- جوانب من إسهامات الملك عبدالعزيز آل سعود في التطور الحضاري لمكة المكرمة خلال بداية القرن العشرين
- شهدت مكة توسعاً هائلاً في خطوط الهاتف وأعمال البرق والتلكس والبريد وتحسين الخدمات البرقية
- اهتمت الدولة اهتماماً كبيراً بالإجراءات الوقائية الخاصة بالحجاج من التطعيم وأماكن الإقامة والنظافة العامة وكانت الخدمات الطبية في موسم الحج تقدم بلا مقابل
- تسلم إرثاً مثقلاً بالتبعات والمشاكل فبرهن على كفاءة نادرة في تحمل مسؤوليته التاريخية التي منها قضايا السياسة الداخلية فضبط الإدارة والاطلاع على شؤون الرعية
- اشترى الملك عين الجديدة وأدخلها إلى مكة لسقيا أهلها وقاصدي بيت الله الحرام وسميت فيما بعد بعين العزيزية تخليداً لذكرى مجريها
- أمر بإنشاء مصنع لكسوة الكعبة وأنتج المصنع أول كسوة سعودية عام 1927وكانت من الحرير الأصلي
- أدى الازدهار الذي عرفته مكة المكرمة والتوسع في العمران في عهد الملك المؤسس لنمو التجارات والصناعات وتعددها
- وضع تنظيمات كانت لها انعكاسات في وصول أعداد متزايدة من الحجاج ولاقت الاستحسان بحكم قابلية أهل مكة للتطور الحضاري
بقلم: د.نواف عبدالعزيز الجحمة
أستاذ مشارك - الهيئة العامة للتعليم التطبيقي - كلية التربية الأساسية - الكويت
لقد مَنّ الله سبحانه وتعالى على عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وأكرمه بمسؤوليته عن البيت الحرام في هذه الفترة التاريخية، وأظهر، رحمه الله، انطلاقا من اقتدائه بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وبسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده رضوان الله عليهم، وجريا على تنافس خلفاء وأمراء وسلاطين وملوك المسلمين عبر التاريخ على العناية بمدينة مكة المكرمة، فقد أبدى اهتماما يسترعي الانتباه ببيت الله الحرام، بغية الأجر والمثوبة متمثلا لأمره تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) (سورة الحج، آية 26).
ومن هذا المنطلق، وفي هذا الإطار الأخير يدخل موضوع هذا البحث الذي سيتم التركيز فيه على الإسهامات والعطاءات التي تتعلق أساسا بالمجالين المدني والديني اللذين حققهما الملك عبدالعزيز وتميز بهما خلال بداية القرن العشرين، وكذلك على الانطباعات الجيدة التي تركها في نفوس المسلمين وقتئذ.
آملين أن نسهم في إلقاء بعض الضوء على جانب طالما أغفله بعض المهتمين بدراسة التطور الحضاري الذي بلغته مكة المكرمة في هذه المرحلة التاريخية.
في مجال تعميرات المياه:
في 1344هـ أمر الملك بتعمير عين زبيدة(87) على نفقته الخاصة إثر السيل الذي خرب حرزات العين وانقطع الماء عن الوصول إلى مكة مدة 3 أشهر(88).
وفي 1370هـ اشترى الملك عين الجديدة وأدخلها إلى مكة لسقيا أهلها وقاصدي بيت الله الحرام سميت فيما بعد بعين العزيزية تخليدا لذكرى مجريها(89).
وفي 1366هـ أمر الملك بعد عودته من زيارة مصر بجلب الماء إلى جدة من عيون (مر الظهران) وادي فاطمة على نفقته الخاصة فاختير منها 8 عيون وقد أجريت إلى جدة بأنابيب وسميت بعين العزيزية تخليدا لذكرى الملك عبدالعزيز(90).
وفي مجال الاتصالات:
شهدت مكة توسعا هائلا في خطوط الهاتف وأعمال البرق والتلكس والبريد وقد تجلى هذا التوسع في زيادة عدد الهواتف بالإضافة إلى فتح المراكز البريدية وتحسين الخدمات البرقية والتلكس(91).
لاحظ الحاج المغربي الحسن بن الطاهر أن أوضاع الحجاز تتغير بتوفير أسباب الراحة والترفية لهم فهو عاين استخدام اللاسلكي في الاتصالات بين مناطق المملكة (في حائل آلة برقية لاسلكية زرناها هذا الصباح أسست 1351ه يرأسها هاشم المدني)(92).
وفي مجال الصحة:
عنيت الدولة عناية خاصة بتطوير وسائل المعالجة الصحية الطبية ومكافحة الأوبئة التي كانت تنتشر عادة بعد موسم الحج.
واستعانت على مهمتها ببعض الاتفاقيات الدولية التي مكنتها من تعميم العيادات الطبية (الكرتينات) والمستشفيات من مثل: أجياد والقبان والشبيكة والمعلاة ومستشفى الصحة في منى للعناية بالحجيج(93).
وتجدر الإشارة إلى أن الخدمات الطبية في موسم الحج كانت تقدم بلا مقابل(94).
وإلى جانب ذلك فقد اهتمت الدولة اهتماما كبيرا بالإجراءات الوقائية الخاصة بالحجاج ومن أمثلتها: التطعيم، وأماكن الإقامة، والنظافة العامة، وعناية المطوفين بشؤون حجاجهم وتوعيتهم(95).
وفي مجال الصناعة:
بخصوص أهل مكة الذين اشتغلوا في مجال الصناعة، فالمعلومات قليلة في المصادر. لكن رغم ندرة الصنائع والحرف اليدوية فهي أمثلة حية ومباشرة عرف عن أصحابها تضلعهم ببعض الصناعات والاشتغال في مجالها كحركة رئيسة لمصدر رزقهم، ظهر أثر المجاورين (الهنود نموذجا) في مختلف فروع الصناعات وعلى الخصوص مجال النسيج والتطريز وصنوف الحياكة وتلوينها والشخصية التي أثرت في هذه الصناعات هي شخصية عبدالعزيز آل سعود الذي أمر بإنشاء مصنع لكسوة الكعبة في صفر 1396هـ/ أغسطس 1927م، وقد أنتج المصنع أول كسوة سعودية في منتصف ذي القعدة/ أوائل مايو من العام المذكور، وكانت من الحرير الأصلي، فكانت ستائر الكعبة (الأحمال) من الحرير الأسود(96)، وقد كتب على الجانب الرابع من الحزام: «هذه كسوة صنعت في مكة المكرمة بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1346هـ»(97).
وقد كسيت الكعبة في 9 من ذي الحجة 1346هـ/ 28 مايو 1928م بتلك الكسوة التي تعد أول كسوة تصنع في مكة(98).
ولا شك أن تلك الخطوة كان أثرها مهما للغاية، وأدت إلى القضاء على الآثار السلبية التي كان سببها يعود إلى المعتقدات والأوهام الباطلة والمرتبطة بتعظيم رمزية المحمل الشريف (= المحمل المصري)(99) كما أعانت على إحلال الصناعة المكية بدلا من الصناعة المصرية - ففي عصر آل سعود «مكة تكتسي من ذاتها».
ومن نافلة القول إن الازدهار الذي عرفته مكة المكرمة والتوسع في العمران وظهور طبقة من الموسرين في عهد عبدالعزيز آل سعود، كل ذلك أدى إلى نمو التجارات والصناعات وتعددها واتجاهها إلى إرضاء الرغبة في الحصول على الكماليات ووسائل الترف.
3- خلاصات واستنتاجات:
من كل ما تقدم يمكن استخلاص ما يلي:
٭ إن ما كان يجري في الديار الحجازية في ظل السيطرة العثمانية والشريفية من تحولات سياسية واجتماعية جارفة عصفت بالكثير من الثوابت الدينية والقواعد الأخلاقية لما يعده الرحال الزائر قوام كل عدل اجتماعي واتزان سلوكي ومناط كل سمو روحي ورقي حضاري، وهي التحولات التي أكدت معظم المدونات والدراسات أنها كانت السبب فيما آلت إليه الأوضاع العامة في مكة من اضطراب واختلال.
٭ بالنسبة للرغبة السامية في التطور والتغيير في عهد الملك عبدالعزيز، من خلال الروايات النصية التي يعضد بعضها بعضا، يصح أن نطلق على هذه الرغبة مشروعا حضاريا لأنها تابعت مشروع جل الخلفاء الأولين في العصور الإسلامية السالفة، ولم تكن لتظهر خطواتها إلا بعد خروجها إلى حيز التنفيذ، وإذا قررنا تحقق المشروع قررنا معه وجود رغبة رسمية بالفعل، تواترت النصوص بحصولها وعلى امتداد عهود 5 ملوك من آل سعود، تمتد إلى وضع مكة المكرمة في يومنا الحاضر.
٭ إن أغلب الرحالة الحجاج الذين زاروا مكة في بداية القرن العشرين أظهروا إعجابهم «بالتنظيمات والمستحدثات» التي استفادوا من خدماتها لأول مرة من خلال إقامتهم بمكة، وعقد مقارنة بين ما كان وما حدث في ذلك الوقت.
٭ إن معاينة الحجاج للمستحدثات في مكة واستفادتهم منها (التلغراف، السيارات، المطبعة) خفف أحيانا من حدة النفور من هذه المستحدثات التي وضعها الآخر الأوروبي بل إن عددا من المدونات تضمنت عبارات الانبهار والإعجاب، ورغبة دفينة في إدخالها لتوفير حالة الراحة والترفيه في أداء المناسك.
٭ لا مراء في أن هذه الكتابات، لاسيما تلك التي تناولت تجربة الملك عبدالعزيز آل سعود وما أحدثه في مكة المكرمة من تغيرات أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر في توجيه الحكومات لإرسال الحجاج إلى مكة في كل عام، وقد تواصل الانفتاح على مكة في فترات لاحقة.
٭وضع الملك عبدالعزيز تنظيمات كان لها انعكاسات في وصول أعداد متزايدة من الحجاج، ولا شك أنها لاقت الاستحسان وذلك بحكم قابلية أهل مكة للتطور الحضاري، وتتجلى الصورة في حرص الملك على مشاركة أهل مكة في إقامة الإجراءات التحديثية للحجاج.
٭ إن جل مدوني الرحلات الحجية، حينما كتبوا عن الحجاز استحضروا أساسا مكة المكرمة نظرا لثقلها الديني والحضاري ولكونها المكان المقدس والبؤرة الجاذبة - إذ كان حضور مكـة قويا في مدونات الرحالة، ومن ثم فالأحكام التي طالت الحجاز كلها تأسست على ما يمكن أن نسميه (النموذج المكي).
٭ رحلة الملك للحجاز تمت في لحظة القوة والثقة بالنفس، لهذا ينبغي أن نلاحظ ما قام به من زاروا الحجاز في بداية القرن العشرين للفت انتباهنا إلى ما كان يجري ببلاد الحجاز وخاصة بمكة المكرمة من تجارب تحديثية وإجراءات إصلاحية.
في الختام نكون قد اكتشفنا من خلال تأملاتنا في المصادر المعاصرة جوانب أساسية في شخصية الملك عبدالعزيز آل سعود. لقد تسلم إرثا مثقلا بالتبعات والمشاكل فبرهن على كفاءة نادرة في تحمل مسؤوليته التاريخية التي منها قضايا السياسة الداخلية.
فضبط الإدارة والاطلاع على شؤون الرعية وإقامة العدل ونشر الأمن ومحاولة تخفيف الضائقة عن الفقراء، كل ذلك يشكل جانبا ضخما في عمل حاكم، ولا يستطيع أن يقوم به على الوجه الأكمل إلا إذا كان ذا شخصية قوية، ولعل صدق عبدالعزيز آل سعود في تدينه حقق له ذلك النجاح.
الهوامش
(87) عين زبيدة: تبدأ من أعلى وادي النعمان، وتستخدم مياهها لتأمين مياه الشرب في مكة. عثمان مصطفى نوري، الماء ومسيرة التنمية في المملكة العربية السعودية، جدة، تهامة، 1983، ص 106.
(88) محمد طاهر الكردي، التاريخ القويم لمكة المكرمة وبيت الله الكريم، مكة، مطبعة النهضة الحديثة، 1385هـ/ 1412هـ، 6/ 87.
(89) يقول الشريف محمد بن منصور آل عبدالله بن سرور صاحب كتاب «العيون في الحجاز وبعض أوديته» إن الملك عبدالعزيز - رحمه الله - هو أول ملك من ملوك المسلمين بعد السيدة زبيدة يبتاع عينا ويدخلها مكة المكرمة لسقياها وسقيا حجاج بيت الله الحرام أما من كان قبله فكان جل اهتمامهم ينصب على إصلاح عيون زبيدة إذا خربت - ويضيف أيضا أن عين الجديدة (العزيزية) أول عين تدخل مكة بعد «عين زبيدة».
الشريف محمد بن مساعد الحسني، درر الجامع الثمين لأعمال الملوك من آل سعود الميامين في مسجد البلد الأمين 1343هـ/ 1418م، مكة المكرمة، مكتبة النهضة الحديثة، 1419هـ، ص14، 20، تعليق 15.
(90) يذكر لنا خيرالدين الزركلي، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز وصفاً لمراحل إنشاء عين العزيزية، م3، 945.
(91) محمد محمود السرياني، مكة المكرمة - دراسة في تطور النمو الحضري، مجلة الجمعية الجغرافية الكويتية، 1986، ع87، ص33.
(92) الحسن بن الطاهر وعزيز، رحلة 1351هـ. عبدالكريم كريم، صورة الملك عبدالعزيز آل سعود من خلال بعض الرحلات المغربية إلى شبيه الجزيرة العربية في عدة أقاليم (1348-1356هـ/ 1930-1938م)، ندوة الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، ج1، 1421، ص499.
(93) مراكز الصحة العامة والإسعاف في أيام الحج في مكة وعرفات، أم القرى، س5، ع226، ص2. س5، ع228، ص4.
(94) البرنامج الصحي لحج سنة 1345هـ، أم القرى، س3، ع130، ص3.
(95) انظر إلى: منى القحطاني، التنظيمات الداخلية، ص404 - 471.
(96) كتب على الحرير «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وفي أسفل التجويفة «يا الله»، وفي الضلع الأيمن «جل جلاله»، وكذلك في أعلى الضلع الأيسر «جل جلاله».
منى القحطاني، التنظيمات الداخلية، ص252. الدقن، السيد محمد، كسوة الكعبة المعظمة عبر التاريخ، ط1، ص 208.
(97) كان الحزام مطرزا بالقصب الفضي المموه بالذهب، والكتابات التي عليه بخط بديع من عمل الرسام الفني محمد أديب أفندي، أما الكتابات التي تثبت على لحزام فهي نفس الآيات القرآنية التي كانت على حزام الكسوة المصرية في ثلاث جهات منها.
راجع الدقن، ص208. وزارة الحج والأوقاف. رعاية الحجيج في عهد الملك عبدالعزيز - بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز، ص 22. منى القحطاني، التنظيمات الداخلية، ص 252.
(98) الدقن، ص 209، سلامة، حسين عبدالله، تاريخ الكعبة عمارتها وكسوتها وسدانتها، مطبعة دار مصر للطباعة، ط2، 1384هـ، ص358.
(99) في 1344هـ أبطل الملك عبدالعزيز حضور المحمل المصري إلى مكة المكرمة مما رأى فيه من أمور مبتدعة لا يقرها الشرع فاتفق بحكمته مع الحكومة المصرية على أن يرسل ما يخص الحرمين الشريفين من الأوقاف مع أمير الحج المصري دون المحمل.
الكردي محمد طاهر، التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، مكة المكرمة، مطبعة النهضة الحديثة، 1385/ 1412هـ، 5/ 389.