- جوانب من إسهامات الملك عبدالعزيز آل سعود في التطور الحضاري لمكة المكرمة خلال بداية القرن العشرين
- أصبحت هناك ثقة في المستقبل بعد أن أَمِن الناس على أموالهم وأرزاقهم وزروعهم
- عقد آل سعود «اتفاقيات جمركية» مع دول أخرى ما انعكس خيراً على المجتمع المكي في تسهيل المعاملات التجارية
- عرفت مكة في عهد الملك المؤسس ازدهاراً وتوسعاً في العمران ونمواً في التجارات والصناعات المختلفة
- الملك المؤسس حمل لواء العطاء و التطور الحضاري بمكة المكرمة
- كانت منى المركز التجاري الأهم في تلك الفترة التي تعددت فيها الاسواق وزاد الرغد والرفاه
- أصبحت المواصلات في مكة بوسيلتين: الأولى بواسطة الجمال والأخرى بواسطة السيارات وأخذ النمو في أعداد السيارات يتزايد خلال تلك الفترة
- شكّل الحج موسماً لازدهار الأسواق جميعها في مكة المكرمة
بقلم: د.نواف عبدالعزيز الجحمة
أستاذ مشارك - الهيئة العامة للتعليم التطبيقي- كلية التربية الأساسية - الكويت
لقد مَنّ الله سبحانه وتعالى على عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وأكرمه بمسؤوليته عن البيت الحرام في هذه الفترة التاريخية، وأظهر، رحمه الله، انطلاقا من اقتدائه بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وبسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده رضوان الله عليهم، وجريا على تنافس خلفاء وأمراء وسلاطين وملوك المسلمين عبر التاريخ على العناية بمدينة مكة المكرمة، فقد أبدى اهتماما يسترعي الانتباه ببيت الله الحرام، بغية الأجر والمثوبة متمثلا لأمره تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) (سورة الحج، آية 26).
ومن هذا المنطلق، وفي هذا الإطار الأخير يدخل موضوع هذا البحث الذي سيتم التركيز فيه على الإسهامات والعطاءات التي تتعلق أساسا بالمجالين المدني والديني اللذين حققهما الملك عبدالعزيز وتميز بهما خلال بداية القرن العشرين، وكذلك على الانطباعات الجيدة التي تركها في نفوس المسلمين وقتئذ.
آملين أن نسهم في إلقاء بعض الضوء على جانب طالما أغفله بعض المهتمين بدراسة التطور الحضاري الذي بلغته مكة المكرمة في هذه المرحلة التاريخية.
ذكر شكيب أرسلان أن قوافل الحجاج كانت تنتقل بين جدة ومكة في سهولة دون أن تعترضها صعوبات تذكر، وأن الأمن لم يفارق الحجاج والسفار في رحلتهم(59).
ومما أثار استغراب وإعجاب شكيب أرسلان ظاهرة الأمن في عهد الإمام، ويذكر لنا قصة «العباءة السوداء» التي سقطت منه، فأخذ الناس يمرون عليها ملقاة على قاعة الطريق فلا يجرؤ أحد أن يمسها، فكانت هذه العباءة على الطريق أشبه بأفعى يفر الناس منها - فلما وصل خبرها إلى أمير الطائف، أرسل من يأتي بها وأخذ بالتحقيق عن صاحبها - حتى رجح كونها سقطت من صاحبها في أثناء مجيئه من مكة(60).
يعلق شكيب أرسلان على هذه الحادثة فيقول: «وقد أتيت على هذه النادرة هنا مثلا من أمثال لا تعد ولا تحصى من الأمن الشامل للقليل والكثير في أيام ابن سعود ما لم تحدث عن مثله التواريخ حتى اليوم.
فالمكان الذي سقطت فيه العباءة كان في الماضي كثيرا ما تقع فيه وقائع السلب والقتل ولا يمر الناس فيه إلا مسلحين.
«وأنك لتجد هذا الأمن ممدود الرواق على جميع البلدان التي ارتفعت فيها راية ابن سعود، وقد علل بعضهم هذا التأمين للسابلة بأنه من أركان عقيدة الوهابيين الذين يقولون:
وما الدين إلا أن تقام شعائر
وتأمن سبل بيننا وشعاب
«وإن لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال، التي جعلت صحارى الحجاز وفيافي نجد آمن من شوارع الحواضر الأوربية لكان ذلك كافيا في استجلاب القلوب إليه، واستنطاق الألسن في الثناء عليه»(61).
أما الرحالة أحمد معنينو فقد أودع في مدونة مشاهداته وانطباعاته عن الأوضاع الآمنة التي أصبحت عليها الحجاز عام 1348هـ/ 1930م
في «الفيافي والقفار» أخذنا العدة للتوجه إلى المدينة المنورة التي تبعد عن ينبع 10 أيام على ظهور الجمال، وأخذنا الطريق الصحراوي القاحل وطيلة الطريق وأينما حللنا بمكان ننزل فيه، لم يكن معنا من يحرسنا، أو يحمل سلاحا. نعم كنا في أمن واطمئنان على الأنفس والأرواح والأغراض»(62).
وفي «المدن والقرى» ومما شاهدته عندما ينادى بالآذان (حي على الصلاة حي على الفلاح) يترك أصحاب الدكاكين أمتعتهم وأموالهم والأماكن مفتوحة، ولا أحد يستطيع أن يمد يده إلى الأمتعة، والمال المكدس في بساط الأرض دون حراسة(63).
وفي «دار الودائع» قص علي أخ ما وقع له حيث سقطت من جيبه ورقة خمسة جنيهات، وعند رجوعه للبيت لم يجدها، فتوجه مباشرة إلى دار الودائع فعرّف المسؤولين بما ضاع منه، ورجع في المساء فوجد وديعته تنتظره(64).
هذا، وقد أكد على ظاهرة الأمن هذه كل من الرحالين المغربيين الحسن بن الطاهر وعزيز في عام 1351هـ(65)، والصديق الشدادي في عام 1356هـ(66).
2-أ-3- مكة دار التجارة:
كانت لآل سعود عادة متبعة في الحصول على الأخبار المتعلقة بحياة الناس اليومية وما يعانونه، كارتفاع الأسعار أو الشكوى من تصرفات العمال فكان يجتمع مع المستشارين والأمناء والأشياخ مرة أو مرتين على حسب الأحوال، كما يستفسر من الوفود القادمة من المناطق والأقاليم - ويلزم الجميع بأن يكونوا صادقين في أقوالهم والذي يهمنا هو ما تحتويه بعض النصوص تصريحا أو ضمنيا من معلومات نفيسة تمس المجال الاقتصادي ونظمها وهي على اختصارها مفيدة.
أولا: كانت هناك أسواق بمكة ويظهر أنها كانت ذات أهمية كبرى إذا رجعنا إلى بعض الإشارات القليلة عنها في هذه المدة - يقول أحد الحجاج من الرعايا البريطانيين الذي وصف سوق مكة بأن ممراته متعرجة وضيقة، محمية عن الشمس بأقمشة من سقف النخيل التي يتسلل الضوء من خلالها - ويتبع ذلك قائلا: «إن الهواء كان ثقيلا، والبخور يخرج من المحلات والحجاج يمكن لهم أن يشتروا أي شيء يحتاجونه... كل الحجاج يشترون أي شيء من مكة، لأنهم يعتقدون أنه ملئ بالبركة.
هنالك محلات لبيع الفواكه والغلات وفرانون وحدادون وسمكريون يعرضون تجارتهم أمام المارين بهم.
هناك بائعو البخور والكحل، وبائعو الطرابيش والعمامات، وبائعو القماش والحرير والسجاد.... وهنالك تذكارات لمكة المكرمة على ورق مصور، وآلاف من سجادات الصلاة المصنوعة من خيوط اللؤلؤ ومئات دكاكين التحف والعديد من المقاهي(67).
وفي عام 1343هـ/ 1925م كانت القوافل التي حملت الحجاج من الليث والقنفذة إلى مكة تضم 20 جملا تحمل أكياس الأرز وأشياء أخرى(68).
وتظهر لنا أهمية السوق في منطقة المشاعر المقدسة وخاصة في الطريق إلى منى، فقد وجدت إعلانات لأنشطة تجارية، وكانت المتاجر مفتوحة وتعمل تجاريا، بينما أكوام التمور والخبز والمشروبات على طول الشارع المؤدي إلى منى(69).
هذا، وتعد منى المركز التجاري الأهم في مكة في تلك الفترة، ويكاد الحج فيها أن يكون هو الموسم الذي تزدهر فيه جميع أسواقها وأنشطتها التجارية(70).
ولم تكن التجارة مزدهرة في منى وحدها، فالحج موسم لازدهار الأسواق جميعها في مكة(71). ففي أيام التشريق من الحج كان الطريق الرئيسي قد أصبح سوقا مزدهرا لبيع ما يحتاجه الحجاج(72).
وأهمية مكة تظهر من كونها مركزا تجاريا حافلا بالأسواق يؤكدها لنا (رتر) الذي لا يكتم شهادته وهو المعاصر للأحداث الواردة في النص. فيحدثنا عن سوق «الليل»(73)، وكان يباع فيه السجاد وأدوات منزلية أخرى، وكان التجار يرسلون الدلالين أو الحمالين الذين يحملون القطعة التي يراد بيعه(74).
كما كان هناك أيضا سوق «للرقيق» الذي كان يعقد في شارع ضيق في خان الجفالي وهو سوق مثل الزقاق في غرفة مليئة بالناس، حيث يأتي المالكون بالرقيق لبيعهم(75). ويذكر (رتر) أن تحرير الرقيق كان يتم في عرفات حيث يحضر الحجاج الرقيق لهذا الهدف النبيل(76).
من المستفاد أن حركة الأسواق كانت تمثل حلقة مهمة في دائرة النشاط التجاري لمكة المكرمة والذي كان له الأثر في ارتفاع مستوى الدخل لدى التجار المكيين ومن ثم فإن الإمام قد أولى تلك الحركة اهتماما بتوفير سبل الأمن والتنظيم المالي، وذلك عن طريق تحديد أماكن الأسواق والمرافق، ومراقبة الأسعار وتعيين الموازين والمكاييل(77).
ثانيا: الأمر الذي صدر في 15 شعبان 1343هـ/ 28 فبراير 1926م والذي يقضي بعدم استحصال الرسم على البضائع والأرزاق الواردة من جدة إلى مكة(78)، أدى بصورة أو بأخرى إلى زيادة حركة النشاط التجاري، حيث فتح مجالي التصدير والاستيراد من مكة إلى البلاد المجاورة (79).
وفي 1371هـ أدهش العالم الإسلامي صدور أمر بإلغاء «رسوم الحج» والتي كانت تستوفى من الحجاج البالغ مقدارها السنوي نحو 30 مليون ريال سعودي - وكانت هذه المبرة الكريمة حدثا تأريخيا وكان من ثمار تلك المبرة أن كثر عدد الحجاج وزاد الرغد والانتعاش لبلاد الحرمين الشريفين - وبدأ الحجاز يستعيد مركزه التجاري والعمراني من جديد(80).
أضف إلى ذلك ما قام الإمام من عقد «اتفاقيات جمركية» مع دول أخرى انعكس على المجتمع المكي في تسهيل المعاملات التجارية من ناحية تحديد الرسوم الجمركية والنقل وضمان التجارة وحريتها(81).
فقد لوحظ وصول البضائع الروسية إلى أسواق جدة، ومنها كانت توزع على تجار مكة، وبالتالي أسهم كل ذلك في توافر السيولة النقدية في الأسواق وخاصة في موسم الحج.
2-ب- مكة واستراتيجية
المشروعات الحجية:
أول ما يسترعي الانتباه في المدونات التي عاصر أصحابها عهد عبدالعزيز آل سعود حديثهم من منجزاته بكيفية إيجابية جدا، ولعل أولهم شكيب أرسلان الذي زار مكة لأداء فريضة الحج.
ورغم أن كتابه «الارتسامات اللطاف» موضوع أساسا عن رحلته الحجازية، فإنه خصص حيزا مهما للحديث عن الحجاز بحكم قابليتها للعمران، لا يكاد يفضلها مكان في عصر عم الحجاز فيه العدل والأمان على حد تعبيره.
واستهل شكيب أرسلان حديثه عن العمران بتناول فصل معنون أسماه (شغف بعض ملوك الإسلام بالعمران)، وقد تطرق إلى أمثلة من الآثار العمرانية سواء في المشرق العربي أو في بلاد الأندلس في تاريخ العصر الوسيط.
غير أن محور كتابته عن العمران على قابلية إشراف الحجاز على التطور العمراني في هذه الفترة - يقول في نصه: «وقد بدأ عمرانها بل عمران الحجاز كله بالتراجع في هاتين السنتين بعد استقرار الأمن وشمول الدعة مما أقر به القاصي والداني، واعترف الناس بالفضل لله ثم لابن سعود»(82).
وأدرك شكيب أرسلان أن استئناف العمران أمر لا مناص منه، فها هو يعاين القوافل والسيارات الكهربائية ذاهبة جائية تخترق الصحاري الآمنة التي تمر بها في شوارع البلد الحرام، والناس قد نشطوا للعمل ووثقوا بالمستقبل بعد أن أمنوا على أموالهم وزروعهم.
«وإذا مضت عشرون سنة وهذه الحالة لم تتبدل، وهذه الأمنة ممتدة الرواق على البلاد، فإن الحجاز تسير شوطا بعيدا في ميدان الفلاح (= النمو الحضري)، ويتضاعف عدد قاطنيها وترتفع أثمان أراضيها ويقصد إليها كثير من أهل العالم الإسلامي(83).
ولم يبد صاحب الارتسامات امتعاضا أو تحفظا من تقليد عبدالعزيز آل سعود للأوربيين واستفادته من أطرهم وتقنياتهم، رغم الاتجاه العام الذي كان سائدا آنذاك بالحجاز ونجد والمتمثل في التحذير والتنفير من الاقتداء بهم ولو في الأمور التي برز نفعها جليا، لأنه لمس فعالية أدواتهم ومردوديتها العالية، مثلما تجلى ذلك في: تسيير السيارات لنقل الحجاج من الموانئ إلى مكة(84)، فقد لوحظ أنه في موسم عام 1344هـ/ 1926م أصبحت المواصلات في مكة بوسيلتين: الأولى بواسطة الجمال، والأخرى بواسطة السيارات (85).
وأخذ النمو في أعداد السيارات يتزايد خلال تلك المواسم التالية حتى بلغ مجموعها ألفا ومائتي سيارة في عام 1349هـ/ 1930م، وكان معظمها ملكا للحكومة والشركات المتضامنة مع الحكومة(86).
الهوامش
(59) شكيب أرسلان، الارتسامات اللطاف، ص13.
(60) المصدر نفسه، ص 122.
(61) المصدر نفسه، ص 123.
(62) أحمد معنينو، رحلة عام 1340هـ.
(63) المصدر السابق.
(64) المصدر السابق.
(65) الحسن بن الطاهر وعزيز، حج عام 1351هـ/ 1932م وهو أول موسم ينظم بعد الإعلان عن قيام المملكة العربية السعودية (مخطوط خاص) انظر إلى: عبدالكريم كريم، صورة الملك عبدالعزيز آل سعود، ص483- 496.
(66) الصديق الشدادي، حج عام 1356هـ/ 1938م توجه من المدينة المنورة إلى بغداد ووصف الطريق التي سلكها مرورا بمدينة حائل (مخطوط خاص). المصدر السابق، ص484-496.
(67) Rutter, Owen- Triumphant Pilgrimage,An English Muslim›s Journey from Sarawak o mecca London – Lippin cott, 1937, PP212-213
(68) Rutter, Eldon- The Holy cities of Arabia, London, Putnam. Vol.1, 1928, P15
(69) Rutter, The Holy cities of Arabia, p 154
(70) Philby , P,54
(71) Philby, P. 46
(72) Ibid, P. 45
(73) سـوق الليل: وهو جزء من حارة سوق الليل التي يطل عليها جبل خندمة، وإلى جنوبه جبل ابن قبيس. ويرجع السبب في تسميته إلى أن الباعة يجتمعون فيه ليـــلا لبيع ما بقي لديهم من بضاعة. انظر إلى: منى القحطاني، التنظيمات الداخلية، ص 215، تعليق (1).
(74) Rutter, The Holy cities of Arabia PP. 198-199
(75) Rutter, Triumphant Pilgrimage, P247
(76) Rutter, Triumphant Pilgrimage, P231
(77) منى القحطاني، التنظيمات الداخلية، ص 212.
(78) منى القحطاني، التنظيمات الداخلية، ص 220 نقلا عن: قراءة بخصوص الرسوم على البضائع في 1344هـ/ 1926م - وثيقة محفوظة في معهد الإدارة العامة بالرياض تحت رقم (34).
(79) تخفيض الرسوم. أمر ملكي، أم القرى، س2، ع89، ص3.
(80) أحمد حمدي الطاهر، الحجاز مهبط الوحي والإلهام 1372هـ، عمان، المطبعة الوطنية، ص90.
(81) مجموعة معاهدات من 1341-1370هـ/ 1922-1951م، مكة، ط5، وزارة الداخلية، 1370هـ/ 1951م، ج1، ص50 - 51.
(82) شكيب أرسلان، الارتسامات اللطاف، ص 203.
(83) المصدر نفسه، ص 205.
(84) شركة السيارات، أم القرى، س2، ع63، ص3.
(85) From Jordan To Mr. Chamberlain. Jeddah, Angust 26. 1926 (No. 100). Enclosure in No.1. «Dilgrimage Report» In Records of the Hajj - V.01 – 6, 51.
(86) انظر إلى: توتيشل، ك.س، المملكة العربية السعودية وتطورات مصادرها الطبيعية، ترجمة شكيب الأموي، ط2، القاهرة، عيسى الحلبي، 1375هـ/ 1955م، ص137. منى القحطاني، التنظيمات الداخلية، ص 235، 236.