصبح إيران غير مقيدة حتى وإن ظلت تعاني نقصا في التمويل، فستعمل على زعزعة الاستقرار في الإقليم وفي الوقت نفسه تعزز من قدراتها الدفاعية.
وهنا يجب طرح موضوع «جيش الجمهورية الإسلامية» بجدية أكثر، والوقوف حول ماهية مصالح قادته؟ وحول ماذا إذا قررت إيران خوض غمار القتال مع الولايات المتحدة عبر الأساليب الحديثة، وتم استدعاؤه للخطوط الأمامية دون تجهيز جيد.
ومن المتوقع أن تنصب استحواذات إيران بعد رفع الحظر عن الأسلحة على المكابس الهيدروليكية وهي عنصر أساسي في المتفجرات الخارقة للدروع، التي كانت تعتبر السلاح المفضل لقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني قبل إخراجها من ساحة القتال، وتلك المقذوفات هي المسؤولة عن الإطاحة بجنود ومدنيين في بلدان عدة في الإقليم، وعليه فإن توصيل تلك المكابس الهيدروليكية للمتمردين الحوثيين في اليمن مثلا سيجعلهم أكثر فتكا.
وتعقيبا على ذلك، يقول شون روبرتسون مستشار الذخائر العسكرية لدى «مركز وكسفورد للدراسات العسكرية»: إن القلق من وجود المتفجرات الخارقة للدروع في أيدي إيران وبالتالي أيدي وكلائها، هو أنه سيكون لديهم مرة أخرى سلاح سهل النقل يصعب اكتشافه، وفعال للغاية ضد المركبات المدرعة للولايات المتحدة أو قوات التحالف، فضلا عن أنه لا يمكنك رؤيته أو منعه، وعليه فقد نشهد زيادة كبيرة في الضحايا بأي مكان يتم نشرها فيه.
وأيضا تجهيزات الحرب الإلكترونية مثل الصواريخ المضادة للرادار التي تستهدف أنظمة الدفاع أرض - جو ستمنح إيران القدرة على إسقاط بطاريات باتريوت وأنظمة «ثاد» في الضربة الأولى، ثم تحلق فوقها بنفس الصواريخ التي استخدمت لمهاجمة منشآت النفط السعودية في مدينة البقيق في سبتمبر 2019، أو طائرة مثل SU-30 التي قيل أنهم مهتمون بها.
إن تسليم الصواريخ المضادة للرادار سيغير طبيعة اللعبة في سورية، وهو ما يفترض أن يجعل الأتراك أكثر اهتماما بخطورتها من الخليج.
كما ستكون صواريخ أرض - جو اكتسابا مغريا آخر لإيران. فقد تمكنت من توريد هذه الأسلحة إلى وكلائها على الرغم من الحظر، لهذا من الممكن أن يؤدي رفع الحظر إلى تدفق المزيد من هذه الأسلحة إلى وكلاء إيران، مما يشكل تهديدا مباشرا لطائرات الولايات المتحدة وحلفائها حال عدم وجود قيود على امتلاكها، وهنا يتعين على وزارة الدفاع الأميركية أن تعيد التفكير في بصماتها العسكرية في المنطقة، لأن انتشار صواريخ «سام» بين الميليشيات المدعومة من إيران سيضع حتى طائرات الشحن التي تزود القوات الأميركية في خطر واضح وقائم، وإذا امتلكت إيران صواريخ كروز التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، فإن دول الخليج ستواجه سنوات حرجة قبل أن تتمكن من تسلم أنظمة جديدة للدفاع عن نفسها ضد هذا التهديد الجديد. فالخليج كله سيكون مكشوفا لخطر الهجوم الإيراني.
كما إن التقدم السريع في أنظمة الطائرات بدون طيار يعني أن إيران سيكون لديها مجموعة متنوعة من محركات الطائرات عالية الجودة، والعدسات الحديثة التي تمكنها من تحسين قدرتها على التقاط الصور عالية الجودة، والماكينات الصناعية المستخدمة في تصنيع مكونات هذه الطائرات.
وفي هذا الخصوص، يشير أندي دريبي الخبير بشركة Red Six Solutions، وهي شركة استشارية تساعد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في اختبار أنظمة مضادة لأنظمة الطائرات بدون طيار: أن توسيع السوق الذي يمكن لإيران الشراء منه سيجعل من السهل عليها إخفاء مصادرها.
وأنه إذا كان على أجهزة الاستخبارات الآن النظر إلى الصين فقط بحثا عن مصادر التوريد لإيران فإن رفع الحظر سيصعب المهمة، فالعالم كله سيكون موردا محتملا لطهران.
وتشير تحرشات الحرس الثوري الإيراني بالسفن البحرية الأميركية في شمال الخليج في منتصف أبريل الماضي إلى الخطر المحتمل على الأمن في مضيق هرمز حال نجاح إيران في الحصول على ألغام حديثة مضادة للسفن، وحتى من دون الحصار فإن الإطار الزمني المتوقع لتطهير الخليج من الألغام البحرية التي وضعتها إيران قد يتجاوز عاما كاملا.
هذا وقد واجهت الولايات المتحدة صعوبة في حث الشركاء الأوروبيين على الانضمام إلى تحالف لمواجهة إيران في المضيق بعد اجتماع وارسو 2019. وتخشى أوروبا من أن مثل هذا التحالف سيثير إيران.
وعلى الأرض سيوفر اقتناء الألغام المضادة للدبابات لإيران قدرة مضادة للدروع كافية لإتاحة الفرصة لأفراد الميليشيات للعمل ليس فقط ضد الدبابات ولكن أيضا ضد المركبات من أي نوع، كما ستقلل هذه الألغام من وقت التدريب وعدد الأفراد الذين تحتاجهم إيران لإلحاق الضرر بخصومها الإقليميين سواء أفراد الجيش أو المدنيين.
وفي الجو، ربما تكون إيران قد بلغت نهاية التطوير الذي يمكن إجراؤه على هياكل الطائرات المتوافرة لديها، وقد يكون الحديث عن قدرتها على استنساخ هياكل الطائرات الأميركية المتقدمة مبالغ فيه، وفي هذه الحالة، يمكن أن تسعى طهران للانتهاء من التفاوض مع روسيا لشراء طائرة SU-30، التي يقال إنها تتفوق على الطائرات المقاتلة السعودية والإسرائيلية وتستطيع حمل صواريخ كروز.
نقص الأموال قد لا يعيق عمليات الشراء
إن حقيقة كون إيران مرفوضة في الأسواق المالية الدولية تبعث على الاطمئنان في الخليج على مستوى واحد ألا وهو صعوبة حصول طهران على التكنولوجيا العسكرية المتطورة بدون الكثير من الأموال، لكن على صعيد آخر نجحت إيران في حماية برامجها بالوكالة والصواريخ الباليستية من المجاعة البطيئة التي عانت منها قطاعات أخرى خلال الأزمة الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الأميركية، لهذا فقد يفاجأ المجتمع الدولي بمستوى التمويل الذي يتجلى في شراء الأسلحة عندما تكون إيران لديها الحرية في هذا المجال.
إن أزمة الدولارات التي تواجه إيران قد لا تكون عامل حسم في منع بيع السلاح الروسي والصيني إليها، فبشكل عام يمنع الدستور الإيراني (مادة 146) الدول الأجنبية من إقامة قواعد عسكرية داخل حدود إيران، وقد انتابت الجماهير الإيرانية موجة غضب عام 2016 حينما سمح لروسيا باستخدام الأراضي الإيرانية لشن غارات جوية على سورية.
ولكن هل يمكن دعوة وحدات من موسكو لإيران تحت غطاء ثانوي مثل التدريب على رفع القدرات القتالية مقابل حصول طهران على أسلحة روسية بأسعار مخفضة؟ حيث سبق ان فعلتها إيران من قبل عام 2019 حين دعت الصين للمشاركة في مشروع ميناء تشابهار البحري، وقد علق أحد المحللين الكويتيين البارزين مؤخرا في حديثه مع كاتب هذا المقال على تلك النقطة قائلا: «لا أحد في المنطقة يقر بأن أي شيء تفعله إيران مع الصين، يتم لأغراض عسكرية».
كيف يتصرف الخليج؟
حتى قبل أكتوبر 2020، فإن النقاش قائم حول ما إذا كان السماح برفع حظر الأسلحة عن إيران سيؤدي إلى وضع دول الخليج في موقف حرج أم لا؟
تتفق دول الخليج على ضرورة أن تصل الولايات المتحدة وأوروبا إلى قرار موحد بخصوص حظر الأسلحة على طهران وبشأن تحركات إيران بالوكالة خارج حدودها، ذلك أنه طالما ظلت إيران قادرة على استغلال التباين في المواقف بين أميركا وأوروبا فسوف تستمر في خرق القانون الدولي.