بقلم: مبخوت العزي
قبل الوقوف على عتبات تجربة رائدة في تعليم العربية هنا بالصين - هي معهد اللغات العالمية بمنطقة نينغشيا - ورسالته العظيمة التي يقدمها في نشر هذه اللغة، والدور الذي يلعبه من خلال ذلك في تعزيز أواصر العلاقة بين حضارتين عريقتين، العربية والصينية، ينبغي الإشارة ولو بإيجاز إلى السياق العام الذي هيأ لهذه التجربة ظروف النجاح. إنها «سياسة الإصلاح والانفتاح» التي وجهت أمة المليار والنصف المليار، وضبطت مسارها نحو غدها المنشود، لتمضي بخطى ثابتة وبإيقاع منتظم ومتسارع نحو قمة مجدها، لا تلتفت يمنة ويسرة إلا لتتعلم من تجارب الآخرين حولها، ولا تلتفت للخلف إلا لتتزود من مخزونها وإرثها الحضاري والثقافي العريق بما يزيد من همتها وعزمها، وهي تسير على طريق سريع نحو الريادة، نحو مستقبل واعد ومجد خالد.
في ضوء هذا الوعي، الذي يوجه الصين حكومة وشعبا، يأتي الاهتمام والتحفيز على تعلم اللغات الأجنبية بوصفها أهم جسور التواصل بين الشعوب والحضارات. وهنا يمكننا القول إن العربية كانت واحدة من أهم تلك اللغات التي نالت اهتماما بالغا وغدت هدفا رئيسا من أهداف الصين لإحياء طريق الحرير واستئناف نشاطه ودوره في انفتاح الصين على العالم بصفة عامة والعالم العربي والإسلامي بصفة خاصة. من منطلق ذلك الوعي العميق بضرورة هذا الانفتاح وتعزيز أواصر العلاقة بين الحضارات، تستيقظ طريق الحرير ثانية من غفوتها، وتدب الحياة في دروبها، لتحفل من جديد بمواقف ومآثر جديدة ترسخ الدور الذي دأبت عليه منذ القرون الأولى، وتفعل الرسالة التي آمنت بها، وتكمل المشوار، الذي ابتكر الصينيون له بداية ولا يريدون له نهاية!
وعودا على بدء، يمكننا القول بأن كليات تعليم اللغة العربية للصينيين في كثير من الجامعات، وكذلك المعاهد والمراكز الخاصة في مختلف مقاطعات هذا البلد الكبير قد أصبحت من أهم تلك المحطات التي تزود العلاقات العربية ـ الصينية بالنشاط والحيوية. وسأقتصر في حديثي هنا على واحدة من أهم تلك التجارب، لكوني على اطلاع ومعرفة عميقة بها وبخصوصيتها، إنها- كما أشرت سلفا- تجربة معهد اللغات العالمية بمنطقة نينغشيا ذاتية الحكم، الواقعة شمال غرب الصين. هذا الصرح استطاع بإتقان بالغ وحرص دقيق اختصار رسالته - التي يسعى إلى أدائها، وخدمة وطنه وشعبه من خلالها - في كلمة واحدة، اتخذها شعارا له، هي «اقرأ»، وسأترك التأمل في معنى هذا الشعار وأبعاده الدلالية للقارئ، لثقتي بأنه لن يخطئ طريقها.
لقد استطاع آلاف الصينيين - خلال 10 سنوات، هي عمر هذا المعهد - تعلم لغة الضاد واكتسابها في رحاب هذا الصرح العلمي، وأصبح معظمهم سفراء للمحبة والسلام، يمدون جسور التواصل بين بلدهم و22 قطرا عربيا.
في هذا المكان إذا كنت معلما متخصصا في تعليم العربية للناطقين بغيرها أو ضيفا زائرا، فسيكون شعورك جميلا حين تستيقظ الصباح باكرا، وتطل من شرفة مسكنك، وتنظر لساحة هذا المعهد، فترى خلية نحل نشطة، لها طنين بين الأشجار وعلى المقاعد الجانبية وفي الممرات.. ذلك الطنين ليس إلا حروف العربية وهي تنساب من أفواه صينية تتدرب على ممارسة كلمات جديدة أو قراءة حوارات أو نصوص تعلمتها بالأمس، قبل أن تنطلق إلى حجرات الدرس، لتتلقى وجبة جديدة من معلمين صينيين أو عرب، أجادوا اللغة العربية وأحبوها، ورغبوا في استكمال رحلتهم معها، تعلما وتعليما، حريصين على إيصالها إلى جيل يخلفهم، كما أخذوها ممن سبقهم.. نعم، إنها براعم الضاد في مشتل خصب، تنمو برعاية وعناية فائقة، حتى تكبر ويشتد عودها وتثمر نخبة من رجال العلم والسياسة والاقتصاد والإعلام.
ولكي يكون هذا الصرح رائدا على مستوى الصين في تعليم العربية للصينيين، وتحقيقا لهذا الطموح، فقد جعل الطالب محورا رئيسا تدور حوله أركان العملية التعليمية، منهجا ومعلما، ومتعلما، وبيئة، فالإدارة عملت وتعمل جاهدة على تهيئة البيئة المناسبة، وإعداد الكادر المؤهل والمدرب، والمنهج المطور والمزود بالمواد المصاحبة والإثرائية، والوسائل التعليمية الحديثة، على سبيل المثال، حرصت الإدارة على استقدام عدد كبير من المعلمين العرب من جنسيات مختلفة، وهذا أتاح للطالب فرصة لممارسة اللغة مع أبنائها الأصليين والمتخصصين في تعليمها، بالإضافة إلى الطلاب العرب الذين يدرسون الصينية في المعهد. كما أنشأت الإدارة مركزا متخصصا بتدريب معلمي اللغة العربية، وجعلت الدورات التكوينية والتأهيلية واحدة من استراتيجياتها الرئيسية التي تسعى من خلالها إلى تحقيق أهدافها وطموحاتها، وأمر آخر حرصت عليه الإدارة وأعطته أهمية كبيرة، وهو ابتعاث الطلاب لإكمال دراستهم في بلاد اللغة المتعلمة، حتى تتوافر لهم البيئة الطبيعية لممارستها، إذ نجد طلاب المعهد يسافرون لإكمال دراستهم في أكثر من بلد عربي وأكثر من جامعة عربية، كل ذلك ساهم في تميز تجربة هذا المعهد، بالإضافة إلى توفير المرافق المجهزة بأحدث الأجهزة والوسائل الحديثة، كالمعامل الصوتية وأجهزة العرض والمكتبة، والمكتبة الإلكترونية، وشبكة الإنترنت التي تغطي كل مرافق المعهد بما في ذلك المكاتب والإدارات والمساكن ومباني التدريس.
لقد استطاع المعهد أن يحقق إنجازات جليلة، ولا بد أن يستمر على هذا النهج حتى تتحقق كل طموحاته وتطلعاته، فالتميز هو أن تستمر في القمة، وليس مجرد الوصول إليها، والتميز في مجال التعليم يقتضي أن تظل المؤسسة حريصة على مواكبة التغيرات ومتابعة أحدث الطرائق والوسائل والنظريات في مجال التعليم، معتمدة في وضع استراتيجياتها وتصميم خططها على الدراسات والبحوث التي تتناول احتياجات طلابها وخصوصيتهم في التعلم وميولهم وتطلعاتهم.
إن الحديث عن هذه التجربة الرائدة في تعليم لغتنا العربية في الصين سيطول حتى يقدمها للقارئ بالصورة التي يليق بها، فهي أكبر من أن يحيط بها مقال، وسأكتفي بالقول: لقد أصبح هذا المعهد ـ دون شك أو ريب ـ نبعا بل نهرا يرفد المجتمع بثروة بشرية مؤهلة وقادرة على الإضافة وإطالة بنيان السور العظيم!